ليست المسألة الآن أن نعلم كيف ندرس العلم؛ فقد نعرض لهذه المسألة بعد حين، وإنما المسألة هي أن نعلم لِمَ ندرس العلم. ولقد أُحِبُّ أن يعرض ناس كثيرون لدرس هذه المسألة والجواب عليها، وأن ينشروا مباحثهم وآراءهم؛ ففي ذلك خير كثير لا شك فيه. على أن جواب هذه المسألة يختلف باختلاف من تلقى إليه هذه المسألة. فلو أنك سألت وزارة المعارف لِمَ تدرِّس العلم في مدارس الدولة، لوجدت من وزارة المعارف جوابين مختلفين: أحدهما يصدر عن الإنجليز، والآخر يصدر عن المصريين الذين يعملون في هذه الوزارة. أمَّا الإنجليز فجوابهم معروف قد نشروه ولم يخفوه، تحدَّث به ممثلوهم السياسيون، وتحدَّث به كتابهم الصحفيون: وهو أنَّا ندرس العلم لنعمل في دواوين الحكومة عمَّالًا صغارًا يشرف علينا رؤساء متسلطون هم الإنجليز. وإذن فيجب أن يقوم التعليم على قاعدتين تمسَّان مقداره وصورته، أو تمسان كمه وكيفه كما يقول الفلاسفة؛ القاعدة الأولى: أن يكون مقدار ما نتعلم قليلًا وقليلًا جدًّا من القلة، بحيث لا يُسمح لنا أن نتجاوز أعمالنا الصغيرة الضئيلة في الدواوين.

القاعدة الثانية: أن يكون ما نتعلم، والطريقة التي بها نتعلم من الرداءة والقصور، بحيث يحولان بيننا وبين كل حياة شخصية فيها أثر ما للاستقلال الفردي أو الاعتراف بالنفس أو القدرة على الابتكار.

هاتان القاعدتان كفيلتان بتحقيق الغاية التي كان يسعى إليها الإنجليز في وزارة المعارف: يجب أن نعلم قليلًا وأن نسيء علم هذا القليل. يجب ألَّا تنمو عقولنا، ويجب أن تكون هذه العقول التي حرمت النمو ممسوخة مشوهة من المسخ والتشويه، بحيث لا تدرك شيئًا على وجهه، ولا تستطيع أن تنتقل من حكم إلى حكم أو من قضية إلى قضية، بحيث لا تستطيع أن تُحْسِن التصرف في الحياة. فإذا عنيَ بتنفيذ هاتين القاعدتين، ووفق الإنجليز إلى هذا التنفيذ؛ فقد وفِّقوا إلى ما يريدون من تثبيت سلطانهم الاستعماري دون أن يتعرضوا لخطر عظيم أو ضئيل. هذا جواب الإنجليز، وهو واضح معقول، فالإنجليز مستعمرون قبل كل شيء، وليس ينبغي أن نطلب إلى المستعمر أن يحول البلد الذي يريد أن يستعمره إلى بلد قوي خليق بالاستقلال قادر عليه.

أمَّا جواب المصريين الذين يعملون في وزارة المعارف فليس من السهل أن تصل إليه؛ لأنه في كثير من الأحيان غير موجود. فكثيرٌ جدًّا من رجال وزارة المعارف لم يلقوا على أنفسهم هذه المسألة، ولم يتحدثوا إلى أنفسهم بأن للتعليم غاية أو غرضًا، وإنما عملوا وما زالوا يعملون في وزارة المعارف بطريقة آلية صرفة، كما يعمل غيرهم من الموظفين في المالية والداخلية وغيرهما من الوزارات. يعملون ليتقاضوا أجورهم، يعملون ليعيشوا. وهم معذورون؛ فقد كان سلطان الإنجليز قويًّا شديدَ الأثر في نفوسهم، وكان من القوة بحيث لا يبيح لهم أن يفكروا أو يبتكروا أو يعملوا. خضعوا لهذا السلطان كارهين أو غير كارهين، فأثر فيهم هذا الخضوع، وأصبح العمل الآلي طبيعة من طبائعهم؛ حتى إن بعضهم ليأخذه الدهش إذا سألته ما غاية التعليم؟ وما الأصول التي ينبغي أن تتخذ لتحقيق هذه الغاية؟! وآخرون في وزارة المعارف يفكرون ويحاولون أن يتبينوا غايات التعليم وأغراضه، ولكن هناك شيئًا لا أدري ما هو يحول بينهم وبين الوصول إلى نتيجة واضحة بيِّنة لهذا التفكير. ولعل هذا الشيء هو هذا الجو السيئ الذي يعيش فيه المصريون المستقلون في وزارة المعارف بين إنجليزي مستعمر ومصري خاضع أو متهالك على الخضوع.

ثقيلٌ جدًّا هذا الجو، يحول بين الرجل المستقل وبين التنفس الهادئ وبين التفكير الصحيح. فهو مضطرب حائر ليس له رأي أو له رأي لا يكاد يتبينه. وآخرون في وزارة المعارف لا يفكرون في التعليم ولا يفكرون في الخضوع للإنجليز، وإنما هم يريدون التخلص من الإنجليز والاستئثار بمناصبهم، ويرون أن المسألة الآن ليست مسألة التعليم، وإنما هي مسألة الاستقلال، لا تستلزم إصلاح التعليم الآن، وإنما تستلزم قبل كل شيء أن يقوم المصريون مقام الإنجليز. ذلك أن الإنجليز قد ظلموا المصريين، فاستأثروا بأمورهم ومناصب الحكم فيهم، وقد آن للمصريين أن يخلصوا من هذا الظلم وأن يستردوا مناصب الحكم، فإذا وفِّقوا إلى ذلك فقد يفكرون في إصلاح التعليم.

هذه فيما أعتقد الأجوبة التي تستطيع أن تلقاها في وزارة المعارف إذا تحدثت إلى المصريين في وزارة المعارف في إصلاح التعليم. وهي أجوبة ليس يعنينا أن تكون قيِّمة أو معوجَّة، وإنما يعنينا أنها لا تمسُّ التعليم. ولكنك قد تسأل عن غاية التعليم قومًا آخرين متصلين بوزارة المعارف، ولكنهم لا يعملون في دواوينها، وإنما يعملون في مدارسها. قد تسأل عن غاية التعليم قومًا هم المعلمون. وهؤلاء المعلمون أجدر الناس بأن يفهموا سؤالك، وأجدر الناس بأن يُحْسِنوا الجواب على هذا السؤال. ولكن هؤلاء المعلمين ينقسمون انقسامًا كإخوانهم الذين يعملون في الوزارة، ينقسمون أقسامًا مختلفة؛ فمنهم الذكي النابه الذي يتحرق غيرة على أمته ومصير التعليم في أمته، فيفكر ويقرأ، ويبحث ويقارن، ويكوِّن لنفسه رأيًا في غاية التعليم ومناهجه وبرامجه، ومنهم الذي يعمل في المدرسة كما يعمل في الديوان، يريد أن يتقاضى أجره، يريد أن يعيش، ومنهم الذي أصابه اليأس ونالته خيبة الأمل، فهو لا يريد أن يفكر، وحسبه أن يحتمل الحياة، ومنهم الإنجليزي الذي ينفذ في المدرسة خطة رئيسه في الديوان، يستعمر أكثر مما يعلِّم.

والأمر غير واقف عند هذا الحد؛ فإن هؤلاء المعلمين الأذكياء — الذين يفكرون ويرون في التعليم آراءً مختلفة — خاضعون لنظم وقوانين لم يضعوها، وإنما وضعها الإنجليز المستعمرون أو المصريون الذين لا يفكرون. هم خاضعون لهذه النظم والقوانين. فهم أقل الناس حظًّا من حرية الرأي. يريدون ولكنهم لا يستطيعون أن يتكلموا، يفكرون ولكن في أنفسهم وضمائرهم؛ لأنهم إن أعلنوا آراءهم أو نشروا شيئًا من أفكارهم لمناهج التعليم أو برامجه؛ نالهم سخط الرؤساء بما لا يحبون ولا يحتملون. وإذن، فاليأس أسرع إليهم من الرجاء، وربما استحالوا بحكم هذا الضغط المتصل وهذا الجو الفاسد إلى الآن يعملون في المدارس كما يعملون في الدواوين، ولكنهم يألمون. هم خاضعون لهذه النظم، وهم خاضعون لنظم أخرى تصور عملهم في المدرسة تصويرًا رديئًا، وتحدد لهذا العمل غايةً ليس لهم أن يتجاوزوها. وهم يعلمون هذه الغاية حق العلم، ويسعون إليها حق السعي؛ ليرضى عنهم الرؤساء، وتحسن فيهم شهادة المفتشين.

فإذا سألت المعلم عن غاية التعليم، أجابك مقتنعًا حينًا وساخرًا حينًا آخر: غاية التعليم هي شيءٌ شاقٌّ، شاق جدًّا، هي أن ينجح الطلبة في الامتحان. فالمعلم كفء إذا كثر عدد الناجحين من تلاميذه؛ هذا مقياس كفايته وليس لهذه الكفاية مقياس آخر. نستغفر الله! بل قد تُقاس الكفايات بمقاييس أخرى لا نعرض لها لأنها لا تمسُّ التعليم. ولكنك قد تُلقي نفس هذا السؤال على غير وزارة المعارف وعلى غير المعلمين، بل تلقيه على التلاميذ والطلاب، فلا تجد منهم إلَّا جوابًا واحدًا: غاية التعليم هي أن أنجح في الامتحان، هي أن أحصل على الشهادة التي أبلغ بها ديوانًا من دواوين الحكومة، والتي تكفل لي التفوق على غير المتعلمين.

كذلك يجيبك رجال وزارة المعارف، وكذلك يجيبك المعلمون، وكذلك يجيبك التلاميذ والطلبة. وعلى نحو ذلك يجيبك آباء التلاميذ والطلبة. وكل هذه الأجوبة على اختلافها وتباينها تدل على شيئين اثنين: أحدهما أن الذين يعنون بالتعليم لا يقدرون التعليم، والثاني أن الإنجليز قد وُفِّقُوا من هذه الناحية إلى ما كانوا يريدون؛ فمسخوا في نفوسنا أو في نفوس كثيرٍ منَّا صورة التعليم، بل تستطيع أن تقول إنهم حالوا بيننا وبين أن نوجد للتعليم في أنفسنا صورة ما. ومع هذا فليس تحديد غاية التعليم (بحرًا وجوًّا أن يحب كما يقول الفرنسيون، وإنما هي إن لم يكن يسيرًا كل اليسر فليس عسيرًا كل العسر).

لِمَ نتعلم؟ يجب إذا أردت أن تجيب على هذه المسألة أن تجتهد قبل كل شيء في تحديدها وتضييق موضوعها. فهناك التعليم الأولي، وهناك التعليم الثانوي، وهناك التعليم العالي، وهناك التعليم الفني. وقد تشترك كل هذه الأنواع في أنها نافعة مكوِّنة للعقل الإنساني، منمِّيَة للملكات الإنسانية على اختلافها، سواء أكانت عملية أم نظرية. قد تشترك كل هذه الأنواع في هذه الأغراض وما يشبهها، ولكن يخيل إلينا أن لكل نوع منها غاية يسعى إلى تحقيقها وغرضًا يجتهد في الوصول إليه.

ليس من شك في أن التعليم الأولي يكوِّن عقل الطفل وينمِّي ملكاته المختلفة، ولكن عقل الطفل وتنمية ملكاته ليسا كل شيء. بل إن هذه التنمية وهذا التكوين نفسهما يستلزمان التفكير في شيء آخر، وهو الصيغة التي تريد أن تصوغ بها عقل الطفل وملكاته وأخلاقه. الصورة التي تريد أن تصور فيها هذا العقل وهذه الأخلاق وهذه الملكات. وهذه الصورة نفسها يجب أن ينظر إليها من وجوه مختلفة، ومن وجهين اثنين بنوع خاص؛ أحدهما: أنك تريد أن تكوِّن رجلًا، وأن تمنحه من التعليم سلاحًا يمكنه من النضال في الحياة، الثانية: أنك تريد أن تكوِّن فردًا من أفراد أمة، فيجب أن يكون هذا الفرد ملائمًا لهذه الأمة، أو يجب بعبارة واضحة أن تكون الصورة التي تريد أن تصور بها هذا الفرد ملائمة لحياة الأمة، ملائمة للمثل الأعلى الذي تسمو إليه هذه الأمة، قابلة لأن تتطور وتستحيل كما تتطور الأمة وتستحيل دون أن يكون بينها وين الأمة في ذلك مشادة أو نزاع. أنت إذن في المدرسة الأولية مكلف أن تنظر إلى هذين الغرضين اللذين يتصل كل منهما بصاحبه اتصالًا شديدًا. فلا قيمة للفرد بغير الأمة، ولا وجود للأمة بغير الفرد. وعلى الملاءمة بين الصورة العقلية للفرد والمثل الأعلى للأمة تقوم الحياة الاجتماعية والسياسية والعقلية. وإذن فغاية التعليم الأولي واضحة جلية، وهي أن تكوِّن أفرادًا قادرين على الحياة لأمة قادرة على العيش في الحياة.

ولقد نعلم أن هذا كله مجمل يحتاج إلى التفصيل، ولقد نعلم أن هذا كله غامض يحتاج إلى التوضيح. وليس التفصيل علينا عسيرًا، وليس التوضيح علينا شاقًّا، ولكننا نريد أن نجتنب الإطالة، فنكتفي بمثل واحد نعتقد أنه يفصِّل هذا الرأي ويوضحه.

علامَ تقوم حياتنا اليوم؟ تقوم على أننا أمة قد سُلِبَتْ حقوقها السياسية ووجودها السياسي، فهي تريد أن تستردَّ هذه الحقوق وتثبت هذا الوجود. فإذا استردت هذه الحقوق وأثبتت هذا الوجود السياسي، فهي تريد أن تنتفع بحقوقها ووجودها، وأن تتخذ هذه الحقوق وهذا الوجود وسيلة إلى الرقي السياسي وغير السياسي. وإذن فأول واجب على المدرسة من هذه الوجهة هو أن تُعِدَّ الطفل لهذا الجهاد، وأن تُشعِره بهذه الحقوق وهذا الوجود، وتملأ قلبه حرصًا على استرداد هذه وإثبات هذا. فما رأيك في تعليم أولي كالتعليم المصري يخلو أو يكاد يخلو من كل شيء يُشْعِر التلميذ المصري بأن له وطنًا هو مصر، وبأن لهذا الوطن حقوقًا سياسية أو وجودًا سياسيًّا؟ ما رأيك في تعليم أولي في مصر يخلو أو يكاد يخلو من تاريخ مصر، ويخلو أو يكاد يخلو من جغرافية مصر؟ ثم لا يقف الأمر عند هذا الحد. فإن لنا في الحياة آمالًا ولنا في الحياة أساليب نتخذها لتحقيق هذه الآمال. فيجب أن يكون الطفل بحيث يستطيع أن يشعر بهذه الآمال، ويجاهد لتحقيق هذه الآمال، ويتخذ في الجهاد ما ألفنا من طرق وأساليب.

نريد أن يكون نظام الحكم فينا ديمقراطيًّا، فيجب أن تكون المدرسة الأولية ديمقراطية. نريد أن تكون ديمقراطيتنا هادئة معتدلة، فيجب أن تعد المدرسة الأولية لهذا الهدوء وهذا الاعتدال. نريد أن تكون وحدتنا الاجتماعية والسياسية والعقلية ظاهرة بيِّنة قوية، فيجب أن تعد المدرسة الأولية لهذه الوحدة. نريد في عبارة موجزة أن تكون المدرسة الأولية قالبًا تصاغ فيه حياتنا المقبلة كما نحب أن نحياها وكما نريد أن تكون. ومن هنا لا نجد سبيلًا إلى النزاع في أن التعليم الأولي أمر من أمور الدولة، يجب أن تتولاه، ويجب أن تشرف عليه. ولكنا نريد أن تحسن الدولة ولاية هذا التعليم والإشراف عليه، بحيث تفهم الدولة آمالنا ومثلنا العليا وأساليبنا في الحياة، فتكوِّن من هذا كله هذا القالب الذي يُصاغ فيه الطفل والذي هو المدرسة الأولية.

هذا فيما نظن الغرض الذي يجب أن يسعى التعليم الأولي إلى تحقيقه، فإذا انتقلت من التعليم الأولي إلى غيره من أنواع التعليم تعقَّد هذا الغرض وتنوَّع. ولكننا نحدثك عنه في غير هذا المقال.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.