من المحقَّق أن القضاء لم يُرِدْ حين قضى بالسجن على توفيق دياب أن يقضي عليه بالمرض، ولا بالتعرض للمرض، ومن المحقق أنه لم يرد أن يقضي عليه بالعذاب ولا بالتعرُّض للعذاب، ومن المحقق أنه أراد إرساله إلى السجن ليستقرَّ فيه أشهرًا، ثم يخرج منه فيستأنف الحياة مع الأحياء، لا ليبقى فيه ريثما تسوء معاملته، فتشرف به على المرض، ثم تسلمه إلى اليأس، ثم تضطره إلى الصوم، ثم تنتهي به إلى حيث يعلم الله، وإلى حيث يعلم الناس من أمر المريض المضنى، إذا ألحَّ في الصوم وامتنع عن الطعام والشراب.

من المحقق أن القضاء لم يرد شيئًا من هذا، وما ينبغي له أن يريد شيئًا من هذا، ومن المحقق أيضًا أن مصلحة السجون لم تنشأ لتعرض الأصحاء للمرض، ولا لتدفع بالمرضى إلى السقم المهلك، والآلام تفتك بالحياة، ومع ذلك فقد أسلم إلى مصلحة السجون رجل مريض، ليس مرضه غامضًا ولا مجهولًا، وليس مرضه من هذه الأمراض التي يكون فيها الشك، أو يختلف في تصويرها وتقديرها الأطباء، وإنما هو مرض معروف قد سجَّل الأطباء آراءهم فيه، ورفعت هذه الآراء إلى مصلحة السجون، ولم يسجِّلْها أطباء مغمورون، وإنما سجلها جماعة معروفون، منهم أستاذ في المعهد الرسمي للطب في مصر؛ فيجب أن تُسْمَع كلمته، وأن تقدَّر، ومع هذا كله يقال إن مصلحة السجون لم تحفل بمرض المريض، ولا بآراء الأطباء، حتى اضطرت إلى ذلك اضطرارًا، حين رأت من حال السجين نفسه ما يلزمها أن تختصَّه ببعض العناية.

ويقال إن مصلحة السجون لم تُرِدْ أن تمضي في هذه العناية بسجينها المريض؛ لأنها رأت حاله تحسَّن بعض الشيء، ورأته يأخذ بحظٍّ من الشفاء، فردته إلى حال المسجونين العاديين وهي تعلم من قرار الأطباء أنه عائد من غير شك إلى مرضه الحاد المضني بعد أيام قليلة!

فهل تريد مصلحة السجون أن نفهم أنها تجد لذة في أن يألم المسجونون، وتجد من تكميل العقاب أن تدور بهم بين الصحة والمرض، وبين الراحة والألم، تتركهم حتى يصيبهم المرض المحتوم، أو يشتد عليهم المرض الذي لا يفارقهم، وهنالك تعنى بهم شيئًا وتتفضل عليهم بقليل من العلاج، حتى إذا حسنت حالهم قليلًا، ردتهم إلى ما يُسِيئها ويُفسِدها، وتنقَّلَت بهم على هذا النحو، تعالجهم ليمرضوا، وتمرضهم ليصحوا، تخرجهم من النار لتعيدهم إليها، وتدخلهم فيها لتخرجهم منها!

ما لهذا أنشئت مصلحة السجون، ولا لهذا أنشئت السجون، وما بهذا يمكن أن ترضى حكومة تقدر لنفسها شيئًا من الكرامة وتطمع لنفسها في شيء من الاحترام، أم هل تريد مصلحة السجون أن نفهم أنها تعامل ضيوفها معاملة آلية صرفة، لا فهم فيها ولا فقه، ولا تدبر فيها لشيء، وإنما هو تطبيق ميكانيكي للنظام؟ فُلان حسن الحال بعض الشيء فيجب أن يصلى نار المعاملة العادية، حتى إذا ساءت حاله كانت العناية به، فهي لا تُعْنَى بالسجين إلا حين ترى نفسها مضطرة إلى هذه العناية! ما هكذا ينبغي أن تشرف الإدارات على مصالح الناس، وما هكذا ينبغي أن يفهم النظام وتنفذ أصوله وقواعده.

رجل قال الطب إنه لا يستطيع أن يبرأ من الألم، أو لا يستطيع أن يخفف عنه الألم، إلا إذا عاش عيشة خاصة رسمها الأطباء، وبيَّنوا حدودها بيانًا مفصلًا واضحًا، فمن الحق على مصلحة السجون أن تذعن لرأي الأطباء، وأن تنفذ ما قرروا في غير تردد ولا تلكؤ، إلا أن تكون مصلحة السجون حريصة على أن يلقى الناس عندها ألوان العذاب، ويتعرضوا عندها لخطر الموت!

هذا كله ولم نذكر أن توفيق دياب لم يقتل، ولم يقطع طريقًا، ولم يسرق، ولم ينقب عن قوم آمنين، ولم يقترف إثمًا من هذه الآثام المنكرة التي لا يعاقب عليها القانون وحده، وإنما تعاقب عليها الأخلاق، ويعاقب عليها العرف، وتبقى آثارها السيئة ملازمة لصاحبها ما عاش، وملازمة لاسمه بعد أن يموت، لم يقترف توفيق دياب شيئًا من هذه الآثام، وإنما أتى شيئًا يختلف تقديره باختلاف الظروف، وباختلاف البيئات، ينكره القانون الآن في مصر، ولعله لا ينكره غدًا، ولعله لم ينكره على هذا النحو من قبل، ولعله لا ينكره بحال من الأحوال في كثير من البلاد الأخرى، ولعله أن يكون مصدر شرف لصاحبه في بعض البيئات، وفي بعض الظروف، وفي بعض العهود، فليس من الحق ولا من العدل ولا من الرعاية لحرمة الرأي، أن يعامَل هذا الرجل معاملة المجرمين الذين يفسدون في الأرض، والذين يلزمهم إثم الجريمة أحياءً وأمواتًا.

لم نذكر هذا لأننا قد ذكرناه، وألححنا فيه، وذكره غيرنا وألح فيه، فلم يسمع له أحد، ولم يحفل به أحد، حتى استيأسنا من أن الحكومة ستقبله أو تؤمن له، فلم نطمع إلا في أن يعامل الرجل معاملة سجين مريض، قد يخفف عنه الألم إذا ظفر من العناية بما ينبغي له، ولكن مرضه لا يزول. وآية ذلك أنه كان حرًّا طلقًا، قادرًا على أن يحيط نفسه بألوان العناية والعلاج كلها، معتمدًا في هذه العناية على خير الأطباء؛ فظل ست سنين لا يفارقه المرض، ولكنه يخفف عنه حينًا، ويثقل عليه أحيانًا، أفتأبى مصلحة السجون على المريض أن تعامله معاملة المرضى؟

يقولون إن حال توفيق دياب قد حَسُنت بعض الشيء، فيجب أن يسوى بينه وبين غيره من السجناء تنفيذًا للنظام، ولكن التسوية بينه وبين غيره من السجناء شيء لا سبيل إليه؛ لأنه لم يُشْفَ من مرضه، فهو مريض والسجناء أصحاء، وإنما تستطيع مصلحة السجون أن تسوي بينه وبين غيره يوم تسوي الطبيعة بينه وبينهم، فترد عليه صحته كاملة، ويسجِّل أطباؤه أن هذا المرض قد فارقه، وانجلى عنه، وأنه قد شفي الشفاء التام، فأما قبل هذا فإن مصلحة السجون تأثم حين تضطر المريض السقيم إلى ما يشقُّ احتماله على الأصحاء.

زعموا أن بعض النواب تقدم إلى مجلسه باقتراح يصلح نظام السجون، ويفرق جرائم الرأي والنشر وبين غيرها من جرائم العدوان على الحقوق والأنفس والأموال، وزعموا أن قد كان في النواب عطف على هذا الاقتراح، وميل إلى قبوله والعمل به، ولكن هذا الاقتراح الذي قدم في نشاط إلى المجلس لم يكد يستقر فيه حتى أصابه خمود وجمود، شيء يشبه الموت، فلم يذكره أحد، ولم يفكر فيه أحد، وأكبر الظن أنا لم نخطئ حين قدرنا منذ قدم هذا الاقتراح أن المجلس لن يحفل به إلا ريثما يهمله، وما هي إلا أن يقيم بعض النواب أنفسهم أوضح الأدلة على أنهم لم يكونوا جادين حين تلقوا هذا الاقتراح!

نعم، وقف بعض النواب منذ أيام يستعدي على الصحف، ويلومها؛ لأنها تطالب بأن يعامل المسجونون في الرأي كما يعمل أمثالهم في البلاد المتحضرة، ويرى أن هذا من الصحف تشجيع للإثم، وتحريض على التورط فيه، وقد فهمنا عن النائب ما أراد، وعلمنا أن القوم لا يريدون بخصومهم خيرًا ولا إنصافًا، ولا يتحرَّجون في أن يصموا أنفسهم في ذلك بتجنب الحضارة، والإغراق فيما تتنزَّه عنه البلاد الراقية حقًّا.

ليس لنا إذن أمل في النواب، والنواب مشغولون عن السجون ومن في السجون بما هم فيه من شئون، والنواب مطمئنون؛ فقد أذن الله لأوليائهم وأنصارهم من الكتاب ألا يقدَّموا للقضاء، ولا يدخلوا السجن، ولا يتعرضوا لمكروه، ما دام الأمر إليهم، وما دام الحكم إلى وزارتهم القائمة، والنواب حراص على أن يذوق خصومهم ألوان الشدة والضيق، وصروف العذاب والنكال، لعل ذلك أن يصدهم عن المعارضة، ويصرفهم عن النقد، فكل شيء يدعو النواب إلى أن يهملوا هذا الاقتراح وينسوه، حتى تنقضي هذه الدورة!

وزعموا أن الصحف كرهت أن يعامل الصحافيون كما يعامل توفيق دياب، فأنكرت واحتجت، واجتمعت وكررت الاجتماع، ولجَّت في الإنكار والاحتجاج، وانتهى بها كل هذا إلى فوز عظيم، ونُجْحٍ رائع، فأنشأت لنفسها ناديًا تجتمع فيه مع الضحى، وتجتمع فيه مع الأصيل، وتجتمع تحت جنح الليل. وهي في أثناء هذا الاجتماع المتكرر لا تلعب، ولا تلهو، ولا تهمل، ولا تقصر، ولا تتحدث إلا عن سجينها المريض، وعما يلقى وتلقى معه من إهانة، وعما يحتمل وتحتمل معه من ألم ومضض، ولكنها لا تتحدث إلا إلى نفسها، ولا تسمع إلا نفسها، ولا تسعى إلا في ناديها، ومهما يكن من شيء، فلم تُرفَع عنها إهانة، ولم تُرَدَّ إليها كرامة، ولم تُرْعَ لها حرمة، ولم يَزُل عنها ضيم، وهي مع ذلك راضية مطمئنة؛ لأنها تجتمع وتسعى وتتحدث، وهل تملك إلا الاجتماع والسعي والحديث؟!

وكذلك تعرض مصلحة السجون عن الواجب، وكذلك يعرض النواب عن الواجب، وكذلك تعرض الصحافة عن الواجب، فأما توفيق دياب فيثقل عليه المرض حتى يضنيه، فإذا ردت إليه العناية اليسيرة بعض صحته أعيد إلى شر ما كان فيه، فينظر فإذا هو بين إهانة لازمة لا ترفع عنه، إهانة السجين في الرأي يلقى جزاء المجرمين العاديين، وبين مرض لازم لا تخفَّ آلامه إلا ريثما تعود ثقيلة منهكة، وبين يأس يتراءى له من بعيد، ثم يدنو منه شيئًا فشيئًا، ويقرب منه قليلًا قليلًا، حتى يتصل به، ويملأ عليه عزلته ووحشته ووحدته، إذا أشرق النهار، وهل يشرق النهار إلا في شحوب، وإذا أظلم الليل؟! وهل ظلمة الليل عليه إلا اتصال لظلمة النهار؟! يتلفَّت فلا يرى إلا مرضًا ويأسًا ويفكر فلا يجد إلا مرضًا وبأسًا، وإذن فما له لا يخلص من المرض؟ وما له لا يخلص من اليأس؟ وما له لا يضع حدًّا لهذه الآلام التي يأبى الناس أو يعجزون أن يضعوا لها حدًّا؟ ما له لا يقصر الأمد بينه وبين الراحة الكبرى، والهدوء الشامل، الذي لا يعرف مرضًا ولا صحة، والذي لا يعرف يأسًا ولا أملًا، والذي لا يعرف لذة ولا ألمًا، والذي لا يحتاج صاحبه إلى رحمة الناس ولا إلى عدل الناس، ولا إلى مروءة الناس، وإنما يحتاج إلى رحمة الله وحده، وإلى عدل الله وحده، وإلى رأفة الله وحده.

ما له لا يقطع أسباب الحياة هذه التي يجد الناس فيها ظلمًا وجورًا، والتي يجد الناس فيها قسوة وغلظة، والتي يجد الناس فيها عقوقًا وجحودًا، والتي يجد الناس فيها نزولًا حتى عن الكرامة، وتفريطًا حتى في الحرمات، ما له لا يدع الطعام والشراب، ولا يقبل على الصوم المتصل، لعله أن يخلص من كل هذا المكروه. وكذلك تحدَّث الناس أن توفيق دياب قد بدأ صومه هذا الخطر منذ أمس، وتساءل الناس عن هذا النبأ فأُكِّد لهم، وسأل الناس الحكومة عن هذا النبأ فآثرت صمتًا هائلًا مخيفًا! وتسامع النواب بهذا النبأ فلم يقولوا عنه شيئًا! وتسامعت الصحف بهذا النبأ فأذاعته وأشاعته، وتداعت للاجتماع بعد أن يكون توفيق قد صام ثلاثة أيام، ووقع هذا النبأ في بيت توفيق فجزعت قلوب، وذهلت نفوس، وانهمرت دموع، وأقبل اليأس على هذا البيت الذي كان يملؤه الأمل منذ أسابيع، فأقام فيها ضيفًا ثقيلًا!

نعم. وحل اليأس قلوبًا ما كان ينبغي أن يصل إليها، وغشي اليأس بالحزن وجوهًا ما كان ينبغي أن يظهر فيها إلا البِشْر والابتسام للحياة.

اللهم اشهد أن هذا السجين البائس، وأبناءه الصغار، وأصدقاءه، لا ينكرون القضاء، ولا يمارون فيه، ولا يترددون في الإذعان له عن رضًا وطمأنينة، ولكنهم يريدون العدل، العدل الذي لا شك فيه، ولا مراء، العدل الذي يأبى أن يعامل المريض معاملة الصحيح، وأن يعامل السجين في الرأي معاملة السجين في قطع الطريق.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.