يقول الأبناء أكثرَ الأشياء إثارةً للدهشة. كانت جانيت برام من جامعة رايس تتحدث مع ابنها المراهق عن بحثها حول الساعات البيولوجية للنباتات؛ فقد وجدت أن نبات أرابيدوبسيس — وهو نبات معملي تُجرَى عليه دراسات عديدة — ينتج موادَّ كيميائيةً دفاعيةً أكثر في تلك الأوقات من اليوم التي يتوقع فيها تعرضه لهجوم من الآفات الحشرية. وقد أخبرته بأن مستويات هذه المواد الكيميائية ربما ترتفع وتقل على مدار اليوم، مدفوعةً بفعل ساعة داخلية تشبه تلك الساعات التي تحدد إيقاعات حياتنا اليومية.

فقال لها الابن: «حسنًا، بتُّ الآن أعرف أي وقت من النهار سأتناول فيه الخضراوات.»

كانت تلك مزحة، لكنها دفعت برام إلى التفكير. إن الخضراوات التي تُشترى من المحلات تصنع بنفسها مواد كيميائية دفاعية مضادة للحشرات. فإذا كان نبات أرابيدوبسيس يصنع هذه المواد وفقًا لدورة تستغرق ٢٤ ساعة، فما من سبب يمنع نباتات المتاجر الكبيرة من فعل الشيء نفسه. ومن ثم، ذهبت برام إلى البقالة المحلية وابتاعت بعض ثمرات الكرنب، وراحت تعيد ضبط ساعات الثمرات.

إن الخضراوات الموجودة داخل ثلاجتك لا تزال حيَّة إلى حد كبير جدًّا، رغم أنها قد انفصلت عن النبات الأم؛ إذ إنها لا تزال تستنشق الأكسجين، وتطلق ثاني أكسيد الكربون، وتفقد الماء، وتؤيِّض المواد الغذائية (وهو السبب وراء أنها تستمر في النضج). حتى مع ذلك، اندهشت برام من مدى سهولة إعادة ضبط إيقاعاتها اليومية. تقول برام: «إن هذا يعني أن الخضراوات بعد الحصاد تكون أكثر «حيوية» مما قد تخيلنا يومًا.»

كان تعريض الكرنب لدورات بسيطة من الضوء والظلام كافيًا للتحكم بمستويات مواد يُطلق عليها الجلوكوسينولات، حتى أثناء وجودها في الثلاجة. وهذه المواد الكيميائية التي تنتج بنحو طبيعي تحمي الخضراوات من الآفات، ويمكن أن تكون جيدةً لصحتنا؛ مما يرجِّح أن الطريقة التي نخزن بها منتجاتنا الزراعية يمكن أن تؤثِّر على صلاحيتها وقيمتها الغذائية.

أوضح دانييل جودسبيد — طالب دراسات عليا لدى برام — هذا الأمر من خلال تقطيع قطع دائرية من أوراق ثمرات كرنب مشتراة حديثًا وتعريضها إلى دورات ضوء وظلام تستغرق كلٌّ منها ١٢ ساعة. (وهذه طريقة شائعة لضبط ساعات الجسم. فكر ببساطة فيما يحدث عندما تسافر عبر مناطق زمنية؛ إذ تصاب باضطراب الرحلات الطويلة لأن ضوء النهار يكون ساطعًا في الوقت الذي تتوقع أن يسود الظلام فيه، لكن جسدك سرعان ما يتأقلم على توقيت الضوء والظلام الجديد.)

وبالفعل، بدأت ثمرات الكرنب في إنتاج الجلوكوسينولات بمعدل ثلاثة أمثال عند تعريضها للضوء، بل إن ساعاتها ظلت تدق أثناء تخزينها في الثلاجة واستمرت كذلك لمدة أسبوع بعد الحصاد.

استخدم جودسبيد كذلك دورات ضوء مشابهة لضبط الإيقاعات اليومية لليرقات آكلة الكرنب. إذا خالفت اليرقات إيقاع ثمرات الكرنب باثنتي عشرة ساعة، كانت ستواجه دفاعات أقل مما لو كانت الساعات البيولوجية لكلٍّ من اليرقات والكرنب متزامنة. نتيجةً لذلك، أكلت اليرقات أكثر وزاد حجمها، في حين زاد ما تفقده ثمرات الكرنب من وزن بمقدار ٢٠ ضِعفًا.

هذا دليل واضح على أن ارتفاع وانخفاض مستوى الجلوكوسينولات في الكرنب يمكن أن يؤثِّرا على مدى كونها عرضة لهجوم الآفات. وفي الواقع، وجد الفريق كذلك أن اليرقات تسبب ضررًا أقل لثمار الكرنب التي كانت محفوظة في مكان تتعرض فيه لدورات من الضوء والظلام من تلك الثمرات التي تحفظ في أماكن تتعرض فيها لضوء مستمر أو ظلام مستمر. والأمر نفسه ينطبق على الثمار والخضراوات الأخرى التي تعتمد على مواد كيميائية دفاعية مختلفة، من بينها الخس والسبانخ والكوسا والبطاطا والجزر والعنب البري.

توضح الصورة الموجودة في الأعلى إلى اليسار تغيُّر مستويات الجلوكوسينولات في الكرنب على مدار يومين. أما الصورة الموجودة في الأعلى إلى اليمين والصورتان السفليتان، فتوضح أن الديدان تأكل أكثر من أنسجة الكرنب إذا كانت الساعات البيولوجية لكلٍّ من الديدان والكرنب غير متزامنة، ذلك لأن الديدان تشن هجومها على النبات في الوقت الذي تكون فيه مواده الكيميائية الدفاعية في أقل مستوياتها.

توضح الصورة الموجودة في الأعلى إلى اليسار تغيُّر مستويات الجلوكوسينولات في الكرنب على مدار يومين. أما الصورة الموجودة في الأعلى إلى اليمين والصورتان السفليتان، فتوضح أن الديدان تأكل أكثر من أنسجة الكرنب إذا كانت الساعات البيولوجية لكلٍّ من الديدان والكرنب غير متزامنة، ذلك لأن الديدان تشن هجومها على النبات في الوقت الذي تكون فيه مواده الكيميائية الدفاعية في أقل مستوياتها.

قد لا يندهش الأشخاص الذين يعرفون عن الساعات البيولوجية من النتائج. فرغم كل شيء، أوضحت بعض الدراسات الأخرى أن مثل هذه الساعات تتحكم في نشاط ثلث الجينات في نبات أرابيدوبسيس، الجينات التي تتدخل تقريبًا في جميع نواحي الحياة النباتية، بما في ذلك الدفاعات المضادة للحشرات. لكن فريق برام قد أخذ خطوة أبعد في إثبات أن مبيدات الحشرات تلك يمكن أن تعرقل اليرقات الحقيقية ويكون لها أثر جوهري على صحة النبات. يقول روب ماكلانج — من كلية دارتموث: «بالنظر للنتائج من منظورنا الحالي، ربما يبدو هذا واضحًا، لكني أعتقد أن هذه الدراسة تُظهِر قدرةً إبداعيةً رائعةً واستبصارًا هائلًا، والمستخلص من ذلك هو وجود دورة لجودة الغذاء أثناء فترة التخزين بعد الحصاد.»

في الواقع، بتعريض الفاكهة والخضراوات لدورات الضوء والظلام، ربما نكون قادرين على تحسين فترة بقائها. يقول أندرو ميلر — باحث في الساعة البيولوجية بجامعة إدنبرة: «الأخبار الجيدة هي أن القيام بهذا الأمر عادةً ما يكون سهلًا، بل وبإمكانه توفير بعض الطاقة في سلسلة توريد ما بعد الحصاد.» ذلك أن تكلفة تعريض المحاصيل لدورات الضوء ستُعوَّض من خلال جعل المحاصيل أكثر مقاومة للآفات.

وستكمن البراعة في استنباط الدورات المناسبة، فبينما نزرع النباتات المختلفة ونحسن من أنواعها، فإننا على الأرجح نغيِّر دون قصد ساعاتها البيولوجية، وقد أوضح ميلر أن ساعات النباتات المختلفة تدق بسرعات مختلفة. ويقول ميلر: «قد تكون ثمة قيمة تجارية في الواقع غير مستغلة للإيقاعات المثلى في عملية تحسين الأنواع النباتية.»

ويضيف قائلًا: «كثير من الأنواع البيولوجية تقع تحت سيطرة إيقاعات تنتظم على مدار ٢٤ ساعة، وإذا ما تجاهلنا أو عملنا ضد الساعات البيولوجية، فإننا نفقد كثيرًا من الفوائد المحتملة. تكتشف معامل في أنحاء العالم المختلفة باستمرار أن الساعة البيولوجية تتحكم في أجزاء من أنواع بيولوجية عملوا عليها لسنوات، غير مدركين للإيقاعات التي تحكم هذه الأنواع.

وأخيرًا، كلمة عن السرطان! يصف الفريق الجلوكوسينولات بأنها مواد كيميائية مضادة للسرطان، ويلمح إلى أنه بإمكاننا استخدام دورات الضوء والظلام لجعل طعامنا مغذيًا بدرجة أكبر من خلال زيادة مستويات تلك المواد. ومن الحقيقي أن الجلوكوسينولات يمكن أن توقف نمو خلايا السرطان المعزولة، لكن أذكر مرة أخرى: ثمة كثير من المواد الأخرى التي بإمكانها فعل ذلك.

الحقيقة هي أنه رغم هذه النصيحة الصحية التي كثيرًا ما قيلت، فإن الأدلة على أن الخضراوات يمكنها التقليل من خطورة مرض السرطان ضعيفةٌ جدًّا. ينطبق هذا حتى على الخضراوات من الفصيلة الصليبية — مثل الكرنب والبروكلي — الغنية بالجلوكوسينولات. في كثير من الدراسات الكبرى، يتبين أن احتمالية إصابة الأشخاص الذين يتناولون كثيرًا من الخضراوات من الفصيلة الصليبية بالأنواع المختلفة لمرض السرطان لا تقل عنها لدى هؤلاء الذين يأكلون قليلًا من الخضراوات الصليبية. قد يكون لهذه الدراسة آثار على صحتنا، لكن ثمة سببًا يجعلنا متشككين قليلًا بشأن ذلك الزعم الأخير.

The Cabbage in Your Fridge Still Runs on a Daily Clock by Ed Yong. Not Exactly Rocket Science. June 20, 2013.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.