بعد ملاحظات — لا يتسع المقام لتفصيلها — حول موضوع الثقافة العربية كَتَبَ الأستاذ «محيي الدين إسماعيل، شارع هنداوي بالدقي» معلِّقًا على رأينا في موطن العرب الأول فقال:

أما الموطن الذي جاء منه العرب … فيعود بنا إلى العقدة المعروفة في تاريخ السلالات البشرية باسم عقدة القوقاز Caucasian Knot حيث انحدر من هذه المنطقة بعضُ الأنواع إلى الجنوب … ويبدو لنا في الأبعاد الميثولوجية السحيقة التي تستبين لنا عند بحثنا عن العلاقة بين ألفاظ هامة مثل كلمة الشمس Sun بالإنجليزية وأصولها في اللغات الأوروبية وبين كلمة «سنة» باللغة العربية، أن أقدم الألفاظ في لغتنا العربية لها وشائج وثيقة باللغات الأوروبية … وأنت تعلم أن أقدم الألفاظ هي هاتيك الألفاظ التي تدل على الخطيئة والإثم. أفلا ترى إلى العلاقة بين كلمة «Crime كرايم» الإنجليزية وكلمة جريمة؟ أو بين كلمة Sin وكلمة زنا؟ أو كلمة ناشن Nation وكلمة ناس؟

هذه خلاصة الرسالة المطوَّلة التي أفاض فيها الأستاذ «محيي الدين إسماعيل» على هذا النحو من الاستشهاد بآراء الباحثين عن أصل واحد لجميع اللغات، وهو بحث مُتَّسع الجوانب يَتِيهُ فيه رُوَّادُه إلى مطارحَ بعيدةٍ من الفروض والتخريجات، منها المقبول ومنها ما يصعب قبوله ولا يستند إلى غير التوافق العَرَضي. حول ألفاظ لا رابطة بينها ولا تشابُه في الأصل ولا في الاشتقاق.

والبحث عن أصل واحد لجميع اللغات يقوم على خطأ ظاهر إذا اعتقد أصحابه أن أجناس البشر الأقدمين لبِثُوا في مكان واحد حتى ارتقت لُغاتهم إلى التفاهُم على الظواهر الطبيعية والظواهر الاجتماعية التي يتَّصل فيها معنى الشمس ومعنى السنة، أو يتصل فيها معنى الخطيئة ومعنى الزنا، أو معنى الأمة ومعنى الجماعة من الناس كما نفهمه بعد التفرِقة بين القبيلة والشعب والأمة وما يندرج تحتها من الفروع.

فليس من المقبول أن تكون كلمة «سَنَة» قد وُجدت بعد إدراك حركة الشمس وعلاقتها بتقسيم السنين والشهور، وأقرب من ذلك أن تكون كلمة «سنة» مأخوذة من «السِّن» التي تدل على عمر الإنسان والحيوان، وأن تكون كلمة «سن Sun» وسول من كلمة «سوري» السنسكريتية، كما يظهر عند استخدام صيغة النسب باللغة الإنجليزية وهي «سولار Solar» على خلاف القياس، فإنها ترجع إلى «سول» ولا ترجع إلى «سن».

ولو أخذنا بالمشابهة اللفظية لكانت كلمة «كرايم Crime» أقرب إلى الكرم منها إلى الجريمة، وكانت «ناتس» بمعنى المولود باللاتينية بعيدة العلاقة بكلمة الناس المأخوذة من الإنس باللغة العربية مقابلة للوحشة والانفراد، وأين الولادة التي يشترك فيها كل مخلوق من هذا المعنى المتأخر في أطوار الاجتماع؟

ولا يخفى على الأستاذ محيي الدين أنَّ كلمة «سن Sin» بالإنجليزية تقابلها كلمة «بيشيه Péché» بالفرنسية وكلمة «بكاتو Péccato» بالإيطالية وكلمة «أمارثيا Amartia» باليونانية، وتقابلها في شتى اللغات كلماتٌ لا تتقارب باللفظ ولا بمصدر الاشتقاق، فكيف تباعدت هذه الكلمات في اللغات الآرية الأوروبية وتقاربت على بُعد الديار بين الإنجليزية والعربية؟

إن القَرابة هنا ليست بأقرب من شيكسبير وشيخ زبير، ولا بأقرب من ترافلجار والطرف الأغر، ولا بأقرب من الجِنِّ والجنيه، ولا من الشيطان والحرير الستان!

وهذه أمثالها قَرَابات تذهب بنا بعيدًا جدًّا، ولا تقترب بنا من أصل قديم ولا جديد.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.