يحمل إليَّ البريد في هذه الأيام رسائل كثيرة عن بعض ما في كتابي الجديد «عود على بدء»، وخليق بالإجابة عن بعض ما أُسْأَل عنه أن تجلو أمورًا تحتاج إلى الجلاء.

على أنه يحسن بي أن أقول على سبيل التمهيد إن فكرة الكتاب لا جديد فيها ولا ابتكار، فكل من جاوز الشباب يحلم به وبالطفولة، وأقاصيص العجائز حافلة بذلك، وقد قصت زوجتي عليَّ إحداها — كما ورد في الكتاب — وكان ما سمعت منها هو الذي أوحى إليَّ فكرة الكتاب، وأخطرها ببالي وأغراني بها.

وقد عثرت منذ بضعة أيام على كتاب للمستر ثورن سميث اسمه: (The Glorious Pool) وخير ترجمة لهذا الاسم «عين الحياة»؛ لأن الكاتب يزعم أن هذه العين أو البِرْكة تَرُدُّ المرء شابًّا إذا استحمَّ بمائها، أو سبح فيها، بل هو حقيق إذا طال مكثه في مائها، أن يظل يصغر حتى يعود جنينًا، فالحذر واجب إذن!

وما زال مطلب الإنسان أن يحيا أتم حياة وأرغدها، وهو يتوهم أن ما استدبر خير مما يستقبل، وكلَّما شارف الختام زاد حنينه إلى الماضي، وبدا له هذا الماضي أبهى وأفتن وأحمد من الحاضر، وليس هذا بصحيح في كل حال، وليس في الحياة مع الأسف — أو لحسن الحظ — رجعة ولا توقُّف.

وبحسبنا هذا التمهيد الوجيز.

***

وقد سُئِلت عن كثير، وهذا بعضه: يسألني أحدهم عن «الشيخة صباح»، وقال بعضهم لابني الأكبر — محمد — إن أباك لا بد أن يكون هرمًا جدًّا؛ لأن الشيخة صباح تُوفِّيت من زمان بعيد بعد أن بلغت سنًّا عالية، فإذا كان أبوك قد أدركها، فإنه لا بد أن يكون قد جاوز التسعين أو بلغ المائة.

وإذا كان العمر بالإحساس فإني كما قلتُ قديمًا — قبل ثلاثين سنة — فيما طبعت من شعري:

أيْ نوح. وإن كنت أحس أحيانًا أني أصغر من بني. أمَّا الشيخة صباح فشخص حقيقي، ولكني لم أرها ولم أعرفها، وليست هي المعنية في كتابي، وإنما كان اسمها هو الذي خطر لي لأني سمعت بها من أمي، وقد حدثتني عنها ووصفتها لي بالتقى والورع، والكرم وطيب السيرة، وقالت لي إن أبي كان صديقًا لها وكان يوقِّرها ويُكبِرها، ولا يفتأ يزورها في طنطا ويقضي في ضيافتها أيامًا؛ لا لأنها شيخة أو ولية من أولياء الله، بل لأنها سيدة فاضلة بخير معاني الكلمة، وهذا هو الذي جعلني — بعد أن استعرت اسمها — لا أذكرها في الكتاب إلا بخير، ولا أخلع عليها إلا كلَّ وصفٍ حَسَنٍ، وكلُّ ما وصفتها به متخيَّل كما لا أحتاج أن أقول.

فهذا جواب السؤال الأول.

وكتب إليَّ أديب فاضل يبيِّن الفرق بين «الواقع المطلَق» و«الواقع المقيَّد»، ويذهب إلى أن «المطلق» أولى بعناية الفنان؛ لأن الواقع الخاص أو المقيَّد بزمنه قد تخفى دلالته على الأجيال المقبلة، وضرب مثالًا لذلك ما ورد في الكتاب من ذِكْرٍ لزمارة الإنذار، ولعبة اليويو.

وأنا أشكر للأديب الفاضل بيانه هذا، ولكنه لا يسعني إلا أن أعترف بأني عاجز عن التفريق بين واقع مطلَق وواقع خاصٍّ أو مقيَّد بزمنه، ولست أدري كيف يستطيع إنسان محدود أن يخرج من زمنه، بل إن لفظ «المطلَق» لا معنى له عندي، أو قُلْ إن مدلوله غامض غير واضح، على أني لا أحب المكابرة، فأنا مستعد أن أفهم وأقتنع إذا تفضل عليَّ أحدٌ بالبيان المقنِع.

وقد ذكرت في كتابي زمارة الإنذار، وكان يمكن أن أذكر غيرها مما يفعل فعلها في النفس، فلا قيمة لزمارة الإنذار بمجردها، وليس القصد إليها بالذات، وإنما المراد هو نشوء حالة تثير الخوف أو الجزع أو الإشفاق أو الاضطراب، فزمارة الإنذار هنا عَرَضٌ يستطيع القارئ أن يضرب عنه صفحًا، أما الجوهر والذي إليه القصد، فهو الحالة التي يعقل أن تجعل المرء يوجس شرًّا، وعلى هذا يمكن أن نعدَّ إمكان نشوء الخوف أو الجزع من الواقع «المطلَق» إذا كانت «زمارة الإنذار» من الواقع المقيَّد بزمنه، وأحسب أن هذا هكذا في كل شيء. ونجاري الأديب الفاضل في تفريقه بين «الواقعين» فنقول: إن الحب في ذاته من الواقع المطلَق، أيْ مما يقع في كل زمان ومكان ولا ينفرد به جيل دون آخَر، ولكن حب رجل معين لامرأة معينة في مكان وزمان معينَيْن، من الواقع الخاص أو المقيَّد، وليس المهم في قصة تدور على الحب أن فلانًا أحب فلانة، وإنما الذي له قيمة هو أن الحب حصل، وكانت له دواعيه ونتائجه المعقولة المنطقية، وأحوال الزمان والمكان هي التي تتيح لهذه العاطفة أن تنشأ بين إنسانين على التعيين، وليس فلان الفلاني أو فلانة بمخلوق مطلَق، وليست الأحوال الخاصة التي تجمع بينهما وتؤلف بين قلبَيْهما بأحوال مطلَقة، وإنما المطلَق — إذا كان لهذا اللفظ معنى — هو قانون الحياة الذي يفعل فعله كلما تهيَّأت الأسباب لذلك.

ومثل هذا يقال عن تشبيه اضطراب القلب بلعبة «اليويو»، وهي كرة صغيرة مشدودة إلى حبل مطَّاط، فلا تزال تعلو وتهبط، وفي التشبيه مبالغة ولا شك، والمبالغة هنا مقصود بها لفت النظر إلى شدة الاضطراب، والذي أعرفه أن التشبيه لا يكون إلا بمعهود، وما زلت أجهل كيف يكون التشبيه بما لا يتقيد بزمان أو مكان، بل أنا من الجهل بحيث لا أستطيع أن أفهم كيف يمكن أن يكون شيء في هذه الدنيا غير مقيَّد بزمان أو مكان.

وأحب أن أقول في ختام هذه الكلمة إني لا يخطر لي مطلقًا أن أكتب للأجيال المقبِلة، وأنا أومن إيمانًا مستغرقًا لنفسي أن الأجيال المقبلة ستستغني عما خلَّفتُ لها، وأنها ستجتزئ بمَن سينجبه زمانها، وأنا ابن زمني، فهو أولى بي وأنا قانع به وراضٍ عنه، وليته هو يرضى عني ويقنع بي!

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.