من الغريب أن يبقى العنصر العربي متغلبًا في حياة الأمة مهما كانت قوتها السابقة وتبقى خصائصه ومناقبه ومعايبه ظاهرة في حياة الشعوب أيما ظهور، وهذا ما نشهده لعهدنا هذا في سورية ومصر والعراق وشمال أفريقية وبعض جهات الأندلس، ولكن أمامنا في التاريخ وقائع هجرة ونزوح وارتحال لا يمكن تعليلها بسهولة، فإنه من المعلوم أن الحضارة تتبع الخصب وجنوب جزيرة العرب كانت ولا تزال أخصب بقعة فيها، ولذا قامت فيها مدنيات عظيمة كالمدنية الحميرية وقامت فيها أسر مالكة شادوا قصورًا وحصونًا.

وفي الحق قد ثبت علميًّا وتاريخيًّا أن الهجرات السامية بدأت من بلاد العرب إلى البلاد المجاورة (العراق وكنعان ومصر والحبشة أخيرًا)، ثم توالت تلك الهجرات وتتابعت إلى الموطن الأصلي السامي (جزيرة العرب) ثم منها إلى تلك البلاد ثانيةً وثالثةً.

ولم تخل جزيرة العرب من سكانها مطلقًا كما أن تلك المهاجر لم تخل في وقت من الأوقات من العرب، وفي رأي بعض الباحثين أن القبائل القديمة التي قيل عنها إنها فنيت وأخنى عليها الدهر قد نزحت بأكملها إلى مواطن أخرى.

وليس في النصوص الحميرية التي اكتشفت حديثًا في بلاد اليمن ولا في الآثار المسمارية (الآتية من بلاد شمر وأكاد) ما يفسر لنا ألغاز هذه الهجرة، فهؤلاء اليمنيون هاجروا في فجر التاريخ إلى بابل وآشور لأسباب لا نعلمها؛ لأن هجرتهم لم تكن بسبب الفاقة، فإن الخصب لم يفارق بلادهم والخيرات ما زالت نعمها عميمة من أقصاها إلى أقصاها وموقعها على شواطئ البحار وفي مناخ معتدل يجعلها بمأمن من تقلب الجو الذي يفسد أمزجة السكان ويعرضهم للأدواء والعلل، ولعلهم نزحوا مرغمين لتغلب شعب قوي هاجر إلى بلادهم فزحزحهم عنها إلى العراق فقضوا أجيالًا طويلة ثم عادوا إلى بلادهم، فهل عادوا بقوة الحنين إلى الوطن أم عادوا بعد أن تقووا في المهجر ليغزوه من جديد ويطردوا الذين اعتدوا عليهم وطردوهم؟

ليس في النصوص الحميرية ولا في الآثار المسمارية ما يفسر لنا ألغاز هذه الهجرة المزدوجة للآن، بل إن هذه الآثار نفسها إن وجدت فقد حرص الإمام يحيى وحيد الدين وهو إمام الزيود باليمن على أن يحول بينها وبين العلماء ومنعها عن كل قارئ وباحث وناقل، وترك تاريخ بلاده في زمن النور لغزًا معقدًا ومعمى لا يحل.

وبعد أن تهدم سد مأرب هاجر اليمنيون هجرة ثالثة أو رابعة إلى شمال جزيرة العرب نفسها مخترقين الربع الخالي والدهناء إلى الحجاز فأرض كنعان، ومنهم العمالقة الذين نزحوا إلى مصر باسم الرعاع أو الهكسوس وأسسوا ملكًا ومدنًا في أواسط بلاد العرب في تهامة وفي نجران وامتزجوا باليهود، ولعل هذه الهجرة الثالثة أو الرابعة هي التي نقلت بعض اليهود ونثرتهم في أنحاء الجزيرة نثرًا، فقد كان من هؤلاء اليهود ملوك في بلاد اليمن نفسها وأسسوا أسرًا وجلسوا على العروش ولبسوا التيجان، وقبل أن يصلوا إلى أرض كنعان استوطن الكثير منهم الجهات الوسطى والشمالية من الجزيرة وأسسوا ملكًا عظيمًا في بلاد كنعان، والمناذرة في بلاد العراق منهم أي من اليمانيين وملكهم في كنعان المعروف بملك بني غسان.

كيف كانت عقائد هذه القبائل والشعوب المتباينة؟ وكيف كانت درجات إيمانهم؟ وهل تفاوتت أو تشابهت؟ الجواب سهل وهو مأخوذ مما سبقت الإشارة إليه.

إن أهل الجزيرة كلهم من الجنس السامي، بل إن الجزيرة هي المهد الأول لهذا الجنس نفسه ومقره ومسقط رأسه وموطنه الأصلي، وإن فروع هذا الجنس وإن اختلفت في بعض تفاصيل خلقتها وأخلاقها إلا أنها متشابهة في أهم ما يردها إلى أصل نشأتها، فهم متشابهون في تكوين الرءوس والجماجم وفي استطالة الوجه ونحافة الأبدان وحدة البصر والقناعة في القوت عند الاضطرار، والميل إلى الترف والجري وراءه متى وجدوا له سبيلًا، وشدة الطمع في متعة هذه الحياة الدنيا، وتفضيل الذاتي على الغير.

وكان دينهم واحدًا وهو الدين الوثني (تعدد الآلهة) وكذلك اللغة، وهنا يجب التمييز، فاللغة العربية التي نقصد إليها ليست هي اللغة العربية التي نتكلمها الآن أو التي كان يتكلمها أجدادنا، ولأجل هذا التدليل يجب أن نعلم أن أولى المدنيات في الجزيرة المدنية البائدة التي كانت لتلك القبائل التي زالت من الوجود كعاد وثمود وطسم وجديس وعمليق، فإن هذه القبائل أو الشعوب قد عاشت فعلًا وأسست حضارات عظيمة وورد ذكرها في التاريخ وفي القرآن والكتب المقدسة وفي الأساطير، ولا تزال لها أماكن معلومة يشار إليها كانت مقر تلك الأمم، وإن العلم الحديث أثبت وجود هذه الشعوب ولم ينفها، فقد طاف فريق من السائحين الأوروبيين ببيوت تُنسب إلى بعض تلك القبائل ووصفوها وحاولوا أن يخرجوها عن طبيعتها ويقولوا إنها مقابر منحوتة في الصخور، وسواءٌ أكانت تلك المباني المنحوتة في الصخور بقايا قصور أو حصون أو قبور، فهي دليل على شعب كان يقطن تلك الأماكن، وهذه قبور قدماء المصريين لا تقل فخامة عن قصورهم، والهرم الأكبر نفسه كان مقبرة، وللطليان في عصرنا هذا مقابر يطلقون عليها اسم «الوادي المقدس» أو كامبو سانتو فيها جماع حضارتهم وفنونهم الرفيعة ونقوشهم البديعة، وهي تدل بذاتها لو بقيت بعدهم على مدنية عظيمة رائعة، ومن أشهرها مقبرة جنوى وميلانو ونابولي.

وغني عن البيان أن أرض جزيرة العرب لا تزال بكرًا لم يحفر فيها أحد ولم تمتد إلى رمالها المتراكمة أيدي العلماء والمنقبين؛ لأن الأديان السماوية جعلت العرب يظنون مثل هذا التنقيب محرمًا. دع عنك أن الرياح والإعصار تسفي الرمال فتدفن الآثار وتطمرها وتمحو آثار الطرق وتطمس معالم المدن والقرى.

وفضلًا عما تقدم فإن طيارين فرنسيين صمما على اكتشاف مدينة بلقيس تلك الملكة الجميلة الغنية القوية التي ورد ذكرها في التوراة والقرآن، والتي نقلت من مقر ملكها إلى مقر ملك سليمان بفنون خفية نسبت إلى الجن فزارت عاصمة ملكه وجلست على عرشه وتهادت بمحاسنها بين أعمدة هيكله فكانت معه رمزًا خالدًا للجمال والقوة، وكانت أقوال العلماء عن عاصمة تلك الإمبراطورة الفتانة متضاربة، فقالوا: إنها في الحبشة أو في غرب الجزيرة، فلما صحت عزيمة هذين الطيارين الفرنسيين اتخذا لذلك الأمر عدته وتزودا بالخرائط والمعلومات من القاهرة والحبشة ثم طارا حتى بلغا آثارًا وخرائب بيضاء لامعة عالية تغمرها الرمال تارةً وتنكشف عنها طورًا، فحلقا فوقها وعادا بغنيمة الاكتشاف العلمي وهما يجزمان بأنها عاصمة ملك بلقيس، ووافقهما على ذلك فريق من العلماء العرب والإفرنج.

وهكذا ينكشف الستار شيئًا فشيئًا عن أسرار هذه الحياة في ماضيها البعيد والقريب، وهكذا يتغلب العلم الحديث على خفايا الدهور المستغرقة في القدم، وهذه الأخبار التي كانت أشبه الأشياء بالأساطير والقصص، والتي لم يكن أحد ليؤمن بها أو ليصدقها لولا ورود ذكرها على صفحات الكتب المقدسة، قد أصبحت حقائق ثابتة واجبة الاحترام. وأعجب من هذا أن هؤلاء العلماء يعتقدون أن تلك الخرائب لا تنطوي على فوائد تاريخية فحسب، بل إنها تخفي في أحشائها كنوز بلقيس وسليمان من الدر والجوهر والذهب والفضة وكنوزًا أغلى وأثمن ربما كانت في صفحات بعض الكتب المنقوشة بأخبار ترفع الستار عن أسرار عظمى تقلب تاريخ العالم رأسًا على عقب.

إذن كانت هناك أمم أو شعوب أو قبائل اسمها عاد وثمود وطسم وجديس، وقد أسست حضارة وبنت مدنًا وكانت لها لغة أو لغات وعقائد أو عقيدة مشتركة.

وكل ما يبهم أمرها أننا لم نعثر حتى هذه الساعة على الأدلة العلمية التي تعطينا الوصف التام وليس لدينا من سند عليها إلا ما ورد في الكتب المقدسة. ولكن هناك استنتاجات وقرائن قد تكون في بعض الأحيان أقوى من الأدلة تجعلنا نعتقد بوجود العرب البائدة بحضارتها ولغتها ومعتقداتها التي هي اللغة العربية الأولى التي لم تصلنا نصوصها.

والأمة الثانية التي كانت لها حضارة هي الأمة أو الأمم التي سكنت جنوب بلاد العرب أو اليمن وهي السعيدة برخائها وخصوبتها وجمال مناظرها وحسن جوها واعتدال هوائها ونقاء مائها، وهذه الأمة كانت لها حضارة أو سلسلة حضارات وكان لها لغة بل لغات هي القحطانية أو العدنانية لغة العرب الذين عادوا من بلاد العراق إلى الموطن الأول وعنهم نشأت قبائل بلغات كثيرة كالقحطانيين والحميريين والسبئيين والمعينيين ثم التبابعة.

وكانت لهذه القبائل معتقدات وطقوس وشعائر كما كان لها ملوك وعروش وتيجان وجيوش وفتوح وغزوات كما تطورت عندهم اللغة العربية.

والأمة الثالثة التي ترقت إليها مدنية العرب هي الأمة القرشية أو مجموعة القبائل التي كانت تسكن وادي الحجاز، فكانت لها حضارة وكانت لها لغة أو لغات ومعتقدات وطقوس وشعائر وعادات مرعية وآداب وعلوم وقواعد للحكم وللحياة، وهذه الحضارة هي المعروفة خطأً باسم الحياة الجاهلية وإنما سميت كذلك لأنها سبقت الإسلام، ولم يكن الاسم يدل على جهل الأمة بحال من الأحوال إنما يدل على جهلها بالعقيدة السامية.

هذه الأطوار الثلاثة للمدنية العربية تنقلت فيها الحضارة السامية الصميمة من الوسط إلى الجنوب ثم إلى الشمال الغربي، وهذه الحضارات الثلاث التي قد تختلف في بعض مظاهرها المادية والمعنوية كلها مرتبطة ارتباطًا وثيقًا برابطة واحدة هي الرابطة السامية، ففي الخِلقة تشابه وفي الأخلاق تشابه وفي اللغة تقارب وفي الأفكار تماثل ومحاكاة، فكأنها كلها أفرغت في قالب واحد أو كأنها ثلاث بنات لأم واحدة مهما اختلفن فيما بين أنفسهن طولًا وقصرًا ونحافةً وسمنًا وبياضًا وسمرةً، فإن الدماء التي تجري في عروق الواحدة هي التي تجري في عروق الثانية والثالثة، ولو أن هؤلاء البنات الثلاث افترقن منذ الصغر وترعرعن في أحضان غير أحضان أمهن ودرجن في بيوت غير بيتها ورضعن لبان أم غيرها، فقد بقيت علامات مشتركة ربطت بينهن جميعًا وتميزهن عن غيرهن، ولا بد أن تمر برءوسهن فكرات متشابهة ولن تخفق قلوبهن إلا لسبب واحد وعلة واحدة أو لأسباب وعلل متشابهة.

وإذن يجب علينا أن نسأل كيف كانت عقائد هذه الأمم وما هي العناصر التي تكونت منها أديانها؟ هل كان الدين ضروريًّا لها؟

إنك تجد عبادة الكواكب والأجرام السماوية في كل من تلك الأجناس المتباينة، وإنك تجد الطوطم أو عبادة الوحوش أو الطيور واتخاذ أسمائها أعلامًا للقبائل.

وإنك لتجد الكهان والسحرة وعلماء الفلك ومفسري الأحلام ومدَّعي العلم بالغيب. وإنك لتجد الإيمان بالجن والشياطين والأرواح الشريرة والخيرة، وإنك لتجد الطيرة والتفاؤل والتشاؤم، وإنك لتجد عبادة الأوثان والأصنام والاستسقاء بالأزلام واستشارة الأرباب عند كل من هذه الشعوب البائدة والشاهدة، وإنك لتجد تمجيد هذه الأصنام بعد اليأس من الوصول إلى عقيدة تطمئن إليها نفوسهم، ومنها تقريب القرابين على مذابح الآلهة التي من أفظعها تقريب الإنسان، وكان الآريون يقدمون الضحايا الإنسانية، ولكن ليس بنية الساميين الذين كانوا يقدمون الولد البكر (الإنسان)، ومن ذلك حديث إسماعيل وإبراهيم وعبد الله بن عبد المطلب، وقد بدأ تغيير العقيدة في مسألة إبراهيم الذي أنزل إليه الفداء وقد بقي هذا المذهب إلى ما قبيل عهد النبي بقليل.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.