لم تسجل المراصد بعدُ زلزالًا في الأرض، ولا اختلالًا في حركات الكواكب والنجوم، ولم تُعلِن مصلحة الطبيعيات بعدُ اضطرابًا في الجو، ولا اختلافًا في حركات الرياح، وإذن فما زالت الطوارئ المنتظَرَة بعيدة، وإنْ بَدَتْ طلائعها، وكثر حديث الناس عنها، وما زالت أمام المصريين أيام يستطيعون أنْ يتنفسوا فيها ملء صدورهم، وأنْ يناموا فيها ملء جفونهم، وأنْ يأكلوا ويشربوا فيها ملء بطونهم، وأنْ يتحدَّثوا ملء أفواههم إنْ كان يعجبهم الحديث.

على أنَّ هناك مقدِّمة مزعجة، تكاد تُنبِئ بأن هذه الطوارئ إنْ لم تكن قد بلغت مصر، فلعلها قد دَنَتْ منها بعض الدنوِّ، فقد تحدَّثت صحيفة من صحف الصباح، بأنَّ موظفًا يسكن في شبرا — فيما نظن — ذهب إلى الشرطة، فأنبأها بأنَّ الأحجار والحصى تسقط في بيته، كأنها المطر الغزير إذا كان الليل، وأنَّ هذه الظاهرة جديدة طارئة، وأنه قد بحث عن مصدرها فلم يعرفه ولم يهتدِ إليه، وأنه يظن، بل يحقِّق أنها عفاريت تخرج من تحت الأرض إذا كان الليل، فتُحدِث في بيته كل هذا الاضطراب. وقد ابتسم رئيس الشرطة لهذا الحديث، وأرسل مع الموظف شرطيًّا يتبيَّن الأمر، فلم يَكَدْ هذا الشرطي يصل إلى الدار ويستقر فيها حتى سقطت الأحجار، وتناثَرَ الحصى واكفهرَّ الجو، وخُيِّلَ إلى الرجل أنَّ الأرض قد زلزلت زلزالها، فطار إلى رئيسه خائفًا مذعورًا، والرئيس رجل مثقف جريء، حديد القلب، قوي العقل، يعلم أنَّ العفاريت كانت موجودة، ولكن عصرها قد انقضى، وقد اضطرت إلى مفارقة البلاد المتحضرة، وانحازت إلى صحراء الأحقاف، فهي تقيم هناك، في أطلال عاد، أولئك الذين بادوا منذ آلاف وآلاف من السنين.

وإذن فهذا الرئيس المثقف لم يصدِّق صاحب الدار ولا الشرطي، ولم يؤمن بأن أيدي العفاريت هي التي تنثر الحصى وتلقي الأحجار، وإنما استيقن أنَّ هناك شياطين مكرة من الناس، قد دبَّروا هذا الكيد وأرصدوا لهذا الرجل المسكين، يهدون إليه هذه الهدايا البغيضة المؤذية، ولا بُدَّ له إذن من أنْ يستكشف هؤلاء الشياطين، ويقدِّمهم إلى النيابة، ثم إلى القضاء. وعلى هذا ذهب بنفسه إلى هذه الدار، وهو محصَّن بما وعي من العلم، ولعله كان يتلو في نفسه بعض العزائم، ولعله كان قد تحصَّنَ — أيضًا — ببعض الطلسمات.

ولم يَكَدْ يبلغ الدار ويستقر فيها، حتى انتشر الغبار وسقطت الأحجار، وانتثر الحصى انتثارًا، وأخذ صاحبنا يبحث ويبحث، وأخذ صاحبنا يستقصي ويستقصي؛ لعله أنْ يجد شيطانًا من شياطين الإنس، أو عفريتًا من عفاريت المصريين أو الأجانب المقيمين بمصر، ولكنه لم يجد أحدًا، فعاد إلى دار الشرطة وسجَّلَ ما رأى في محاضره، والله يعلم ماذا ستتخذ الشرطة من الإجراء لتردَّ عن هذا المصري شر هؤلاء العفاريت، ولتحميه من عدوانهم، فالشرطة مكلَّفة حماية المصريين من الأذى، سواء أَصَدَرَ هذا الأذى عن الإنس أو عن الجن.

ولكن المهم أنَّ هذه الظاهرة الغريبة التي ظهرت في حي شبرا، لم تظهر إلَّا في هذه الأيام بعد أنْ كثر حديث الناس عن الطوارئ التي يستعد لها الإنجليز ويتحدَّث عنها المصريون، فليس عندي شك ولا شيء يشبه الشك في أنَّ هؤلاء العفاريت قد قَدِموا من صحراء الأحقاف، نذيرًا بمقدم هذه الطوارئ، وطليعة للحوادث الجسام التي قد تحدث بعد أيام، وأكبر الظن أنَّ هؤلاء العفاريت كانوا أول جيش ضخم من الجن، سينتشر بعد حين في أقطار مصر، وأخشى أنْ يؤثِّر الاستقرار في دور الموظفين، فمَن يدري لعل أنباء الأزمة قد سبقت إلى هؤلاء العفاريت، فعلموا أنَّ اليُسْر في هذه الأيام إنْ أتيح لأحد في مصر، فقد أتيح للموظفين دون الزرَّاع الذين فسدت زراعتهم، والتجار الذين بارت تجارتهم، والصناع الذين كسدت صناعتهم، وإذن فلا بُدَّ للموظفين من أنْ يستعدوا لهذه الطوارئ الغريبة التي ألَمَّتْ بواحد منهم أمس أو أول أمس، وتوشك أنْ تلمَّ بهم جميعًا في الأيام المقبلة. وكيف يستعد الموظفون لهذه الطوارئ من العفاريت؟ لا بُدَّ من تدبير الخطط، ووضع البرامج، ورسم المناهج، والاستعانة بآراء الفنيين من أصحاب العزائم والطلاسم، والبارعين في السحر، والقادرين على طرد العفاريت، أو حبسهم في القماقم وإلقائهم في أعماق البحار …

ولعل الموظفين يحسنون إنْ دعوا إلى مؤتمر عام يدرس أمر هؤلاء العفاريت، ويلتمس أقرب الوسائل إلى دفع شرهم، واتقاء مكرهم، والتخلص مما يضمرون من الكيد … مهما يكن من شيء، فظهور العفاريت في مصر دليل على أنَّ الأرض تدور، وعلى أنَّ الأمور تريد أنْ تتغيَّر بعد أنْ زهدت في الركود والاستقرار.

وإذن فحديث الطوارئ صحيح، والاستعداد للطوارئ محتوم، وظهور العفاريت أصدق في الدلالة على قرب هذه الطوارئ من انتداب المستر بترسون للنيابة عن المندوب السامي، وإذن فكيف يكون الاستعداد لحماية البلاد من الخطوب الشداد التي يمكن أنْ تطرأ بها الطوارئ، وتأتي بها الحوادث والنائبات؟

هنا يختلف الساسة — أستغفر الله — بل يختلف الكُتَّاب في الصحف، فيكثر بينهم الأخذ والرد، والجزر والمد، والدفع والشد، في غير نفع ولا غناء. فأي استعداد للطوارئ يراد من المصريين، ومن أي المصريين يراد هذا الاستعداد؟ من الوزارة؟ فالوزارة لا تملك شيئًا، ولا تقدر على شيء، قد سمعَتْ قول بشار:

إذا أيقظتك خطوب الزما

ن فنبه لها عمرًا ثم نَمْ

وقد نبَّهَتْ عمرًا ثم نامت، وعمر هو المندوب السامي إنْ شئتَ، أو بعض الإنجليز المقيمين في مصر إنْ أحببت، فخير استعداد تأتيه الوزارة لهذه الطوارئ، هو أنْ نمضي في النوم حتى يقضي الله أمرًا كان مفعولًا. من الشعب؟ فماذا يراد من الشعب؟ إنَّ الشعب لا يبتغي ثورة، ولا يفكِّر فيها، ولا يراها وسيلة من وسائله إلى الحرية والاستقلال الآن، وإنَّ الشعب يريد الاستقلال الصحيح في حياته الخارجية، ويريد الحرية الصحيحة الديموقراطية في حياته الداخلية، وينكر أشد الإنكار وأظهره كل ما يمس استقلاله أو يمس حريته، ويقاوم أشد المقاومة وأظهرها كل ما يراد به من تغيير الرأي في معنى الاستقلال، أو في نظام الحكم، أو في أساليب السياسة، أظهر رأيه واضحًا جليًّا منذ كانت الثورة، لم يتحوَّل عنه ولم يتردد فيه، أيَّدَ رأيه بالعنف والتضحية بالأنفس والدماء، حين أتيح له العنف والتضحية، ثم أيَّدَ رأيه بالصبر والثبات والحرص على المبدأ والاستقامة في المطالبة بالحق، لم تصرفه عن ذلك محنة مهما تشتد، ولم تحوِّله عن ذلك فتنة مهما تعظم، أبلى في سبيل ذلك وزارات ووزراء، وأبلى في سبيل ذلك غير مندوب من ممثِّلي الإنجليز، وأبلى في سبيل ذلك محاولة الطغاة، وكيد الكائدين. فماذا يُراد من الشعب، وماذا يطلب إليه، بل ماذا يُراد من زعماء الشعب وقادته؟ إنهم يصوِّرون أصدق تصوير وفاء الشعب لمبدئه، وحرص الشعب على حقه، وإباء الشعب للضيم، وامتناع الشعب على ظلم الظالمين. يراد منهم ماذا؟ أنْ يُساوِموا؟ أنْ ينزلوا عن بعض الحق؟ أنْ يلينوا؟ أنْ يفرطوا في بعض الواجب؟ فإن حقوق الشعب لا تُكسَب بالمساواة، ولا تُحفَظ باللين، ولا تُنَال بالتقصير والتفريط.

وإذن فكيف يستعدُّ الشعب وزعماؤه للطوارئ، كما استعدوا لها دائمًا، وكما يستعدون لها الآن، وكما سيستعدون لها غدًا؟ بالصبر على المكاره، والثبات على المبادئ، والإصرار على الحق، والمضيِّ في المحافظة على الكرامة القوميَّة، مهما تكن الطوارئ، ومهما تكن الخطوب.

هذه هي خطة الشعب، ليس له ولا ينبغي أنْ تكون له خطة أخرى، وهذه هي سبيل الزعماء، ليس لهم ولا ينبغي أنْ تكون لهم سبيل أخرى، هم لا يرفضون حديثًا إنْ عُرِض عليهم الحديث، لا يرفضون بحثًا إنْ عُرِض عليهم البحث، ولكنهم لا يُساوِمون، ولا يفرطون، ولا يخافون.

فمَن شاء بعد ذلك أنْ يساوِم، فَلْيساوِم لحساب نفسه لا لحساب الشعب، ومَن شاء بعد ذلك أنْ يلين فَلْيَلِنْ في حق نفسه لا في حق الشعب، ومَن شاء بعد ذلك أنْ يتعجَّل وأنْ يصل قبل أنْ يصل الناس، فإن الفُرَص قد تسنح، والظروف قد تتاح، والمنافع قد تدنو من أصحاب المنافع، وإنَّ في هذه الأبواب التي ستفتحها الطوارئ لَمدخلًا واسعًا لمَن يريدون الدخول، بعد أنْ طال عليهم الانتظار.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.