لو أتيح لوزير المعارف أن تُكشَف له الحجب، وتُرفع له أستار الغيب، لرأى ما لا يرى، ولسمع ما لا يسمع، ولعلم أن في أمور التعليم أشياء كثيرة تحتاج إلى أن يمنحها عنايته، ويقف عليها جهده، ويبذل في سبيلها من الجهد المخلص الصادق ما يردُّ كثيرًا من القلوب إلى الأمن بعد الخوف، وإلى الاطمئنان بعد القلق، وإلى الأمل والرجاء بعد اليأس والقنوط. وأكبر الظن أن ما فسد من شئون التعليم، إنما جاءه الفساد من مصادر مختلفة؛ أولها: أن وزير المعارف غلا في الثقة بنفسه والاستجابة لمواطنيه، فدفعه هذا كله إلى أن غَيَّر ما كان حقه أن يبقى، واستحدث ما كان ينبغي ألَّا يستحدث إلَّا بعد كثير من الأناة والريث وكثير من التمهل والتفكير. فليس يكفي أن تتغيَّر الحكومة لتهدم الحكومة الطارئة ما بنته الحكومة السابقة؛ لأن الوطن ليس ملكًا لحكومة دون أخرى، بل هو ليس ملكًا لحكومة من الحكومات، وإنما هو ملك لأجيال الشعب قديمها وحديثها، ما وجد منها في العصر القديم، وما هو موجود في العصر الحاضر، وما سيوجد في العصور المقبلة.

وإذا لم يَجُزْ لجيل من الأجيال أن يقطع الطريق على الأجيال المقبلة، ولا أن يمحو الصالح من آثار الأجيال الماضية، رعايةً لحق أولئك وحرمة هؤلاء، فأجدر بالحكومة — مهما يكن حظ أعضائها من الفطنة والذكاء — ألَّا تتمِّم هدم ما بنته الحكومات السابقة، لا لشيء إلَّا لمجرد الثأر والانتقام.

وقد جاء وزير المعارف إلى وزارته، فرأى نظامًا لم يحدثه وزير بعينه، وإنما أقامته الحكومات المختلفة شيئًا فشيئًا، تقيم هذه بعضه، وتضيف إليه هذه بعضه الآخر. وقد أضافت إليه الوزارة الوفدية الأخيرة شيئًا كثيرًا، فوسعته بعد ضيق ويسَّرته بعد عسر، وبسطته بعد انقباض. لم تهدم مما بنته الوزارة التي سبقتها شيئًا، وإنما أصلحت في رفق، وجددت في كثير من الاحتياط، وقهرت كثيرًا من صعوبات الحرب، واستعدَّت لقهر ما بقي منها؛ فاستكثرت من المدارس، واستكثرت من قبول التلاميذ في المدارس، واستعدت لسياسة المستقبل، وجعلت التعليم الابتدائي مجانيًّا، وتهيأت لجعل التعليم الثانوي مجانيًّا أيضًا، ولم تشقَّ على الناس في تحصيل الأجور، ولم تحمِّل الأبناء تَبِعَة العسر الذي يضطر إليه آباؤهم أو تبعة المماطلة التي يعمد إليها آباؤهم أيضًا، وإنما أباحت لهم التعليم، وأباحت لهم الامتحان، وفتحت أمامهم أبواب الأمل الواسعة. وكان رأيها أن شيئًا خيرٌ من لا شيء، وأن التعليم الناقص خيرٌ من الجهل، كما أن الطعام القليل خيرٌ من الجوع، وكما أن ماء النيل — على ما فيه من كدر — خير من الموت ظمأً في انتظار الوسائل التي تقدمه إلى الناس صفوًا نقيًّا.

ولم تمضِ وزارة الوفد في سياستها هذه مستبدة ولا مرتجلة، وإنما فكرت وقدرت واستأذنت البرلمان فأذن لها. فكان الحق على وزير المعارف ألا يستبد بتغيير هذه السياسة، وألَّا ينحرف عنها دون أن يأذن له البرلمان في هذا الانحراف، ولكنه أسرف في الثقة بنفسه، الاعتداد بقوته، فاندفع في غير أناة، وغيَّر من غير روية، وتجاوز سلطان البرلمان بعد أن وعد بألا يتجاوزه، واستجاب لهذه العاطفة البغيضة التي ينبغي ألَّا يستجيب لها القائمون على أمور الشعب، وهي عاطفة الاستئثار والرغبة في هدم ما بناه السابقون …

ثم لم يكتف وزير المعارف بهذا، ولكنه أضاف إلى ثقته بنفسه ثقته بطائفة من الأعوان لم يكونوا أقل منه ثقة بأنفسهم، فاندفعوا كما اندفع، وشطوا كما شطَّ، وانتهوا كما انتهى إلى إحداث هذا الاضطراب الذي نشأت عنه أزمة التعليم في هذه الأيام. وقد كانوا يستطيعون أن يسيروا، كما سار الوزراء من قبلهم، في شيءٍ من التمهل والأناة وحسن التدبير.

توسعت وزارة الوفد في التعليم بمقدار، فكانوا يستطيعون أن يتوسعوا بمقدار أيضًا، ولكنهم وسعوا من جهة وضيقوا من جهة أخرى، فاختلط الأمر اختلاطًا شديدًا.

فالتعليم الإلزامي ما زال بعيدًا كل البعد عن أن يلائم حاجة مصر وطاقتها: مدارسه أقل مما ينبغي، ومنهاجه في حاجة إلى كثير من الإصلاح، فكان الخير في أن يُعْنَى وزير المعارف وأعوانه بإصلاح المنهاج من جهة، وإنشاء المدارس من جهة أخرى. ولكنهم أرادوا أن يتوسَّعوا في التعليم الابتدائي، فألغوا نحو مائة من المدارس الإلزامية، ثم لم ينشئوا بعدُ مدارسَ أخرى تقوم مقامها، ونشأ عن ذلك أن رُدَّ كثيرٌ من أبناء الشعب عن التعليم الشعبي، واضطروا إلى بطالة ثقيلة عليهم وعلى آبائهم، مؤذية لهم ولآبائهم. ثم لم ينشأ عن هذا توسع ذو خطر في التعليم الابتدائي؛ لأنهم قبلوا في هذه المدارس بمقدار، وبمقدار ضئيل جدًّا، ولأنهم ألغوا من بعض المدارس الابتدائية القديمة فصولها الأولى، ولأنهم عنوا عناية خاصة بالاستكثار من رياض الأطفال التي يقدم فيها التعليم بالأجر لا بالمجان. وكانت النتيجة أن ضيق على الناس في التعليم الشعبي الإلزامي، ولم يوسَّع عليهم في التعليم الابتدائي؛ فشكا العاجزون لأنهم لا يجدون المدارس التي يتعلم فيها أبناؤهم بالمجان، وشكا القادرون لأنهم لا يجدون الرياض التي يتعلم فيها أبناؤهم بالأجر. وقد نشأ عن هذا كله أن عبثت وزارة المعارف بالأطفال كما يعبث الصبي بما بين يديه من اللعب، فجعلت تنقلهم من مدرسة إلى مدرسة، ومن حيٍّ إلى حيٍّ، لا تنظر في ذلك إلى أسنانهم، ولا إلى قدرتهم على الانتقال، ولا إلى قدرة أسرهم على رعايتهم والعناية بهم.

وشرٌّ من هذا كله أنها أقامت نفسها مقام أولياء الأمور، فلم تستشرهم في شيء، ولم تؤامرهم في تدبير هذه المرافق التي تمسُّ بناتهم وأبناءهم من قريب. ونظرت الأسر فإذا بناتها وبنوها يفرقون في أنحاء المدن بغير حساب، وفي غير نظام، كما يريد المشرفون على شئون التعليم، لا كما يريد الآباء والأمهات، ولا كما يُطيق الآباء والأمهات. وأسباب المواصلات في مصر قصيرة جدًّا في هذه الأيام، عسيرة جدًّا في هذه الظروف، فكان النظر اليسير إلى مصالح الصبية، والرعاية القليلة لطاقتهم وطاقة أسرهم، والرفق القليل بالشعب؛ كل ذلك كان خليقًا أن يحمل وزارة المعارف على التمهل والتدبر قبل أن تنثر الأطفال في أنحاء المدن نثرًا.

وأغرب من هذا أن وزارة المعارف استحدثت فصولًا ثانوية في بعض المدارس الابتدائية، فزادت في آخر هذه المدرسة، ونقصت من أولها … جعلت لها رأسين، ولكنها قطعت رجليها! ثم لم تكتفِ بهذا، ولكنها خالفت منطق الحقائق مخالفة مدهشة. فقد كانت طبيعة الأشياء تقضي بأن الذين تخرجوا في مدرسة ابتدائية، يجب أن يلتحقوا بالفصول الثانوية التي أنشئت فيها، فتمضي أمورهم هينة يسيرة لا مشقة فيها ولا عسر، ولكن الوزارة أهملت هذا المنطق إهمالًا، ولعبت بالتلاميذ كما يلعب الناس بقطع الشطرنج، وفرقتهم في الأحياء والأنحاء كما فرقت الأطفال الصغار طبقًا لخطة موضوعة — كما كان يُقال — في بلاغات الحرب، لا وفقًا لمصالحهم وقدرتهم على الذهاب والإياب. فإذا لاحظت أن الذين عبثت بهم الوزارة هذا العبث إنما هم أطفال وصبية، تختلف أسنانهم بين الرابعة والثانية عشرة، وأن هؤلاء جميعًا لا يمكن أن يوكلوا إلى أنفسهم، وأن الوزارة لا تملك من أدوات النقل ما يمكنها من أن ترعى وحدها هؤلاء الأطفال؛ عرفت أن الوزارة قد كلفت الآباء شططًا وأرهقتهم من أمرهم عسرًا بهذا العبث الذي لم يدعُ إليه إلا مجرد الرغبة في التجديد.

وقد كنت أظن أنْ قد انقضى ذلك العصر الذي يخلو الناس فيه إلى أنفسهم، فيرسمون الخطط على الورق، ثم يعتقدون أنهم قد رسموها للحقائق الواقعة. ولكن ما عملته وزارة المعارف في هذا العام قد أثبت أن هذا العصر لم ينقضِ بعد، وأن مصر ما زال فيها قوم يحلمون ويظنون أنهم يعملون، ويتمنون ويظنون أنهم يحققون الأماني! وليس أدلَّ على ذلك من أن وزارة المعارف وثقت، وملأت قلوب الناس ثقة بأن أمور التعليم ستجري في هذا العام الجديد على خير حال ممكنة، بل على خير حال عرفتها مصر في تاريخها الحديث. ثم استؤنف العام الدراسي فإذا أمور التعليم تشهد اختلاطًا واضطرابًا لم تشهدهما قط.

أطفال يشردون إلى غير مدرسة، وآخرون يفرَّقُون على المدارس بغير نظام، مدارس تُلْغَى ولا تنشأ بدلها مدارس أخرى، ومدارس تنشأ في خيال الوزارة ولا تزال الحقائق الواقعة تنتظر وجودها، ومعلمون ينقلون مرتين في يوم واحد، وقد ينقلون مرات في اليوم الواحد، ومدارس تحمل ما لا تطيق، وفصول تكتظُّ بالتلاميذ كما كانت تكتظ فيما مضى، وأدوات كان يظن أنها ستسبق التلاميذ إلى المدارس فإذا التلاميذ ينتظرونها، ويظهر أن انتظارهم لها سيطول، ومناهج تُغَيَّر فجأة دون أن يستعد المعلمون لهذا التغيير. وكل هذا لم يحدث إلَّا لأن وزير المعارف أسرف في الثقة بنفسه وبأعوانه، وتعجَّل الهدم قبل أن يستعد للبناء، ووعد قبل أن يقدر على البر بما وعد، ولو أنه اصطنع الأناة والتمهل، وسار في الطريق المرسومة، وحفظ للقوانين حرمتها وللبرلمان حقه، واستعدَّ لما يراه إصلاحًا قبل أن يهجم عليه؛ لجنَّب نفسه، ولجنَّب الوزارة والمدارس والتلاميذ وأولياء الأمور كل هذه المغامرات التي يعرف أولها ولا يعرف آخرها، والتي نرى الآن شرها العاجل، ولا نتبيَّن نتائجها الخطيرة التي سيتكشف عنها آخر العام.

وإذا كان هناك شرٌّ يجب أن يُتَّقى فهو التعجل في أمور التعليم، والإسراع إلى التغيير والتبديل فيها بغير حساب، وفي غير تدبر للعواقب وتقدير للنتائج.

وكانت وزارة الوفد قد قررت مجانية التعليم الابتدائي، وقدَّرت أن هذه المجانية سترغب الناس فيها، وتدفعهم إليها دفعًا، فأنشأت إلى جانب هذه المدارس مدارس ليست أقل منها نفعًا، ولعلها أن تكون أكثر منها غناءً، وهي المدارس الريفية. وأنشأت من هذه المدارس عشرات كثيرة في أقل من عامين، وكانت تستعد لإنشاء الطريق التي تصل بين هذه المدارس وبين مدارس التعليم العام؛ ليستطيع النابهون من تلاميذها أن ينفذوا إلى هذا التعليم، ثم إلى التعليم العالي. وكانت الوزارة القائمة خليقة أن تتم ما أعجلت وزارة الوفد عن إتمامه، فتستكثر من هذه المدارس، وتحقق الصلة بينها وبين التعليم العام. ولكن الوزارة رجعت أدراجها، وأعرضت عن كل ما أقام الوفد ليُقال إنها جددت، وليُقال أيضًا إنها هدمت ما بنى الوفد، فلم تربح الوزارة شيئًا، ولم يخسر الوفد شيئًا، وإنما احتمل الشعب وحده نتيجة هذا الاضطراب.

وكانت وزارة الوفد قد رسمت السياسة لنظام التعليم الجديد، واستأنفت بتنفيذ هذه السياسة بعد أن أقرها البرلمان، فلم تتعجل وضع القوانين الجديدة حتى تهيئ للنظام الجديد ما يحتاج إليه من المدارس والمعامل والأدوات، ورسمت الخطة لهذا كله في مشروع السنوات الخمس. ولكن الوزارة القائمة انحرفت عن هذه السياسة لا لشيء إلَّا ليُقال إنها مجددة، فوعدت بألا تغير نظم التعليم دون موافقة البرلمان، وغيَّرتها بالفعل دون موافقة البرلمان … خلطت مراحل التعليم خلطًا، وضيقت مناهج التعليم من بعض نواحيها، ووسعتها من بعض نواحيها الأخرى دون أن يعرف البرلمان من ذلك شيئًا، ودون أن يأذن البرلمان من ذلك بشيء. وكانت نتيجة هذا كله أن اضطرب الأمر أشد الاضطراب، وانتشر السخط أشد الانتشار.

وتستطيع الألسنة الرسمية للوزارة أن تقول ما تشاء، فلن تغير الحق الواقع شيئًا. والحق الواقع هو أن الموظفين في ديوان الوزارة ساخطون؛ لأنهم دفعوا إلى عمل لا يؤمنون به، وأن المعلمين ساخطون؛ لأنهم كلفوا نظمًا لا يطمئنون إليها، وأن التلاميذ والطلاب ساخطون؛ لأنهم أصبحوا كأدوات الشطرنج، يلعب بها اللاعبون في غير تدبُّر للعواقب ولا رعاية للمصلحة ولا عناية بصحة العقول والأجسام. وأولياء الأمور ساخطون؛ لأن الناس لا يحبون أن يُدفع أبناؤهم إلى الجهل، ولا أن يكونوا موضوعًا للعبث. وليس من شك في أن هذا كله محتاج إلى الإصلاح، ولكن سبيل هذا الإصلاح ليست ميسرة لوزارة المعارف كما هي الآن. فليس من المعقول أن يُقال للذين أحدثوا هذا الاختلاط: أصلحوا بأيديكم ما أفسدته أيديكم، وإنما المعقول أن يقال لهؤلاء الناس: دعوا شئون التعليم لقومٍ آخرين يحسنون فهمها، ويحسنون رعايتها، ويستجيبون — في تدبير شئون التعليم — للعقل والمنفعة العامة، لا للعلم الناقص ولا للأهواء الجامحة.

وواضح جدًّا أن هذا الكلام إذا لم يُقَل اليوم فسيُقال غدًا، ولكن من الواضح جدًّا أن الشعب هو الذي يدفع وحده ثمن الآنية المحطمة.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.