ليست خيالًا ولا وهمًا، وليست ظنًّا ولا ترجيحًا، وإنما هي حقائق لا تقبل الشك ولا تحتمل النزاع، هذه التي رفعها صاحب السعادة أحمد عبد الوهاب باشا وكيل المالية إلى رئيس الوزراء، حين طلب إليه أن يدرس حالتنا المالية، ليتبين أيمكن أم لا يمكن البَدء في تنفيذ هذا المشروع الذي اضطربت له البلاد، وما زالت تضطرب، لا أقول منذ عام، بل منذ زمن طويل، وهو مشروع جبل الأولياء.

حقائق واقعة لا تقبل الشك، ولا تحتمل الجدال، هذه التي يستطيع القراء أن يقرءوها ويتدبروها في غير هذا المكان من الكوكب، وما كان لي أن أتحدث عن هذه الحقائق، أو أن أنالها بالتفسير والتأويل، فقد أوتِيَ عبد الوهاب باشا من الكفاية والبراعة ما يمكنه من أن يتحدث عن أشد الأشياء غموضًا، فإذا هي واضحة جلية، لا تحتاج إلى إطالة النظر، ولا إنعام التفكير، إنما أريد أن أقف عند ملاحظات سياسية تثيرها قراءة هذا التقرير الذي كتبه عبد الوهاب باشا.

وأُولَى هذه الملاحظات، أن الناس كانوا يعجبون من تلكؤ الوزارة في الرد على استجواب المستجوِبين، حين قدموه إلى مجلس النواب، وكانوا يتساءلون مِمَّ تخاف الوزارة؟ وفيمَ تتثاقل؟ وما لها تطلب الإرجاء إلى غير أجل؟ وما لها يحرجها المستجوبون فلا تستطيع أن تخلص من الحرج إلا بطلب الإرجاء إلى أن يستطيع رئيس الوزراء نفسه أن يرد على هذا الاستجواب؟! كان الناس يعجبون، ويُلقي بعضهم على بعض هذه المسائل، ويقول بعضهم لبعض إن الوزارة لم تعجز عن أن تحمل النواب على إقرار المشروع في الدورة البرلمانية الماضية، فماذا يخيفها من هذا الاستجواب؟ وماذا عسى أن يكون لرأى وكيل المالية من الخطر المخيف؟ وكان الناس أيضًا يتحدثون في هذه الطريقة الغريبة المخالفة للدستور، التي اختلست بها ميزانية الأشغال اختلاسًا من مجلس النواب، فلم يصوت على هذه الميزانية إلا خمسة وثلاثون عضوًا من خمسين ومائة عضو، يؤلفون مجلس النواب.

وكان الناس يتحدثون أيضًا عن إباء الحكومة، وإلحاحها في الإباء، أن تؤجل ميزانية الأشغال، حتى يكون الرد على هذا الاستجواب، كان الناس يعجبون لهذا كله ويتحدثون في هذا كله، ويقول بعضهم لبعض يجب أن يكون في الأمر شيء، وشيء ذو خطر؛ لأن وزارة صدقي باشا لم تتعود الخوف إلا من الأشياء المخيفة حقًّا، فقد ظهر الآن مصدر هذا كله، وظهر الآن أن الإقدام على هذا المشروع في هذه الأيام ليس إسرافًا ولا خطأً، وإنما هو اضطرار لمصر إلى كارثة مالية واقتصادية، لا سبيل إلى أن تعرف حدودها أو تضبط نتائجها الخطرة المنكرة.

هذا وكيل المالية يقرر أن تعلية خزان أسوان تستتبع أعمالًا ضخمة في الري، وتكلف الدولة ملايين يرتاع الإنسان لذكرها! وهذا وكيل المالية يقرر أن عند وزارة الأشغال مشروعات أخرى غير التي ذكرها، أقرها مجلس الوزراء في سنة ١٩٢٩، وأن هذا كله يكلف الدولة ملايين تضيق بها مواردها العادية في أوقات الرخاء، فكيف بها في أوقات الشدة والضيق؟ ثم هذا وكيل المالية يقطع — في غير تردُّد ولا اضطراب — بأن البدء في مشروع جبل الأولياء غير ممكن الآن من الناحية الاقتصادية والمالية، حتى تفرغ البلاد من تعلية خزان أسوان، وما تستتبعه من الأعمال الضخمة والنفقات التي تروع الأغنياء، فضلًا عن المأزومين. ثم هذا وكيل المالية يخاف وينبئنا بأن رئيس الوزراء نفسه يخاف معه من عجز وزارة الأشغال عن أن تجد الرجال الفنيين الذين ينهضون بمشروعاتها في مصر، فضلًا عن مشروعاتها في السودان، فكيف لا تضطر الوزارة إذا طلب إليها أن تعرض على مجلس النواب رأي وكيل المالية، وأكبر الظن أن هذه الحقائق لو عُرِضَتْ على مجلس النواب، وخُلِّيَ بينه وبين حرية الرأي، ولم تؤثِّر فيه الاعتبارات السياسية الخالصة، لأبى أن يأذن للوزارة بالبدء في هذا المشروع الآن.

وملاحظة أخرى يثيرها هذا التقرير الذي كتبه وكيل ماليتنا النابغة، وهي أن الوزارة قد أساءت إلى نفسها حين لم تتدبر هذا التقرير كما ينبغي، وحملت نفسها عبئًا قد تنهض بثقله الآن؛ لأن الحكم يلهيها عن التبعات، ولكنها لن تستطيع أن تنهض بهذا الثقل يوم تنزل عن مناصب الحكم، ويوم يخلو كل واحد من أعضائها إلى نفسه، ويوم يرى كل واحد من أعضائها ما ستتورط فيه البلاد من الشر حين يبدأ في هذا المشروع.

أساءت الوزارة إلى نفسها ولم تحسن إلى البرلمان، فقد كان يجب عليها أن تظهره على هذه الحقائق ليقر هذا المشروع أو يرفضه على بصيرة وعلم بدخائل الأمور.

وملاحظة ثالثة يثيرها هذا التقرير، وهي مداورة رئيس الوزراء في رده على المستجوبين، وحرصه على أن يؤكد أن عبد الوهاب باشا لم يناقش المشروع من ناحيته الفنية، ومن الذي زعم أن رجال المال والاقتصاد مُضطَرُّونَ إلى أن يناقشوا مثل هذا المشروع من الوجهة الفنية الخالصة، إنما واجب هؤلاء الناس أن يناقشوا مثل هذا المشروع من الوجهة الفنية، حين ترتبط بما سيطلب إليهم من تدبير المال، وقد قال عبد الوهاب باشا في ذلك رأيه صريحًا جليًّا لا عوج فيه ولا اضطراب.

وعبد الوهاب باشا أبقى في وزارة المالية من رئيس الوزراء؛ لأنه رجل فن لا رجل سياسة، وتبِعات عبد الوهاب باشا في هذا وأمثاله أثقل من تبعات رئيس الوزراء؛ لأن رئيس الوزراء سيستقيل غدًا أو بعد غدٍ، ويبقى عبد الوهاب باشا ليواجه المصاعب المنكرة التي يُنشئها له الوزراء معتزِّين بمسئوليتهم أمام البرلمان.

فمن الحق إذن على رئيس الوزراء أن يضع الآراء الفنية لوكيله فوق الاعتبارات السياسية، مهما تكن، وأن يُظهر البرلمان على هذه الآراء الفنية، ليعلم البرلمان ما يأتي وما يدع من الأمر.

ومهما يكن من شيء فقد كان عبد الوهاب باشا ناصحًا للأمة والحكومة معًا، ناهضًا بواجبه على خير ما ينهض به الرجل الكفء الذي يضع عمله الفني بمعزل أمين حصين من أهواء السياسة واعتباراتها.

وكانت الوزارة شجاعة حقًّا، جريئة حقًّا، وأي شجاعة أشجع، وأي جرأة أجرأ من أن تمضي في إقرار هذا المشروع وتنفيذه، رغم هذه الحقائق التي يملؤها الروع؟!

أما الأمة فنظن أن الوزارة توافقنا، وأن عبد الوهاب باشا يوافقنا أيضًا حين نقول إن أمرها إلى الله.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.