تحدث الناس في هذه الأيام بأن المعلمين في المدارس الحرة قد أضربوا عن إلقاء الدروس وأقاموا في مدارسهم لا يريمون ولا يعملون شيئًا، ليظهروا للحكومة وللشعب أن لهم حقوقًا يجب أن تؤدَّى إليهم؛ لأنهم رأوا في أكبر الظن أن الرفق لم يُغْنِ عنهم شيئًا، وأن الإلحاح في المطالبة لم يَقضِ لهم حقًّا!

وليس المهم أن نبحث عن أن هذه الخطة التي آثرها المعلمون ملائمة أو غير ملائمة لكرامة المعلمين من جهة، ولمصلحة المتعلمين من جهة أخرى. فقد نستطيع أن نفترض أسوأ الفروض، وأن نقدِّر أن المعلمين قد أقدموا على خطة لا تلائم كرامتهم، ولا تحقق مصالح تلاميذهم. ولكننا نعلم أن المعلم الذي يذهب إلى مدرسته فيقيم فيها ليشعر الدولة والشعب بأنه حريص على عمله مستمسك بمنصبه، ثم يمتنع عن الدرس ليشعر الدولة والشعب بأن له حقًّا يريد أن يصل إليه؛ لأن الحياة قاسية عسيرة، ولأنه لا يستطيع أن يبلغ منها لنفسه ولأهله ولأبنائه وبناته حقهم المعقول من هذه الحياة، إلا إذا أُديت إليه هذه الحقوق. هذا المعلم قد ألجأته الضرورة إلى خُطة يكرهها فيما بينه وبين نفسه أشد الكُره، ويعلم أن الناس يكرهونها أشد الكره، وأن الحكومة تمقتها أشد المَقت، وأن القوانين قد تعاقب عليها أشد العقاب. ولكنه يعلم من جهة أخرى أن الله قد أباح للجائعين الذين لا يجدون ما يدفعون به الجوع أن يقارفوا ما حُرِّم عليهم من ألوان الطعام، وهو يعلم كذلك أن الشاعر العربي قد قال:

إذا لم يكن إلا الأسنة مركبًا

فلا رأي للمضطر إلا ركوبها

ثم هو يعلم بعد هذا كله أن الفقهاء قد اختصروا هذه القصة الطويلة المعقدة في جملة يسيرة قصيرة سهلة، فقالوا: «إن الضرورات تبيح المحظورات!»

وهؤلاء المعلمون يقدِّرون فيما بينهم وبين أنفسهم أن عليهم حقوقًا يجب أن تؤدَّى إلى التلاميذ الذين لا ينبغي أن يُسألوا عن تقصير الدولة في ذات المعلمين. ولكن الله لا يكلف نفسًا إلا وسعها. وهو إذن لا يكلف المعلم الجائع أن يشق على نفسه بإلقاء الدرس. بل هو لا يكلف المعلم الذي يشعر بالجوع قد استقر فى داره، وأخذ يعذب أهله وبنيه أن يشق على نفسه بإلقاء الدرس. بل هو لا يكلف المعلم الذي تشغله الهموم المتصلة، والآلام المُلِحَّة عن العلم والتعليم؛ لأن له أسرة يجب أن تعيش، ولأن له كرامة يجب أن تُحفظ، ولأن له مكانة يجب أن تُرعى، لا يكلفه أن يشق على نفسه بإلقاء الدرس. والدولة وحدها هي المُكلَّفَة أن تمكن المعلمين من أن يعلِّموا، وأن تمكن التلاميذ من أن يتعلموا، وأن تتيح للآباء والأمهات أن يطمئنُّوا إلى أن أبناءهم لن يتعرضوا للجهل بإغلاق المدارس من دونهم، ولن يتعرضوا لضياع الوقت بامتناع المعلمين عن تعليمهم.

لهذا ولمثل هذا أُنشِئَت الدولة. فإن لم تُرْضِ حاجة الناس إلى هذا ومثل هذا، فليس لها في أعناقهم حق، وليس لها عليهم طاعة! هذه أوَّلِيَّات كان يجب أن تستقر في نفوس المصريين جميعًا، وفي نفوس الوزراء وأعوان الوزراء قبل غيرهم من الناس.

ولن يفلح المصريون، ولن تصلح أمورهم، ولن يصيروا أهلًا للحرية والاستقلال والكرامة، إلا إذا استقرت هذه الأوليات في قلوبهم وعقولهم، وامتزجت بدمائهم، وأصبحت قِوامًا لحياتهم حين يقولون وحين يعملون … وهناك أوَّليات أخرى لم تفطن لها الدولة. وما أقل ما تفطن الدولة له من الأوليات! فالتلميذ الذي يذهب إلى المدرسة الحرة مصري كالتلميذ الذي يذهب إلى مدرسة الدولة، له حقوقه كلها … والمعلم الذي يعلِّم في المدرسة الحرة مصري كالمعلم الذي يعلِّم في مدرسة الدولة، له حقوقه كلها. وبغير هذا تنهدم المساواة التي قررتها طبيعة الأشياء، وجعلها الدستور قوامًا لحياة المصريين.

فليست الدولة إذن مَدِينَةً لتلاميذها ومعلميها بدَيْن خاص، وإنما هي مدينة للتلاميذ جميعًا وللمعلمين جميعًا وفي المدارس جميعًا بدَيْن واحد، وهو أن يُقَدَّمَ إلى أجيال الشعب تعليمٌ ملائم لحاجة الشعب، لا فرق في ذلك بين معلم ومعلم ولا بين مدرسة ومدرسة ولا بين تلميذ ولا تلميذ.

والشيء المعروف أن المعلم في مدارس الدولة مظلوم في مصر، وأن الدولة بعيدة كل البُعد عن إنصافه وعن تأدية حقوقه إليه كاملة. فكيف إذا لاحظنا أن بينه وبين المعلم في المدارس الحرة فروقًا لا ينبغي أن توجد بين أبناء الوطن الواحد، ولا ينبغي أن توجد بين أبناء المهنة الواحدة؟ إن أيسر العدل أن يُسوَّى بين الناس فيما تَفرض عليهم ظروف الحياة من الظلم. فأمَّا أن يُظلم بعضهم ظلمًا يسيرًا، وأن يُظلم بعضهم الآخر ظلمًا غليظًا، فهذا هو الشيء الذي لا يمكن أن يُقبل، ولا ينبغي أن تتورط الدولة فيه.

وقد رأيت منذ زمن بعيد — وما زلت أرى، وسأرى دائمًا — أن أول واجبات الدولة أن تسوِّي بين المعلمين في الحقوق كلها وفي الواجبات كلها، إذا تساوى المعلمون في المؤهلات التي تبيح لهم التعليم. ويجب أن يكون المعلمون جميعًا موظفين في الدولة لهم كادر واحد، ولهم نصيب واحد في عناية الدولة بهم، يتقاضَوْن مرتباتهم بمقياس واحد، وينتظرون ترقياتهم وعلاواتهم بمقياس واحد، ويطمئنُّون إلى معاشهم بمقياس واحد. تنهض الدولة بهذه الأعباء في غير تردُّد ولا تحرُّج؛ لأنها أعباء تفرضها حاجة الشعب إلى التعليم، وحقوق الشعب في التعليم والمساواة التي جعلها الدستور قوامًا لحياة المصريين.

فأمَّا أن يطمئن بعض المعلمين إلى نظام من الحياة تكفله قوانين الدولة، ويظل الآخرون عُرضة للأحداث والخطوب وعبث الظروف وأهواء أصحاب الهواء؛ فهذا هو الإثم الذي لا ينبغي أن تتورط فيه حكومة تقدِّر ما عليها للشعب من الواجبات.

وما ينبغي أن يقوم تعليم الشعب على التفرِقة بين المعلمين في عناية الدولة بهم، أو على التفرقة بين التلاميذ في عناية الدولة بمعلميهم ومدارسهم. وإذا نهضت الدولة بهذا العبء وأدَّت هذا الحق؛ فمن الطبيعي أن تبسط يدها على المدارس كلها، وأن تفرض عليها مراقبة واحدة لأنها منحتها عناية واحدة.

وقد حاولت وزارة المعارف ذات يوم أن تحقق هذا كله، فحالت بينها وبين ذلك موانعُ جاءت من وزارة المالية. وكانت تريد أن تعرض الأمر على البرلمان أثناء عرض الميزانية عليه سنة ١٩٤٥. فليس على الوزارة بأس من أن تستأنف هذا السعي من حيث تركناه، وهي الآن تعرض الميزانية على البرلمان؛ لتسوِّي بين المعلمين في الحقوق لتستطيع أن تسوِّي بينهم في الواجبات، وتستطيع أن تسوي بين التلاميذ فيما نقدِّم إليهم من تعليم، وفي إشرافها على هذا التعليم.

فأمَّا أن يُقال للمعلمين في المدارس الحرة عليكم أن تفعلوا وأن تفعلوا، وعليكم أن تتركوا وأن تتركوا، وليس لكم أن تطلبوا ولا أن تحتجُّوا، ولا أن تلحوا في الطلب والاحتجاج، فهذا هو الشيءُ الذي أَوَدُّ لو بَرِئت الدولة منه وتنزهت عن الإقدام عليه.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.