لا تستطيع مصر أن تقول في هذه الأيام إنَّها بلد هادئ مطمئن، ينعم بالدعة والأمن وفراغ البال، وتفرغ الحكومة والبرلمان فيه لما تفرغ له الحكومات والبرلمانات في البلاد الهادئة المطمئنة، من تدبير الأمور العادية مستأنية غير معجلة، مروية غير مشغولة عن الروية، ومن مسايرة التطور والاستعداد للمستقبل والأخذ في الإصلاح أو التأهب للأخذ في الإصلاح؛ لينتقل الشعب في هدوء ودعة من طور إلى طور، وليرقى الشعب في اتئاد وثقة من درجة إلى درجة. بل لا تستطيع مصر أن تقول إنَّها بلد قد أتيحت له أسباب الدعة والأمن والاطمئنان، لولا أنَّ أعقاب الحرب قد حالت بينه وبين الانتفاع بهذه الأسباب، وأثارت له من المشكلات ما يشغله عن الرقي ويعجله عن محاولة الإصلاح.

فقد نعلم أنَّ كثيرًا من بلاد الأرض تشغله أعقاب الحرب عن استئناف حياته الراضية، وسعيه إلى الرقي في ثبات وثقة، بما تثير له من المشكلات في السياسة الخارجية التي تتعقد من يوم إلى يوم؛ لأنَّ المنتصرين يأتلفون بعد اختلاف، ويختصمون بعد وفاق، ولأنَّ إقرار السلم ليس من الأمور الهينة المُيسَّرة، ومن مشكلات السِّياسة الدَّاخلية التي تتعقد من يوم إلى يوم أيضًا؛ لأنَّ ظروف الاقتصاد الوطني قد تأثرت بما بذلت الشعوب في الحرب من جهود مضنية، وما ضحت به من النفوس، والأموال، والمرافق.

فإعادة النِّظام الاقتصادي والاجتماعي إلى هذه الأوطان بعد ما ألمَّ بها من الكوارث، وما صبَّ عليها من الدَّمار، وما اجتاح أهلها من الموت، وما أفسد أخلاقها من الخُطوب، كل هذا ليس بالشيء الهين المُيسَّر، وهو خليق أنْ يشغل الأمم التي اشتركت في الحرب ووردت حياضها المُرَّة، ورعت كلأها الوبيل، عن استئناف الحياة الآمنة المستقرة الساعية إلى الرقي والإصلاح في غير تردد ولا قلق ولا اضطراب.

فإذا رأينا أمم الغرب تشقى بأعقاب الحرب، وتشغل بها عمَّا ينبغي أن تُعنى به من حياة السلم والأمن والاطمئنان، فإنَّ البلاد التي لم تحتمل من الحرب إلا أخفَّ أوزارها، ولم تلق منها إلا أيسر خطوبها، ولم تُشارك فيها إلا بعد انقضائها؛ ما ينبغي أن تشغلها أعقاب الحرب عن كل أمرها.

وقد نفهم أنَّ أمور العالم مُشتبكة مُرتبكة، وأنَّ أصداء الأحداث الكبرى تتردد في كل مكان، وتتجاوب في أقطار الأرض كلها، وأنَّ جزءًا من أجزاء العالم لا يستطيع أن يفلت من بعض المشكلات الكبرى؛ نفهم هذا حق الفهم، ونُقدِّر أنَّ السِّياسة العالمية، والاقتصاد العالمي، وانتقال العالم من طور إلى طور في حياته العامة، كل ذلك من شأنه أن يشغل مصر كما يشغل غيرها من البلاد، ولكننا مع ذلك نُفرِّق — أو على الأقل ينبغي أن نُفرِّق — بين بلد كبريطانيا العُظمى أنفقت خلاصة ثروتها في الحرب، وصبَّ عليها الدمار والموت منذ ابتدأت الحرب إلى أن انتهت، فتأثرت بهذا كله حياتها المادية والعقلية والخلقية أشد التأثر وأعمقه، وبلد آخر كفرنسا دهمتها الهزيمة الساحقة، واحتلها العدو أعوامًا، فأرهقها من أمرها عسرًا، وبلد آخر كألمانيا أذاق العالم أعظم الهول وأشنع البؤس، ثم أذاقه العالم أعظم الهول وأشنع البؤس، فكانت عاقبة أمره وبالًا ونكرًا، وبين بلد كمصر لا يمكن أن يُقاس امتحان الحرب له في الأنفس والأموال والمرافق والجهود بامتحان الحرب لتلك البلاد في الأنفس والأموال والجهود!

فليست أعقاب الحرب إذن وحدها هي التي تشغل مصر عن استئناف حياتها في دعة وأمن واستقرار، وسعي إلى الرقي والإصلاح، ونحن نعلم أنَّ فرنسا مثلًا قد اشتد فيها الاضطراب، وعظم فيها الاختلاط، وتعرضت أمورها وما زالت متعرضة لفساد عظيم، فأقبلت حكومتها وكثرتها البرلمانية على ألوان من التشريع الاستثنائي الذي يحد من حرية الأفراد والجماعات والصحف، ودعت بعض طبقات الشعب من المجندين إلى حمل السلاح؛ لتقاوم حركات الإضراب العام، إذا لم تغن الشرطة والجيش العامل في هذه المقاومة: ولكنَّ مصر لا تتعرض لمثل ما تعرضت له فرنسا، وليس بين طبقاتها من الصراع شيء يُشبه من بعيد ما بين الطبقات الفرنسية، وليس فيها ميل إلى الإضراب العام، أو ما يشبه الإضراب العام، وهي مع ذلك تخضع لنظم استثنائية لا تُقاس إليها النظم الاستثنائية التي استحدثت في فرنسا منذ أسابيع!

فلسنا نعلم أنَّ الجامعيين في فرنسا يُمارسون نشاطهم العلمي بأعين الشرطة والجيش، ولسنا نعلم أنَّ البرلمان الفرنسي يُمارس نشاطه البرلماني بأعين الشرطة والجيش، ولسنا نعلم أنَّ مدينة باريس وغيرها من المدن الفرنسية الكبرى تستقبل حياتها اليومية بأعين الشرطة والجيش، وإنَّما الذي نعلمه أنَّ الشرطة في فرنسا مستيقظة، تُجيب إذا دُعيت، وأنَّ الجيش في فرنسا مُستعدٌّ يُجيب إذا دُعي، وأنَّ الشرطة والجيش لا يُدعيان إلا حين تدفع الضرورة المُلجئة إلى دعائها، ثُمَّ نحن نعلم كذلك أنَّ هذا التشريع الاستثنائي الذي استحدث في فرنسا موقوت، بُدئ العمل به في يوم كذا، وينتهي العمل به في يوم كذا، وبين هذين اليومين أشهر قليلة لا تبلغ أصابع اليد الواحدة. فأمَّا في مصر فالنظم الاستثنائية قائمة منذ أعلنت الحرب، خفف بعضها تخفيفًا ظاهرًا بعد أن وضعت الحرب أوزارها بوقت غير قصير، ولكنَّه تخفيف ظاهر كما قلت ليس فيه من حقائق التخفيف شيء.

فالمحمقون وأصحاب السذاجة الساذجة وحدهم هم الذين يستطيعون أن يصدقوا أننا نحيا حياة سمحة يسيرة، لا تخضع للعنف ولا للبأس ولا للتحكم والاستبداد، والمحمقون وأصحاب السذاجة الساذجة وحدهم الذين يُصدقون أنَّ الصحافة حرة في مصر، وأننا أحرار في كل ما نحب من الاجتماع والخطابة والانتقال.

وإنك لتلقى الأجنبي كما ألقاه، وتسمع منه، وتقول له وهو يأتي من فرنسا وإنجلترا وأمريكا وغيرها من البلاد، وإنَّك لتعلم كما أعلم أنَّ هذا الأجنبي يدهش حين يصل إلى مصر فيرى ما نحن فيه من هذه الحياة الاستثنائية الغريبة، التي لا تُشبه حياة الحرب، ولا تُشبه حياة السِّلم، وإنَّما هي شيء مُعلَّق بين ذلك، لا ثقة فيه ولا أمن ولا استقرار.

فما مصدر هذه الحياة المُعلَّقة؟! مصدرها فيما أعتقد شيئان: أحدهما يتصل بالسياسة؛ فالشعب المصري يظن أنَّه قد كسب الحرية منذ وقت طويل، ولكنَّه يرى أنَّه لا يستمتع بهذه الحرية كما ينبغي أن يستمتع بها! فهو منكر لنظام الحكم ساخط عليه، ضيق به، سيئ الظن بالحاكمين، والحاكمون يعلمون منه ذلك حق العلم، فيخافون منه كما يخاف منهم، ويسيئون الظنَّ به كما يُسيء الظن بهم، ويُقيمون الأمر بينهم وبينه على الشَّكِّ، لا على الثِّقة، وعلى الخوف لا على الأمن.

الشَّيء الثَّاني أنَّ مصر تنتقل من طور في حياتها الاجتماعية الغافلة الذاهلة، إلى طور آخر جديد، فيه كثير من الشعور والتنبه والفطنة، فهي تُنكر من أمرها كثيرًا، وتطلب من الإصلاح والتغيير كثيرًا، ويثير ذلك الخوفَ في كثير من النُّفوس، والطَّمعَ في كثير من النفوس أيضًا، فلا يأمن بعض المصريين لبعض، ولا يطمئن بعضهم إلى بعض، وليست الحكومة أقل الخائفين خوفًا، ولا أهون القلقين قلقًا، ولا أيسر المتشائمين تشاؤمًا!

وإذا اتصلت هذه الحياة التي تقوم على القلق والخوف، فالله وحده يعلم النتائج المنكرة الخطيرة التي نحن منتهون إليها.

أليس من سبيل إلى اتقاء هذا الشر العظيم؟! بلى إنَّ السبيل لواضحة قريبة، هي الحرية، والاستقرار ولكن لا يُطاع لقصير رأي!

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.