لم يظهر إلى الآن من يذود عن وزارة المعارف أو يدفع ما قيل عن امتحان اللغة الإنجليزية لطلاب الكفاءة من أنه كان عسيرًا مسرفًا في العسر، أو سخيفًا مغرقًا في السخف، أو ممتازًا بالعسر والسخف جميعًا، بل لا تظهر صحف الصباح ولا تظهر صحف المساء إلَّا وفيها إنكار المُنكِرين وسخط الساخطين ونقد الناقدين واستهزاء المستهزئين أيضًا. وقد سكت الطلاب وتكلم الأساتذة. فأنت لا تكاد تقرأ في الصحف شكاةً يتقدم بها طالب، أو استعطافًا تتقدم به جماعة من الطلبة، وإنما تقرأ أحاديثَ يلهج بها الأساتذة من الإنجليز والمصريين، وأحاديث أخرى يلهج بها القادرون على نقد موضوعات الامتحان في غير رجال المعارف، وأولئك وهؤلاء متفقون على أن هذا الامتحان العسير، أو السخيف، أو العسير والسخيف معًا، قد كان ظلمًا مرهِقًا، فلا بدَّ من رفعه أو إنقاذ الطلاب من شَرِّهِ، ولا بدَّ بعد ذلك من اتخاذ الوسائل التي تكفل امتناع هذا الظلم وتَحُول دون وقوعه مرة أخرى. ولكن كيف يُرفع هذا الظلم؟ يُرفع بإحدى اثنتين: إمَّا أن تمضي وزارة المعارف في هذا الامتحان وتصحيحه كأن شيئًا لم يكُن، وكأن ظلمًا لم يقع. وإذن فسينال الطلاب ما يستحقون من الدرجات؛ وحينئذٍ فسترسب من غير شك، وسيكون الظلم صارخًا شنيعًا. وإمَّا أن تأمر وزارة المعارف لجان التصحيح بالرفق والرحمة والتجاوز للطلاب عن بعض الخطأ، والتسامُح معهم في بعض الهفوات، والنزول لهم عن بعض الدرجات؛ وإذن فسينجح منهم فريق ويرسب فريق. فأمَّا الناجحون فسينجحون بغير حق، وسيفوزون في غير استحقاق للفوز. وأمَّا الراسبون فسيرسبون في غير حق أيضًا، وسيُخفِقون في غير استحقاق للإخفاق. وما دام الامتحان قد كان قاسيًا عسيرًا سخيفًا بالقياس إليهم جميعًا فيجب أن ينجحوا جميعًا بغير حَقٍّ، أو أن يرسبوا جميعًا بغير حق، وكذلك نتيجة الأعمال التي لم تقُم على إيثار العدل والمنفعة وتَوَخِّي القصد والإنصاف والصواب، لا يمكن إلَّا أن تكون شرًّا كلها.

فالرحمة إذن لا تصلح علاجًا لهذا الموقف المؤلم السخيف الذي تقفه وزارة المعارف اليوم من هؤلاء الطلاب البائسين، والرحمة إنما يفكر الناس فيها بعد أن يستنفدوا ما يجب من العدل. فأمَّا قبل العدل، فليس إلى التفكير في الرحمة سبيل؛ لأنها تصبح ظلمًا وجورًا. ولست أدري لِمَ ينجح فلان ويرسب فلان إذا كان الامتحان عسيرًا سخيفًا بالنسبة إليهما جميعًا، ولست أدري كيف ينجح الطلاب جميعًا إذا كنَّا نريد أن يظفروا بشهاداتهم لأنهم استحقوها وكسبوها، ولأنها لم تقدم إليهم هدية ولا هبة. ولست أدري كيف يرسب الطلاب جميعًا إذا كانوا جميعًا قد اجتهدوا طوال العام وكانت كثرتهم خليقة بالنجاح لو أن الامتحان كان معقولًا. فالعدل وحده إذن هو الذي ينقذ وزارة المعارف ويصلح موقفها، ويردُّ الطلاب إلى ما يجب لهم من الإنصاف. وهذا العدل — كغيره من الفضائل — ثقيلٌ لا يحتمله إلَّا القادرون على أن يأخذوا أنفسهم بأداء الواجب واحتمال الأمانات على ثقلها، وما تكلف من مشقة وجهد وعناء.

هذا العدل يقضي بإلغاء امتحان الإنجليزية لهؤلاء الطلاب، وأخذهم بامتحان جديد توضَع له أسئلة معقولة في نفسها، ملائمة لبرنامج الدراسة ملاءمةً صحيحة لا غبار عليها. هذا العدل هو الذي يردُّ الأشياء إلى نصابها حقًّا، فيمكِّن الطلاب الجادِّين من النجاح الذين يستحقونه، ويردُّ الطلاب المقصرين إلى الإعادة التي لا بدَّ لهم منها، ويضمن للبلاد شبَّانًا نجحوا في الامتحان نجاحًا صحيحًا لا رحمةَ فيه ولا محاباةَ ولا عطفَ فيه ولا إحسانَ.

وأنا أعلم حق العلم أن وزارة المعارف ستطبق بهذا الاقتراح، وستمنعها الكبرياء من أن تحفل به وتلتفت إليه. ولكني أعلم حق العلم أن هذا الاقتراح وحدَه هو الحل الصحيح الملائم للحق والعدل والمنفعة، وأن حرص الوزارة على كبريائها لا ينبغي أن يكون أشد من حرصها على مستقبل هذا الجيل من الطلاب، وعلى إنصاف المظلومين من هؤلاء الطلاب. ولا ينبغي بحالٍ من الأحوال أن يُضحَّى بالمصالح العامة في سبيل هذه الأنفة الكاذبة، وهذه الكبرياء السخيفة التي تمنع الناس من أن يرجعوا إلى الحق إذا علموا أنهم مبطلون، أن يعودوا إلى الصواب إذا علموا أنهم مخطئون.

ومهما يكُن من شيء فلا بُدَّ من تحقيق دقيق بريء من كل المؤثرات؛ ليتبين الناس جلية الأمر في هذا الامتحان. وهذا التحقيق لا تستطيع وزارة المعارف أن تُجريه لأنها متهمة؛ فهي التي وضعت الامتحان وراجعته وورطت الطلاب فيه، فلا بدَّ من أن تنهض به إذن لجنة بعيدة عن مكاتب الوزارة، قِوامها جماعة من رجال التعليم الذين يستطيعون أن يقضوا في هذا الأمر دون أن يكون عليهم بأس من هؤلاء السادة المتسلِّطين في ديوان الوزارة. وكل حل غير هذا الحل مُعرَّض للشك والرِّيبة ووسيلة إلى الظلم والطغيان.

هناك مسألة أخرى يجب أن تفكر فيها وزارة المعارف منذ الآن، وهي مسألة العدول عن وحدة الامتحانات العامة بالقياس إلى مصر كلها. فمن السخف حقًّا أن توضع أسئلة في أي علم من العلوم لتفرض على طلاب المدارس جميعًا مهما تكُن مدنهم وبيئاتهم، لا لشيء إلَّا لأنهم طلاب التعليم الثانوي، أو طلاب التعليم الابتدائي، إنما السبيل المنفعةُ في تحقيق ذلك تؤلَّف لجانٌ مختلفة، لكل لجنة طائفة من المدارس تضع لها أسئلة الامتحان دون أن تلتزم هذه الوحدة التي تشبه التنظيم العسكري، وكلنا يعلم أن النظام العسكري له قيمته، ولكنه أقل النظم ملاءمة لشئون التعليم والامتحان.

ولو أن وزارة المعارف التي تلتزم هذه الوحدة الغريبة، ولم تفرض على الطلاب جميعًا أسئلة بعينها، لما كان الظلم بأسئلة الكفاءة في هذا العام شاملًا ولا عامًّا، بل لشكا منه فريق بعينه هو الذي يكون الله قد ابتلاه بمن وضع له هذا الامتحان السخيف، ولكان غير هذا الفريق من الطلاب آمنًا من هذا السخف، هادئًا لا يشكو ولا يستعطف، ولوجدت الوزارة نفسها أمام شر ضيق محصور.

فلتفكر الوزارة في إصلاح هذا الشر الذي تورطت فيه هذا العام، ولتهيئ الوسائل لاتِّقاء الوقوع فيه مرة أخرى، ولتصطنع في ذلك كله شيئًا من الجدِّ والسرعة والحزم؛ فذلك خيرٌ لها وللناس جميعًا.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.