من فكاهات الصحافة الأمريكية التي اطلعت عليها أخيرًا قصة موضوعة على ما يظهر، فحواها أن رجلًا صارمًا من المطبوعين على حب الزجر والتنديد لقي في بعض المنازهِ رجلًا آخر يدخن لفيفة نفيسة، ويبدو عليه الاستمتاع بتدخينها والارتياح إلى تقليبها بين شفتيه، فاستباح لنفسه أن يخاطبه، وجرت بينهما المحادثة التالية: كم لفيفة من هذا النوع تدخن في كل يوم؟

– نحو عشر.

– وكم ثمن الواحدة منها؟

– خمسة قروش على التقريب.

– يا للعجب! خمسون قرشًا كل يوم تذهب دخانًا في الهواء … فكم سنة مضت عليك وأنت تدخن؟

– ثلاثون سنة!

– إن خمسين قرشًا في اليوم تجتمع منها ثلاثين سنة ثروة عظيمة … أليس كذلك؟

– بلى، كذلك.

– أفلا ترى تلك العمارة الجميلة التي على ركن الطريق؟

– بلى، أراها!

– إنك لو لم تدخن قط لتسنَّى لك أن تملك تلك العمارة!

قال واضع الفكاهة: وهنا عاد المسئول سائلًا وانثنى يسأل المندد الزجَّار: هل تدخن؟

فقال الرجل متأففًا مزهوًا: كلا! ما دخنت قط ولن أدخن أبدًا.

فسأله مرة أخرى: وهل تملك إذن تلك العمارة؟

قال: كلا!

قال: ولكنني أنا مالكها!

***

هذه قصة فيها مجال طويل للتأمل واختلاف النظر بين حظوظ الحياة وضروب المتعة فيها.

فأي الرجلين على خطأ وأيهما على صواب؟

إن واضع القصة قد سهل لنا أن نعرف خطأ المندد الزجار؛ لأنه أظهر لنا أن التدخين لم يحل بين الرجل المدخن وبين ملك العمارة التي تساوي تكاليف التدخين في ثلاثين سنة.

ولكننا نفرض أن الرجل لم يكن مالكها، فهل يكون حتمًا لزامًا أنه من المخطئين، وأن لائمه المتصلف على صواب؟

إذا قيل: نعم، إنه لمن المخطئين؛ لأنه فقد عمارة كان في وسعه أن يجدها أمامه، فلماذا لا يقال: إن العمارة كانت مفقودة في السنين الثلاثين ولم يكن موجودًا في حسه غير لذة التدخين؟

نعم، إن لذة التدخين لا تجتمع لبنة فوق لبنة، وطبقة فوق طبقة، وجدارًا إلى جانب جدار، ولكن ألا يوجد الشيء إلا إذا لمسناه لمس الجدران؟ ألا يكون له أثر إلا إذا صدمنا في الطريق كما تصدمنا العمارات؟ ألا يجوز أن لحظات التدخين قد هيأت لصاحبها فرص ارتياح وثمرات حسانًا من ثمرات الحياة؟ ألا يجوز أنها أرضته حيث كان وشيكًا أن يغضب؟ وأسلست آراءه حيث كانت وشيكة أن تختلط وتتعقد؟ وشجعته على العمل حيث كان وشيكًا أن يتهاون ويتراجع؟ ألا تحسب هذه اللحظات في ثلاثين سنة؛ لأنها لا تقاس بالمتر ولا ترصد بالأرقام؟

تلك لعنة النقود المسكوكة، وذلك مدى تأثيرها في قواعد التفكير وفي أصول النظر إلى الأشياء.

فالنقود المسكوكة من المخترعات التي علمت الناس نمطًا من الفكر لم يكن مطبوعًا، ولم يكن من الضروري أن يفكروا على مثاله وينظروا إلى الأمور بمنظاره لولا اختراع النقود!

وكثير من الأشياء كانت تكون لها في تقويم الناس قيمة كبرى لولا أنهم تعودوا أن يقوموا كل شيء بعدد القطع من الذهب والفضة.

بل كثير من الأشياء كانت تبطل قيمته الشائعة وكان يبطل الصراع عليه والتناحر حوله، لولا اختراع النقد وشيوع التقويم على حسابه.

فقلَّ أن يعرف الناس اليوم قيمة لشيء لا يتحول إلى كذا من الدنانير وكذا من الدراهم.

ومع هذا كم في الدنيا اليوم من قيم غاليات لا تتحول إلى نقد ولا تباع بالنقد، وليس لها في سوق النقد حساب!

إن لذة التدخين محسوسة، فالذي ينكرها يسهل على المدخنين أن يعرفوا خطأه أو يعرفوا الناس بخطئه ولو بعض التعريف.

ولكن اللذات لا يحسها المنكرون كثيرات، وهي لو أمكن تحويلها إلى ذهب وفضة لملأت الخزائن وأدارت حركة المصارف سنوات.

فواحدة من اثنتين: إما أن تتحول ذهبًا وفضة لتصونها عن البخس والنكران، وإما أن تعرف خطأ الحساب الذي يدار على الذهب والفضة في تقويم قيم الحياة، ويومئذٍ يربح الناس خيرًا كثيرًا ويستريحون من عناء كثير؛ لأنهم لا يعرضون عن لذات نفسية أو فكرية كل ذنبها أنها لا توزن بالدرهم والمثقال، ولا يتناحرون على قنية هي في ظاهر الأمر ملك وفي باطنه حرمان.

واضع القصة أرانا أن المدخن كان هو مالك العمارة، وأن التدخين لم يفوت عليه ملكها، ولكن واضع القصة كان يستطيع أن يخطو وراء ذلك خطوة فيقول لنا: إن الرجل لم يكن ليملك تلك العمارة لولا تدخينة أو تدخينات زينت له رأيًّا من الآراء أو صفقة من الصفقات، فكانت العمارة بعض هذه الثمرات.

وأقول هذا ولست أدخن الآن، ولا أنا مؤمن بضرورة التدخين لمن يفكرون.

بل أقول هذا وكنت أدخن أربعين لفيفة في اليوم زمنًا من الأزمان، فلا أذكر أنني أشعلت لفيفة وأنا أكتب لأستعين بها على الكتابة، وربما أطفأتها لأكتب أو أقرأ أو أقلب الرأي في مسألة من المسائل، فليس من تجاربي أن التدخين والتفكير متلازمان. وكل ما أعنيه أن السرور الذي يشعر به المدخن ينبغي أن يحسب، وإن لم يتمثل في صورة الحجارة والحجرات، وهكذا ينبغي أن يحسب كل سرور.

كذلك لا دخل هنا للأخلاق والموازين الأدبية في صواب التقويم والتقدير، فإن صاحب العمارة قد يملكها بمال مكسوب من السحت والربا الفاحش، ثم لا يقدح ذلك في قيمة العمارة عند تقويمها بين البائعين والشراة.

والسرور الذي يداخل الحس قد يرجع إلى الحرام المحظور فيدان كما يدان الحرام المحظور، ثم لا ينفي هذا أنه سرور وليس بغمٍّ ولا عذاب.

ولهذا يجب أن توضع في الميزان ثلاثون سنة في المتعة التي تذهب دخانًا في الهواء، ولا تتحجر لبنات وعمارات في الطرقات.

والفارق بين هذه وتلك أن العمارة تنقل من مالك إلى مالك، ولا ينقل السرور الذي يستمتع به صاحبه أو يشترى منه بمال.

وهذه تفرقة سارية في عرف السوق، ولكنها ليست بسارية في عرف الحياة.

فسرور الأب بابنه لا ينقل ولا يباع، ولكنه مع هذا أنفس من نفائس الأموال.

وسرور العين بالجمال لا ينقل ولا يباع، ولكنه مع هذا ثروة تفلس الدنيا بفقدانها أيما إفلاس.

ومقياس النفاسة — صعد الاقتصاديون أو هبطوا، وصاح رجال المال أو سكتوا — هو في نهاية الأمر مقدار ما توحيه من شعور.

فالعمارة لا تساوي حفنة من تراب إذا كانت تنتقل من يد إلى يد، ولا يصطحب انتقالها بسرور بائع أو سرور شارٍ أو سرور مستأجر.

ونفس واحد من لفيفة واحدة أنفس من جميع العمارات التي لا نترجمها شعورًا في حالة البيع أو حالة الشراء أو حالة الاستئجار، أو في حالة النظر إليها إن كان النظر إليها باعث شعور.

أليس الاطمئنان إلى الرزق هو خير ما تقتنى من أجله العمارات؟ فالاطمئنان إذن هو ثمن العمارة الصحيح، ولولا أنه شعور مطلوب لما بذلت في أضخم العمارات أرخص الدريهمات.

ولكن هب مالك العمارة غير مطمئن إلى رزقه؟ وهبه خائفًا عليها من الحريق أو خائفًا من إفلاس شركات التأمين؟ وهبه كثير الهواجس من جراء ملكها ومنازعات المنازعين فيها، فهي إذن فقر في حسابه وفقر في حساب كل مقتنٍ لها يشعر في اقتنائه إياها بمثل هذا الشعور.

نسي الناس هذه الحقيقة وخسروا بنسيانها؛ لأن العملة سكَّت عقولهم بطابعها فأصبحت القيمة مرهونة بما يباع بكذا من الدراهم أو كذا من الدنانير، وبطلت القيم النفيسة التي هي الأساس وهي المرجع في تقويم متع الحياة.

ولو بقيت لنا رغباتنا وآمالنا كما كانت قبل اختراع النقد واختراع المال على الإجمال لتغير وجه التاريخ، وتغيرت هموم النفوس، وتغيرت أسباب الحروب والخصومات وأسباب النضال على العروض والمدخرات.

ولتقريب هذا المعنى تخيل أن العملة وبديلاتها ستبطل بعد أسبوع، فماذا يكون؟ إنك لتبصر في هذه الحالة من يعطي بيتًا ليشرب قدحًا من الليمون وليس بنادم ولا معدود من السفهاء.

أو تخيل أن كل متعة في الحياة أصبحت لا تنال إلا بهذه العملة الشائعة، فماذا يكون؟ إنك لتبصر في هذه الحالة من يعطي تراث الأرض لينعم بشعاع من أشعة الشمس والقمر.

أو تخيل أن كل نسمة روحية أو فنية قد أستطيع تحويلها بعد اليوم قروشًا وجنيهات، فماذا يكون؟ إنك لتبصر في هذه الحالة رجلًا من أصحاب القرائح يشتري دولتين أو ثلاث دول بفكرة خالدة توحى إليه.

وسيأتي — لا ريب — يوم يثوب الناس فيه إلى تفكير طليق من أسر العملة ومن طابع المسكوكات، فيومئذٍ يعرفون الغنى الصحيح ويرهبون الفقر الصحيح؛ لأنهم يبذلون الجهد بمقدار حقه، فيدخرون كثيرًا من ضائع الجهود في غير طائل، ويأخذون حسبما يبذلون، ثم لا يقومون أشياء بمقدار صلاحها للانتقال من مالك إلى مالك في غير جدوى؟ بل بمقدار صلاحها للبقاء في الخواطر والأرواح وهي شاعرة بما تستبقيه.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.