أجهد الناس أنفسهم؛ فهم يريدون فهم الحياة، ولمَ يعيشون؟ وماذا يجنون؟ ولأي سبب يكدُّون ويعملون؟ ويُخيل لهم أحيانًا أنهم بدءوا يفهمون، فإذا هم رأوا شبحَ الموت مرفرفًا على الوجود جمد فهمهم، ولم يجدوا للمسألة التي يطلبون حلها حلًّا.

ها هي العوالم أمامنا جميعًا لم يسلم منها عالم من أنياب الموت وأظفاره، وها هم الناس من قبلنا سبقونا إلى الحياة، ولم يُبقِ الموت منهم أحدًا. ها هو الرجل يجد ما يريد، ويحصل ما يقدر، ويقيم في الحياة صروحًا وحصونًا، ويناضل كل الخلائق استزادة في الحياة، ثم لا يغني عنه ذلك كله شيئًا، وإنك لتراه فتحسب أنْ قد تم له ما أراد، ولم يبقَ للوجود عليه سلطان، ثم إذا هو يجيء عليه الموت، ويدخل دولة الفناء، وكأنه ما عاش إلا ليموت، والرجل — فيما يقال — أرقى ما وصل إليه تطور العوالم.

لِمَ إذَن الحياة؟ وإذا لم يكن في مقدورنا أن نخلص منها، فلِمَ الكدُّ والنَّصَب؟ لم لا نكون — كما يريد الرواقيون — قليلي الأطماع والمطالب؟ ننتظر غاية الحياة بالصبر والسكينة التي ينتظر بها السجين انتهاء مدته.

ذلك بأنَّا لسنا وحدنا ذات وجود مستقل في العالم، كلا، ولسنا في حياة الوجود شيئًا مذكورًا. إنما نحن كالحطب نُرمى تحت قِدْر العالم، ولا تهتم القِدْر أيُّ الأحطاب انطفأت قبل غيرها، وإنما يهمها أن يكون تحتها الحطب دائمًا، وما دام الحطَّاب موجودًا. ما دام ذلك السر الهائل الذي يحرك الوجود — ولم يوفَّق إلى اليوم أحد أن يفهمه — يدفع العالم في الطريق الذي يسير فيه من الأزل، فستبقى حياتنا لهبًا، سرعان ما ينطفئ، ولكنه متى الْتَهب استمر حتى يجيءَ على المادة المشتعلة التي وصل إليها.

وهذا هو سر الحياة في دائرة ما يصل إليه فهمنا. نحن نعيش، ونتحرك، ونعمل؛ لأن العالم العظيم الأزلي الخالد الذي حكمنا باقٍ ويريد أن يبقى، لسنا فيه إلا كذرَّات التراب في الجبل الشامخ، أترى الجبل يتأثر بما يتطاير من فوقه من هذا التراب؟

كذلك لا يهتم العالم لهذا التطور الدائم الذي نسميه نحن: الموت والحياة، لا يهمه جزع الأب الواله، ولا صراخ الأم الثاكلة، ولا دمعات الحزين المصاب، بل تمر به الحوادث كلها، ولا يُحس بها أكثر مما تُحس أنت بالهواء تستنشقه، ثم تلفظه، وتحل غيره محله، ولا يكون نصيب النَّفَس الجديد إلا كنصيب سابقه. مع هذا ترانا دائمًا نجزع أمام الموت.

ومَن منا لم تتحرك نفسه لمشهد جنازة مارة يسأل عنها، فيقال: إن النعش يحوي شابًّا غض الشباب، أو فتاة في ريعان الصبا، أو عجوزًا غص بالثروة، أو فقيرًا معدمًا؟ مَن منا لم تخُنه عَبرته، وقد رأى الأطفال صائحين يبكون ينادون: «يا حبيبتي يا أمي»؟

مَن منا لم ينفطر قلبه لمرأى ذلك الشيخ الأشيب جار عليه الزمان، فجعله جافًّا كله، وأن الجزع ليحرق فؤاده، ويستمطر بالدمع عينه؛ لأن ابنه الشاب ذهب وقد غصبه الموت؟ ألا لقد رأيت ذلك كله فلم تكُ مرة إلا عاودني فيها الجزع وكز قلبي الانقباض، ثم نتقدم للمَوْتور بكلمة فنقول: «إنْ كلٌّ إلا واردها، وكلُّ من عليها فانٍ.» أي هون عليك؛ فغدًا ستلقى ما لقي صاحبك.

وبعد هذا ينسى الأبُ ابنَه، والأمُّ وحيدَها، والصديقُ صديقَه، وتُراجع الثغور بسماتها، ويعاود الصدور انشراحها، ونرجع للحياة نستقبلها بنفوس ممتلئة أملًا، ولكأن الأمل أقوى من الموت.

يا عجبًا! أيدَّعي هذا الإنسان الذي تُصرفه الحياة كما تشاء، ويقضه الموت حين يريد أنه مركز دائرة العالم، والقطب الذي حوله يدور الفلك؟ أيحسب أنه قد انطوى فيه العالم الأكبر على ضآلة حجمه وصغر جرمه؟ أيظن أن الشمس والقمر، والكواكب والأجواء، إنما وُجدت لفائدته ولِلذَّته؟ ألا ما أشدَّ غرورَه!

لكن، أترانا وقد علمنا أننا ذرات في العالم لا تهم العالم أكثر مما يهمه أي شيء آخر، صادفين عن الحياة، ملتجئين إلى الزهد، قانعين بالمرور فوق مركب الزمن، حتى يسلمنا طور جديد إلى زمن جديد؟ أم نحن نبقى كما كنا نكدح ونكد ونعمل؟ أحسَب أن حل هذه المسألة ليس من اختصاصنا، ولكنه يخص العالم بالذات هو الذي يدفع بالموجودات في السبل التي تسلك من غير أن يكون لها في ذلك أقل اختيار.

والظاهر أن العالم يريد أن نعمل، وأن نعمل كثيرًا، وأن نعمل دائمًا جيلًا بعد جيل، وإذَن فلنعمل، ولنعمل كأحسن ما نستطيع.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.