هو البيان الذي ألقاه رئيس الوزراء مساء الثلاثاء في مجلس النواب عن قضية السودان؛ فأثار عاصفة من الهتاف وعاصفة أخرى من التصفيق، وأسال بعض الدموع على بعض الخدود. ثم لم يقف أمره عند هذا الحد، وإنما نشرته الصحف من الغد في كثير من الإعجاب والتقريظ، وأذاعه الراديو لا مرة ولا مرتين، بل مرات، حتى أذكرني قول الشاعر القديم:

ألهى بني تغلب عن كل مكرمة

قصيدة قالها عمرو بن كلثومِ

يفاخرون بها مذ كان أولهم

يا للرجال لشعر غير مسئومِ

وعزيز عليَّ أن أُغضب رئيس الوزراء، وأن أُغضب مؤيديه ومعارضيه، وأن أُغضب الصحف التي اندفعت في الثناء والإطراء إلى غير حد، ولكن الحق يجب أن يقال، وإن أغضب هؤلاء السادة جميعًا. والحق أن رئيس الوزراء لم يقل شيئًا ذا خطر. وأشدُّ من هذا إمعانًا في الحق أن رئيس الوزراء لم يصنع شيئًا إلى الآن يمكن أن نرضى به أو أن نطمئن إليه، ويمكن أن يقال إنه تقدم بمسألة السودان، لا أقول قدر خطوة ولا أقول قدر أصبع، بل أقول قدر إيمانه.

وما ينبغي أن نخدع أنفسنا بهذه الحماسة التي تثار في غير موضع للحماسة. فللجماعات حين تحيط بها بعض الظروف وتلم بها بعض الأحداث قوانينها التي تدفعها إلى الانفعال السريع، وتمعن بها في الحماسة التي لا تُغْنِي شيئًا.

وليس من شك في أن الشعب المصري تُحِيط به في هذه الأيام ظروف خاصة فيها كثير من الحرج، تجعله شديد الاستعداد لسرعة التأثر وثوران العاطفة. فما زال النقراشي باشا وصدقي باشا والإنجليز بصبر هذا الشعب حتى نفد، وما زال النقراشي باشا وصدقي باشا والإنجليز على هذا الشعب حتى استخف، وما زال النقراشي باشا وصدقي باشا والإنجليز يُطمِّعون هذا الشعب حتى يظن أنه قد بلغ المنى وحقق الآمال، ويوئسون هذا الشعب حتى يظن أن مناه قد أصبحت أبعد منالًا من الثريا، وأن كرامته قد أصبحت أهون شأنًا من الثَّرَى.

وما زال النقراشي باشا وصدقي باشا والإنجليز بهذا الشعب يطاولونه ويماطلونه ويداورونه ويناورونه حتى ضاق بكل شيء، وحتى أصبح ثائره أيسر وأسرع من كل شيء.

وكان النوَّاب حين اجتمعوا في مجلسهم يوم الثلاثاء كغيرهم من أفراد الشعب قد ضاقت صدورهم بهذا كله، ونفد صبرهم على هذا كله. وكانوا يقدِّرون — في كثير الظن — أن النقراشي باشا سيقول لهم كما تعوَّد أن يقول كلامًا غامضًا مبهمًا لا يدل على شيء إلَّا على الخوف والضعف والتهالك، فلما قال لهم كلامًا واضحًا لا غموض فيه، صريحًا لا إبهام فيه، أنكروا أنفسهم وأنكروا صاحبهم، وملك الدهش عليهم أمرهم. فاندفعت الأكفُّ بالتصفيق، وارتفعت الأصوات بالهتاف، وما هي إلَّا أن أمست الجلسة رائعة بارعة، وقيل إنها ستسجَّل في التاريخ. ونحن الذين لم يحضروا الجلسة ولم يسمعوا صوت النقراشي باشا وهو يلقي بيانه الخطير، ولم يشهدوا تأثُّر النواب وتحمسهم ثم ارتفاع أصواتهم بالهتاف واندفاع أيديهم إلى التصفيق، وإنما قرأنا البيان في هدوء ومهل، وفي تأمل وتفكير، ثم قرأنا ما يثر حوله من القول، وما كتب حوله من الفصول؛ نستطيع أن ننشد باسمين قول أبي العلاء:

تثاءب عمرو إذ تثاءب خالد

بعدوى فما أعدتني الثؤباء

ذلك أن رئيس الوزراء لم يقل في بيانه شيئًا يدعو إلى التحمُّس أو يرد إلى القلوب قليلًا أو كثيرًا من الاطمئنان، وإنما أعلن إلى النوَّاب وغيرهم من المصريين أنه يشك — كما يشك غيره من أبناء الشعب منذ زمن طويل — في حسن نية الإنجليز بالقياس إلى السودان، وأنه يرى الإنجليز — كما يراهم غيره من أبناء الشعب منذ زمن طويل — طامعين في السودان، حراصًا على استعماره والاستئثار به، مجتهدين في أن يفصلوه عن مصر، ويشجعوا بعض أهله على الرغبة في الانفصال والمطالبة به والإلحاح فيه.

هذه هي الخلاصة الخالصة لبيان رئيس الوزراء. وكان يقال في قديم الزمان إن الحكم الصحيح إنما هو تعرف المستقبل والاحتياط له قبل وقوعه. وكان من الطبيعي فيما أعتقد أن يكون النقراشي باشا وأشباهه من الذين ينهضون بأمور الحكم في هذه الأيام أذكى وأفطن وأنفذ بصيرة من أن تفجأهم الحوادث، وتدهمهم الخطوب، وتأخذهم الملمات وهم لا يشعرون.

وليصدقني القرَّاء إن قلت لهم إني لا أقضي العجب من سذاجة رئيس وزرائنا إن كانت صادقة أو متكلفة؛ فكل مصري يعرف أن الإنجليز يطمعون في السودان، ويريدون أن يستأثروا به، ولم يلتقِ مصريان إلَّا تحدث أحدهما إلى صاحبه بسوء نية الإنجليز وسوء تدبيرهم في كل ما يتصل بقضية وادي النيل، سواء منها ما يمس الجنوب أو ما يمسُّ الشمال، فإذا استكشف رئيس وزرائنا آخر الأمر ما يعرفه المصريون جميعًا منذ كانت معاهدة سنة ١٨٩٩؛ فقد يحقُّ لنا أن نهنئه بهذه البراعة النادرة، وبهذه السذاجة التي إن دلَّت على شيءٍ فإنما تدل على أنه أقل الناس صلاحًا للنهوض بأعباء الحكم، فضلًا عن النهوض باستخلاص حقوق مصر من الإنجليز.

أم نرى النواب قد تحمسوا وهتفوا وصفَّقوا لأن رئيس الوزراء تحدَّث إلى السفير البريطاني بما يخامر نفسه الطيبة وقلبه السليم من الشك في حسن نية الإنجليز وبراءة سياستهم من الميل إلى فصل السودان، وإغراء السودانيين بطلب الانفصال؟! فليعذرني النواب إن قلت إنهم يسيئون الظن بالنقراشي باشا إلى أبعد ما يكون سوء الظن من الحدود.

فقد تولى النقراشي باشا وزارته هذه الثانية ليحلَّ الأزمة التي أثارها صدقي باشا حول قضية السودان، وكان من الطبيعي أن يتحدث في هذه الأزمة إلى السفير البريطاني، وإلى من هو أعلى مقامًا من السفير البريطاني، وفيمَ يمكن أن يكون الحديث إلَّا في أن سياسة البريطانيين في السودان — ولا سيما منذ ذهب صدقي باشا إلى لندرة — تدلُّ على أنهم غير مخلصين ولا ناصحين ولا صادقين؟

وإذن؛ فما الذي صنع النقراشي باشا إلى الآن؟! أو ما الذي قال النقراشي باشا إلى الآن؟! رجل تولى الحكم ليحل أزمة معقدة بيننا وبين الإنجليز، فتكلم في هذه الأزمة مع السفير البريطاني، وقال للنوَّاب بعض حديثه مع السفير؛ أي غرابة في هذا؟! وأي شيء في هذا يدعو إلى التحمس وإلى الهتاف وإلى التصفيق؟! ثم ماذا قال النقراشي باشا للسفير البريطاني آخر الأمر؟ قال له إنه ليشك في السياسة البريطانية نحو السودان؛ لأن سيرة الحاكم وتصريحاته تدل على أن الإنجليز يمكرون بمصر والسودان جميعًا. وهذا شيء تكتبه الصحف كلَّ يوم مصبحة وممسية، وطلب إليه أن تصرِّح بريطانيا العظمى بأنها لا تريد فصل السودان، ولا تعمل على تشجيع المطالبين بهذا الفصل. وهذا شيءٌ تطلبه الصحف في كل يوم مصبحة وممسية، ولا ينتظر من رئيس وزارة أن يطلب أقلَّ منه. وربما كان أهم من هذا كله أن نعرف ماذا قال السفير البريطاني للنقراشي باشا بعد أن سمع منه هذا الكلام، لم يقل له شيئًا؛ لأن النقراشي باشا أنبأنا وأنبأ النواب بأنه ما زال ينتظر ردَّ السفير. أليس من حقِّنا أن نسأل عن هذه الحماسة ما مصدرها وما معناها وما غايتها؟ أليس من حقِّنا أن نخاف أشدَّ الخوف من أن يظن بنا الإنجليز أننا أصحاب سذاجة تخدعنا الألفاظ، ويُرضينا زخرف القول، ويمكن أن نقنع بالقليل من الصيغ التي لا تقدِّم ولا تؤخِّر ولا تُغْنِي شيئًا؟!

لقد كدت أنسى أمرًا خطيرًا جدًّا، خطيرًا إلى أبعد غايات الخطورة؛ وهو هذا الحل الرائع الذي تبرَّع به النقراشي باشا من عند نفسه لمشكلة قاضي القضاة في السودان. ألم يعرض النقراشي باشا على السفير أن يُبقي قاضي القضاة في منصبه على أن تدفع مصر مرتبه؛ لتستطيع حكومة السودان أن تعيِّن بهذا المرتب موظفًا قضائيًّا كبيرًا من السودانيين؟ أرأيت أبرع من هذا الحل؟ أرأيت أمهر من هذه المهارة؟ أرأيت أفطن من هذه الفطنة؟ رئيس وزرائنا يبتدئ فيسلم للحاكم العام بما يريد، ويعرض عليه حلًّا من عنده، وهو أن تدفع مصر مرتب القاضي إن كان في دفع هذا المرتب ما يعين على حل المشكلة.

أيصدر هذا العرض عن سياسي محنك مؤمن بحقه مصمم على الاستمساك بهذا الحق، أم يصدر عن خائف واجف يريد أن يرقع الفتق قبل أن يتَّسِع، وقبل أن يظهر عليه الناس فيظنُّوا به الظنون؟

كلَّا أيها السادة، دعونا من الحماسة الثائرة والعواطف الفائرة والهتاف والتصفيق، وردُّوا نفوسكم إلى أحلامها، واذكروا قبل كل شيء أن حاكم السودان ثائر على صاحب العرش المصري الذي عيَّنه، فيجب أن يُبعد عن منصبه إبعادًا لا إمهال فيه، وأن المطالبين بالانفصال من أهل السودان ثائرون على صاحب العرش المصري الذي له في أعناقهم جميعًا — كما له في أعناق المصريين والسودانيين جميعًا — عهدٌ يجب أن يُرعى، ويجب أن يُعاقب الناكثون له والخارجون عليه.

بهذا يجب أن يطالب النقراشي باشا، وفي هذا يجب أن يُلِحَّ، وعلى هذا يجب أن يصر، ولا ينبغي له أن يرضى حتى يصل إليه، ولا ينبغي للمصريين أن يرضوا عن رئيس وزارتهم حتى يصل إليه.

وهذا كله شيء، وقصة المفاوضات بيننا وبين الإنجليز شيءٌ آخر؛ فنحن الآن أمام مشكلة طارئة هي مشكلة هذا الحاكم العام الذي يثور ويشجع على الثورة. فإذا حُلَّت هذه المشكلة وأُبعِد هذا الحاكم العام، ورُدَّ الثائرون إلى الطاعة والصواب؛ رجعنا إلى مواقفنا من المفاوضات. والنقراشي باشا يعلم حق العلم — كما يعلم الإنجليز حق العلم — ماذا يقبل المصريون وماذا يرفضون.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.