على أكبر قدر من الإغضاء والتسامح لا يسعنا أن نعتبر رواياتنا المكتوبة عن عهد الاحتلال الأخير أكثر من «كناشة مسودة» في حقيبة سائح مستعجل، تجمع بين الخبر والإشاعة، وبين الحكاية والواقعية والأسطورة الخيالية، وبين المبالغة والانتقاص، وبين التلفيق عن جهل وعجلة والاختلاق عن قصد وسوء نية، وبين ما يستحق الإثبات بعد مراجعة كثيرة وما يستحق المحو والإهمال بعد مراجعة واحدة. ولا بد لها من إعادة بعد إعادة بعد ثالثة بعد رابعة، قبل أن تخرج من مكتب التحرير إلى صفاف الحروف، ثم تعرض بعد ذلك لدور آخر من أدوار الحذف والتصحيح.

والقصة الأخيرة التي عرضنا لها في اليوميات الماضية عن صلاة «حسين رشدي باشا وزملائه» ليست إلا مثلًا واحدًا من أمثال كثيرة، لا تقل عنها في التلفيق الواضح والحاجة الشديدة إلى المراجعة والتحقيق.

يذكر راوٍ في العراق أبيات حافظ كما أثبتها الدكتور زكي مبارك في بعض كتبه، وهو يقحم اسم سعد في الأبيات لغير مناسبة، بل على خلاف كل مناسبة، فينقل الأبيات على الرواية التالية:

سعد يصلي ورشدي!

آمنت بالله ربي

يا رب أبقِ فؤادًا

حتى يصلي اللنبي

ولا حاجة إلى مراجعة طويلة لإظهار ما في رواية الدكتور زكي مبارك من خطأ لا يحتمل الخلاف، فإن سعدًا لم يكن من الرؤساء الذين يدعون إلى المساجد لصلاة الجمعة مع الملك أحمد فؤاد في صحبة حسين رشدي، ولم تكن صلاة رشدي مع أحمد فؤاد أول صلاة له في المساجد حتى يضطر إلى تعلم الفاتحة والتحيات من سعد، ولم تكن هناك ضرورة تدعوه إلى حفظ الفاتحة والتحيات لأنه لا يجهر بهما في صلاة الجمعة، وقد عرف حركات الصلاة قبل ذلك عشرات المرات منذ كان يصلي مع الخديو عباس الثاني إلى أن تولى رئاسة الوزارة مرة أخرى بعد إعلان الحماية، إلى أن دخل الوزارة مع عدلي بعد موت حسين كامل وتولية أحمد فؤاد.

ولكن الروايات عن صلاة رشدي في المساجد لا تنتهي بهذه القصة ولا يكتفي رواة أخبارها باستجهال الرجل وعجزه عن حفظ الفاتحة والتحيات … ولكنهم يتقولون في هذه الأحدوثة أقاويل شتى، سمعنا بعضها وننقل بعضها كما ورد إلينا في إحدى رسائل اليوميات من الأديب «شوقي عطية» الطالب الحقوقي بجامعة عين شمس، وقد سمعناها بشيء من التحريف لا يخرج بها عن فحواها المقصود.

قال الطالب الأديب مما تواتر على سمعه: «إن المرحوم حسين رشدي حضر إحدى الصلوات بمسجد الرفاعي … لمناسبة دينية، فلما أقيمت الصلاة قام مع القائمين وسجد مع الساجدين، حتى إذا حان وقت التسليم الأخير لم يذكر «السلام عليكم ورحمة الله»، ولم يجد مخرجًا من حرجه إلا أن يقول: بونسوار مسيو … يمينًا وشمالًا. وراجعه الوزير الجالس إلى جواره، فأجابه: «إن الفرنسية لغة دولية، ولا بد أنها محترمة في السماء كما هي في الأرض!» فهل كان رشدي على هذا الجهل بلغة بلاده؟»

ونقول للطالب الأديب: كلا، لم يكن رشدي على هذا الجهل في معرفته باللغة العربية، بل كان نطقه المفخم للقاف والطاء والظاء وما إليها مفارقة من المفارقات التي يتندر بها حافظ إبراهيم — أيضًا — في معرض الحديث عن المفارقات المصرية؛ إذ كان يقارن بين قاف رشدي ابن الترك وقاف سعد ابن الفلاحين، وهي كما يذكر سامعوه قريبة من الكاف، فيقول: آمنت أننا في بلد المفارقات …!

ولن يبلغ من جهل أحد — كائنًا من كان — بعد أن عاش في مصر أكثر من نصف قرن أن يجهل كلمة «السلام عليكم ورحمة الله» وهي مما يسمع في كل يوم وفي كل مكان ومن جميع الطبقات، مئات المرات.

ومهما يبلغ من ضعف الذكاء، وقد كان حسين رشدي من أصحاب الذكاء المتوقد، فليس بالعسير على أحد أن يحتال بالتمتمة التي لا تسمع مع أصوات الناطقين بالتسليم، ولا أن يفهم أن التسليم باللغة الفرنسية المسموعة ليس بالمخرج المقبول من الحرج الذي يخشاه، بل هو الحرج كل الحرج، إذ لا حرج على الإطلاق في السكوت أو التمتمة والغمغمة بغير صوت مسموع.

ورواية أخرى من روايات الأبيات المنسوبة إلى حافظ ينبهنا إليها الأديب «شريف سامي» طالب الهندسة بجامعة أسيوط، وخلاصتها أنه يتذكر أنه قرأ هذه الأبيات بعبارة أخرى، وأنه بالرجوع إلى هلال نوفمبر سنة ١٩٤٨ وجد النبذة التالية مكتوبة إلى جانب مقال الأستاذ إبراهيم عبد القادر المازني بعنوان: صديقي حافظ إبراهيم، وقد جاء في النبذة أن جمعًا من الوزراء ذهبوا للصلاة مع الملك أحمد فؤاد في جامع القلعة عقب المناداة باستقلال مصر في سنة ١٩٢٢ وكان منهم أحمد مظلوم وحسين رشدي وإبراهيم فتحي، فأراد حافظ إبراهيم أن يداعبهم لهذه المناسبة فقال:

مظلوم صلى ورشدي!

آمنت بالله ربي

وجاء فتحي يصلي

بغير سيف وضرب

يا رب أبقِ فؤادًا

حتى يصلي اللنبي

قال الطالب الأديب: «وإني أبعث إليكم بمقالي هذا عله يسهم في الوصول إلى الرواية الصحيحة …»

ونقول للطالب المهندس إن «هندسة البيت» الأول قد تقنعه بأن اسم «عدلي» أحق هنا بأن يقرن إلى اسم رشدي لأسباب كثيرة غير التنسيق الصوتي، وأهمها أنه كان معه في الوزارة قبل ولاية أحمد فؤاد، وأن صلاة أحمد مظلوم الذي كان يقال عنه: إنه من وزراء «الدقة القديمة» أو وزراء «الألاتركا» لم يكن فيها من الغرابة ما يدعو حافظ إلى إثبات اسمه ونسيان عدلي في هذا المقام.

وأصاب الطالب المهندس حين قال: إن رواية هذه الأبيات بالصيغة التي نقلها عن الهلال قد تسهم في الوصول إلى الرواية الصحيحة، فإنها على الأقل تبعد اسم سعد غاية الإبعاد في هذه المناسبة، وهي مناسبة إعلان الاستقلال في سنة ١٩٢٢، فإن سعدًا كان على رأس المنادين بنقص هذا الاستقلال، وكانت مناداته بنقصه سببًا لنفيه إلى جزائر سيشيل قبل إعلانه.

***

ومما ورد إلينا تعليقًا على قصة هذه الأبيات خطاب مفصل من الأستاذ حسن غالب رشدي، سفير الجمهورية العربية المتحدة سابقًا، يعتب فيه على الذين يتجاهلون تاريخ والده هذا التجاهل وينسون في سبيل النكتة سيرته الحافلة بالجد والفخار في خدمة بلده وقيادة حكومته، مع ما اشتهر به من النزاهة النادرة التي أجمع أصدقاؤه وخصومه على الشهادة بها والتنويه بالثناء عليها: «حتى مات فقيرًا من المادة غنيًّا بما أسداه لوطنه من جليل الخدمات؛ فدخل بذلك التاريخ من أوسع أبوابه واستحق تقدير الوطن …»

ويشير السيد السفير السابق إلى صداقة سعد ورشدي، ثم إلى الخصومة بينهما فيقول: «إن الهجوم من زعيم المعارضة على رئيس الحكومة كثيرًا ما كان مدبرًا ومتفقًا عليه تسهيلًا لمأمورية الوزارة وتمكينًا لها من الوصول إلى أهدافها …»

وقد كنا نود أن ننشر هذا الخطاب من «الابن البار» إنصافًا لوالده مما يفترى عليه جِدًّا أو هزلًا، وقصدًا أو على غير قصد، لولا أن صفحة اليوميات تضيق عنه، ولولا أن هذه الإشاعات وما هو من قبيلها جميعًا ستظل بحاجة إلى التصحيح الشامل في مقام أوسع من هذا المقام.

ولن يفوت التاريخ إنصاف الوزير رشدي في كل ما هو من حقه — وهو كثير — ولكن العزاء للصابرين على أباطيل هذه الأقاويل أن علاقتها «بالقافية» التي تهذر ولا تعذر في عرف البلد ليست مجهولة عند بنيه.

ربما كان أصح الأقوال في أبيات حافظ إبراهيم أن تروى على الرواية التالية:

رشدي يصلي وعدلي!

آمنت بالله ربي

وجاء فتحي يصلي

بغير حرب وضرب

يا رب أبقِ فؤدًا

حتى يصلي اللنبي

ونرجح هذه الرواية بعد اطلاعنا على خطاب للسيد اللواء «أحمد عوني» جاء فيه بعد تمهيد عما في الروايات الأخرى من الافتراء:

«… وإليك قصة من واقعنا تتلخص في أن إبراهيم فتحي باشا كان مديرًا لأسيوط في ذلك العهد واستدعاه الملك أحمد فؤاد ليكون وزيرًا للحربية وطلب إليه رشدي باشا أن يؤدي صلاة الجمعة في الجامع الأزهر مع الملك فؤاد لمناسبة وجوده في القاهرة، فكانت مظاهرة أو مناظرة استرعت خاطر حافظ، فقال:

رشدي يصلي وفتحي!

آمنت بالله ربي

… إلى آخر الأبيات».

وبعد المقابلة بين الروايات المتعددة تخلص لنا حقيقة الأبيات كما رجحناها! وقد تكون صلاة فتحي في الوقت الذي تولى فيه وزارة الأوقاف؛ لأن وزيرها يشرف على المساجد ويدعى إلى الصلاة مع الملك لإعداد المسجد للزيارة الملكية.

واللواء «أحمد شوقي عبد الرحمن» جندي أديب من رجال السيف والقلم، يتتبع الطرائف من الأدبين العربي والغربي، ويساجل الأدباء المعاصرين ويروي من كلامهم ما يجهله الكثيرون من غير عارفيهم. وقد سمع من حافظ وشوقي ومطران كما سمع من شعراء الجيل الذي نشأ في أواخر جيلهم. وكان مما سمعه من حافظ تلك الأبيات التي نشرناها كما رجحناها بعد المقابلة بين مختلف الروايات، وهي أبياته التي ورد فيها اسم رشدي وعدلي، وقال فيها:

رشدي يصلي وعدلي!

آمنت بالله ربي

وجاء فتحي يصلي

بغير حرب وضرب

يا رب أبقِ فؤادًا

حتى يصلي اللنبي

وقد كتب إلينا يذكر ذلك ويصحح بعض الوقائع في الروايات المختلفة، فقال:

«أما أبيات حافظ فقد قيلت عام ١٩١٧-١٩١٨، إبان تقلد حسين رشدي الوزارة، وكان بها عدلي وزيرًا للمعارف وفتحي وزيرًا للأوقاف. وأصدق الروايات هي التي أشرتم إليها في مقالكم، وكان لكم الفضل في تحقيقها وفي إذاعتها، كما فعلتم بالأبيات الثلاثة التي تداولها الرواة القلائل والتي تنبأ فيها بزوال ملك فؤاد وأسرته، والتي كان يمكن أن تطويها عوامل النسيان لولا إحياؤكم لها بنشرها، وقد ضاعت من قبل قصيدته المشهورة في حكم إسماعيل صدقي، إلا النزر اليسير منها».

أما الأبيات التي يشير إليها اللواء الأديب عن نبوءة حافظ بزوال ملك فؤاد، فقد سمعناها من حافظ بمنزلنا وكانت لها قصة من قصصه الظريفة التي يعهدها منه جلساؤه. وقد كان من عادته أن يمهد لإلقاء ما يلقيه من ديوانه «الشفوي» بنكتة عارضة تفهم منها ما وراءها … فما كاد يجلس وهو يلهث — بعد صعوده إلى مسكني بالطبقة الثانية — حتى ذهب يسألني مصطنعًا للدهشة: عجبًا، أو لم يغيروا لك اسم شارعك؟!

قلت: ولماذا يغيرونه وهو اسم تاريخي قديم له مناسبة في هذا الطريق؟

قال: ليسمى «شارع أحمد فؤاد» كما تسمى في البلد شوارع أحمد فؤاد ومعاهد أحمد فؤاد ومستشفيات أحمد فؤاد وحمامات أحمد فؤاد. ومن يدري غدًا؟ فقد تسمى «دورات المياه» باسم أحمد فؤاد!

واستطرد بعد هذا التمهيد إلى لعن أحمد فؤاد ولعن آبائه وأجداده نثرًا مرسلًا، ثم قال: اسمع، وقل إن شاء الله:

يا مليكًا برغمه يلبس التا

ج ويرقى لعرشه مملوكا

إن تتمم يداك تخريب مصر

فلقد مهد للخراب أبوكا

أبقِ شيئًا إذا مضيت ذميمًا

عن قريب أتى عليه بنوكا

وقد صحت نبوءته بعد وفاته، فأتى عليه خليفته الأول وابنه الوحيد.

أما قصيدة حافظ التي نظمها في حكم إسماعيل صدقي وأشار إليها اللواء شوقي، فلا نظن أن المحفوظ منها يزيد على عشرة أبيات أو نحوها، وهي على ما نظن تبلغ التسعين. وقد جاءنا من الأديب مصطفى محمود مصطفى مدرس اللغة العربية بالمدارس الإعدادية تصحيح لبيت منها، يقول فيه:

«أما البيت الثاني فصحته:

لاهُمَّ أحي ضميره ليذوقها

غصصًا وتنسف نفسَه الآلامُ

بدلًا من الأحلام … لأن كلمة الأحلام جاءت في نهاية بيت آخر هو:

لم يبقَ فينا من يمني نفسه

بودادكم فودادكم أحلام»

ولا نظن أن التصحيح ينتهي بهذه الرواية وحدها؛ لأننا سمعنا الأبيات بروايات مختلفة، ومنها رواية هذا البيت كما يلي:

لاهُمَّ أحي ضميره ليذوقها

غصصًا وتقلق نومَه الآلام

ونعود إلى تصحيحات اللواء شوقي عن ورود اسم فتحي في أبيات الصلاة فنقول: إنها توافق ما رجحناه في مناسبة ذكره في الصلاة مع أحمد فؤاد، وهي ولايته لوزارة الأوقاف … وقد أضاف اللواء إلى تصحيحه لهذه المناسبة تعريفًا بالقائد العسكري الكبير قال فيه: «إنه كان قائدًا ممتازًا تخرج من كلية المهندسخانة وكلية أركان الحرب، وكان على كفاءة عسكرية مرموقة، وجاء كتشنر إلى مصر لتفقد القوات الحربية على القناة — وكان فتحي يومئذٍ مديرًا للغربية — فدعاه كتشنر إلى مصاحبته لاستطلاع رأيه، فقال فتحي كلمته المشهورة: هل يدافع جنودكم عن القناة؟ أو تدافع القناة عن جنودكم؟»

وقد أشار اللواء شوقي إلى حديث العلاقة بين فتحي والملك فؤاد فذكر الكلمة التي سمعناها من مصادر متعددة، وقد فاه بها في محاورة عنيفة بينه وبين أحد الأمراء، فقال على ما نذكر: قل لقريبك إن كرسي فتحي أثبت من كرسي السلطان.

وقد يكون ذلك — أيضًا — تصحيحًا لما قيل عن اختيار فؤاد له وزيرًا للحربية برضاه.

وكل ما قيل أو يقال عن خبر الصلاة وأسماء وزرائها، وعن خبر فتحي وعلاقته بالملك فؤاد فهو شاهد من شواهد كثيرة على حاجة التاريخ الحديث في مصر إلى «التبييض» عدة مرات، بعد النسخة «المسودة» التي نقرؤها أو نسمعها الآن.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.