تناولت الأسبوع الماضي في عمودي بعنوان «ماتر» Matter في جريدة «نيويورك تايمز» كيف تحولت الذئاب إلى كلاب، وذكرتُ دراستين جديدتين حول التحول الجيني الذي أنتج كلابنا الأليفة، والذي بدأ قبل ٣٢ ألف سنة. وقد اكتشف العلماء الذين أجروا البحث أن جينات معينة في المنظومة الجينية للكلاب قد مرت بعملية انتخاب طبيعي قوية.

بعضٌ من هذه الجينات التي مرت بعملية تطور مثيرٌ للاهتمام بصورة خاصة؛ إذ إنه من المعروف أن لها أهميتها في المخ. فأحد هذه الجينات — على سبيل المثال — يصنع بروتينًا يشارك في التحكم في مستوى ناقل عصبي يُطلق عليه سيروتونين. يؤثر السيروتونين على سلوكيات كالعدوانية؛ ليس لدى الكلاب فحسب، ولكن لدى البشر كذلك. وخضع هذا الجين لدى البشر أيضًا لعملية انتخاب طبيعي قوية. وبالنسبة للبشر والكلاب على حد سواء، فإن اكتساب مزيد من النزعة الاجتماعية ربما كان خطوة رئيسية في تطورنا الأخير.

تلقيت بريدًا إلكترونيًّا مذهلًا بالأمس من بات ليفيت، مدير برنامج التخلق العصبي التطوري في معهد علوم العقل المتطور في كلية الطب بجامعة كيك في جنوب كاليفورنيا والتي تقع في لوس أنجلوس. ومع أن ليفيت لم يكن مشاركًا في أبحاث الكلاب، فإن البحث أثار اهتمامه، ويوضح جدول نشرته دورية «نيتشر كوميونيكيشنز» السر في هذا الاهتمام؛ إذ إنه يحتوي على اثني عشر من الجينات التي مرت بعملية انتخاب طبيعي قوية لدى الكلاب والبشر على حد سواء، ويظهر الجدول أن جينين من هذه الجينات خاصَّان بالمخ، وأربعة جينات خاصة بالهضم، وستة جينات خاصة بدورة الخلايا (عندما تتعرض تلك الجينات الستة الأخيرة لطفرات، يمكن أن تسبب السرطان).

يوجد خطأ في قائمة الجينات التي يتضمنها ذلك الجدول، ولكنه خطأ من النوع الحميد؛ فواحد من الجينات الستة التي يذكرها الجدول الخاصة بالسرطان يُطلق عليه MET. وقد كتب ليفيت إليَّ قائلًا: «في عام ٢٠٠٦، نشر معملي ورقة بحثية في مجلة «وقائع الأكاديمية الوطنية للعلوم» حول طفرة في جين MET تزيد من خطر الإصابة بالتوحد.» وفي الواقع، من المعروف الآن أن شكلًا مختلفًا من جين MET يمثل أحد أشد المخاطر الجينية المسببة للتوحد.

واصل ليفيت وزملاؤه دراسة الجين لفهم كيف يلعب دورًا في الإصابة بالتوحد. كتبت زميلتي في مدونة «فينومينا» فيرجينيا هيوز في العام الماضي كيف اكتشف ليفيت وزملاؤه أن هذا الجين يشكل الوصلات الرابطة بين الخلايا العصبية؛ ولكنها ليست أية خلايا عصبية؛ إذ إن الجين يكون في أوج نشاطه في الدوائر في المخ التي تشارك في السلوك الاجتماعي والعاطفي.

يقول ليفيت: «لا أعتقد أن وجود ناقل السيروتونين وجين MET في القائمة محض مصادفة.»

ليس أمرًا استثنائيًّا أن يكون أحد الجينات نشطًا في أجزاء مختلفة من الجسد، وأن يؤدي وظائف مختلفة. فيمكن لعملية الانتخاب الطبيعي نشر أحد الجينات بسبب أن وظيفة من هذه الوظائف تعزز فرص البقاء على قيد الحياة والتناسل، بينما تبقى وظيفة أخرى لمجرد بقاء الجين. ومن ثم، سيحتاج العلماء الذين يرغبون في معرفة سبب تطور جين MET لدينا ولدى الكلاب اكتشاف كيف تغيَّر البروتين الخاص به في كل نوع، وكيف أثر هذا التغير على أشكاله المختلفة. يمكن تصور أن جين MET تطور كآلية دفاعية ضد الأنواع الأولى من السرطان لدى البشر والكلاب. كما يمكن أيضًا تصوُّر أن تحوُّله كان حيويًّا من أجل ظهور الأشخاص الاجتماعيين والكلاب الاجتماعية على حد سواء.

وقد اتصلتُ بأحد علماء جينات الكلاب وهو يابينج جانج من أجل معرفة رأيه حيال تصحيح ليفيت، وقد شعر جانج بإثارة شديدة لاكتشاف أن جين MET يؤدي وظيفتين في المخ، ويدرس هو وزملاؤه في الوقت الراهن جين MET — إضافة إلى الجينات سريعة التطور الأخرى — من أجل الوصول لفهم أفضل للوظائف التي يؤديها لدى الكلاب والذئاب. وسيستغرق الحصول على إجابات بضع سنوات على الأقل، ولكني أعتقد أن الأمر يستحق الانتظار.

Another Link between Dog Brains and Our Brains by Carl Zimmer. The Loom. May 23, 2013.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.