لماذا ارتحل رئيس الوزراء ونَفَرٌ من زملائه إلى الإسكندرية إلى مرسى مطروح وما يليها من ساحل البحر؟ فالناس يتساءلون عن هذه الرحلة؛ لأنهم يعلمون حقَّ العلم أن وزارتهم عاقلة حازمة، حكيمة، رشيدة، لا تأتي شيئًا لغير شيء، ولا تُقْدِم على أمر إلا أن تدفعها إليه حكمةٌ ظاهرة أو خفية، وهم يلتمسون الحكمة لهذه الرحلة التي ظهر العزم عليها فجأة، وتغيَّر لها برنامج مجلس الوزراء، فيما يقول بعض الصحف، وقد كان يريد أن ينعقد يوم الأربعاء ويوم الخميس، فلما هبطت فكرة هذه الرحلة من السماء أو نجمت من الأرض، أو ظهرت على زبد البحر، اجتمع مجلس الوزراء مرتين يوم الأربعاء؛ ليستطيع الرجل الطيِّب وأصحابه أن يرتحلوا يوم الخميس، كأنهم لم يكونوا يستطيعون أن يرتحلوا يوم الجمعة، ليريحوا أنفسهم من الاجتماع مرتين في يوم من أيام القيظ، وليريحوا الناس من القيل والقال، والبحث والسؤال عن الماضي والاستقبال.

فإذا لاحظنا أن الرجل الطيب ومعه وزير الحرب، ووزير المال، ووزير المواصلات، قد رحلوا إلى الحدود بيننا وبين إيطاليا، كان الناس معذورين إذا أطالوا السؤال عن هذا الارتحال، وفي هذا الاستعجال، فإذا لاحظنا أن المندوب السامي البريطاني كان قد ارتحل إلى مرسى مطروح، طائرًا أو سائرًا لا أدري، فأقام فيها أيامًا، ولم يكد يعود منها حتى أسرع إليها رئيس الوزراء، ووزير الحرب، ووزير المال، ووزير الطرق، بعضهم يتأرجح على موج البحر وبعضهم يطير في جو السماء، كان من الطبيعي أن يتساءل الناس: فيم هذا الذهاب والمجيء؟ فيم هذه الحركات نحو الحدود؟ أهناك خوف عليها أن تُقْتَحَم؟ أهناك إشفاق عليها أن لا تكون قادرة على الثبات في يوم من الأيام حين يحاول اقتحامها المحاولون؟ أهناك تفكير في أعمال عسكرية تحتاج إلى كفاية وزير الحرب، وإلى كرم وزير المال، وإلى خبرة وزير الطرق، ثم إلى شجاعة الرجل الطيب الذي يحتمل تبعة الأعمال كلها؟ ومن الذي اقترح هذه الأعمال؟ أهم الوزراء ورجالهم الفنيون؟ أم هم المندوب السامي ورجاله الفنيون؟

وإذا كانت رحلة المندوب السامي إلى الحدود الغربية قد استتبعت رحلة الوزراء إلى هذه الحدود، فإن المندوب السامي قد ارتحل إلى الحدود الشرقية أيضًا، فهل يرحل الوزراء إلى هذه الحدود؟ أوليس من حقِّ الناس أن يتبيَّنوا حقيقة هذا الاضطراب بين الشرق والغرب، وأسرار هذه الأسفار في البر والبحر والجو؟ بلى، ولكن أصدقاء الوزارة وأنصارها، والصحف التي تؤيِّدها وتواليها، يتحدَّثون مطمئنِّين بأن القيظ شديد، والصيف مهلك، والعمل ثقيل، والجهد شاق، وبأن من حق الوزراء أن يستريحوا، وأن يرفهوا على أنفسهم، وأن يلتمسوا الراحة والترفيه عن النفس حيث يجدونهما، طورًا في الأرض، وتارة في السماء، وحينًا على هذا السهل السائل المضطرب الذي كان يعبر به هوميروس عن البحر.

فوزراؤنا لا يرحلون إذن للعمل، وإنما يرحلون للراحة والرياضة، فقد نحبُّ أن نتبيَّن وجه الحق في هذا لسبب يسير جدًّا، وهو أن رحلة الوزراء إن كانت لعمل من أعمال الدولة فمن حق الناس أن يعلموا هذا العمل؛ ليتبيَّنوا ما يراد بهم، وإن كانت للرياضة والراحة فمن حق الناس أن يتساءلوا على حساب من يلتمس الوزراء هذه الرياضة وهذه الراحة؟ على حساب من تنفق هذه الطوافة ما تنفق في ذهابها وعودتها؟ وعلى حساب من تنفق هذه الطيارة أو هذه الطيارات في ذهابها وعودتها؟ أعلى حساب الدولة أم على حساب الوزراء؟

مهما يكن من شيء، فإن هذه الرحلة المفاجئة غامضة من جميع نواحيها، نَوَدُّ لو يلقى عليها قليل من الضوء.

وهناك رحلة أخرى لا غموض فيها ولا لبس، لا عوج فيها ولا التواء، وهي رحلة رئيس الوفد وأصحابه في البر والبحر لا إلى الحدود الشرقية ولا إلى الحدود الغربية، ولكن إلى ناحية نواحي مصر، إلى بورسعيد ثم الشرقية. هذه الرحلة الثانية لم تنفق عليها الدولة، وإنما أنفق عليها أصحابها، وهي لا تثير في الناس حاجة إلى استقراء أو استقصاء؛ لأنها واضحة من جميع الأنحاء. قوم يرحلون للعمل أو للراحة، فإذا الدولة تهيئ لهم كل شيء، وقوم آخرون يرحلون ليلقوا أبناء وطنهم ويتحدثوا إليهم في شئون وطنهم ويذكروهم — ولن ينسوا — حقوق وطنهم، فإذا الدولة تبث أمامهم العقاب وتخلق أمامهم الصعاب، وتحوِّل الأماكن التي يزورونها إلى ميادين حرب ونزال، وتعلن في الأماكن التي يزورونها أحكامًا عرفية بغير قانون، وتُلقِي في الأماكن التي يزورونها، شباكًا وشراكًا تصيد بها الناس صيدًا لتلقيهم في غيابات السجن حتى تنتهي الرحلة كأنهم قد اقترفوا ذنبًا وهم لم يقترفوه، وكأنهم قد قُضِيَ عليهم بالعقاب وهم لم يُقْضَ عليهم بشيء. ثم تسلِّط الدولة عِصِيَّهَا وسِيَاطَها وبنادقها على العزل الآمنين، فيكون منهم صرعى في بورسعيد، وصرعى في الإسماعيلية، وصرعى في الزقازيق. أليس من غريب الأمر أن يُلاحِظ الناس في أسبوع واحد هذه الفروق الهائلة بين رحلة رئيس الوفد وأصحابه في داخل مصر، ورحلة رئيس الوزراء وأصحابه إلى الحدود؟

ومن قبل ذلك لاحظ الناس رحلة المندوب السامي إلى الصبرية وعناية الدولة بها، واحتياط الدولة لها، فكيف يستطيع الناس أن يفهموا هذا كله، وأن يُؤَوِّلوه؟ أما انتقال المصريين في بلادهم وتزاور المصريين فيما بينهم فأمر محرَّم أو مكروه، لا تتحرج الدولة من مقاومته ومن تعريض الأمن والنظام والأنفس والدماء من أجله للخطر وللخطر العظيم. وأما ارتحال الوزراء للهو، أو للعمل الخفي المريب، فتهيئ له الدولة وتنفق عليه، وتُعْنَى به أشدَّ العناية. أما ارتحال المندوب السامي إلى داخل مصر، وتَحَدِّيه لشعور مصر، واشتراكه في هذا التحدي مع أحد الوزراء على غير رضًا من زملائه، أو غير ارتياح منهم، فتهيئ له الدولة، وتُنفِق عليه، وتحتفي به أعظمَ الاحتفاء. أيستطيع المصريون بعد هذا أن يفهموا أنهم أحرار، وأن يصدقوا أنهم مستقلون؟ لو كانوا أحرارًا حقًّا لما آثرت الدولة الوزراء عليهم، لما هيأت الدولة للوزراء ما يحتاجون إليه من ألوان اللهو، ولما حظرت الدولة على الزعماء ما يسعون إليه من ألوان الجد. ولو كانوا المستقلين حقًّا ما آثرت الدولة عليهم المندوب السامي، فمهدت له الأرض تمهيدًا، ورضيت عن أن يحشد الناس له حشدًا، ولما حرمت الدولة على الزعماء أن يلقوا المصريين، ولما فرَّقت الدولة جموع المصريين عن زعمائهم بالعِصِيِّ والسياط وبالنار أحيانًا، ولما رضيت الدولة عن أن يحطم إنجليزي في سبيل ذلك علمًا من أعلام مصر على أرض مصر وأمام أهل مصر.

فليفكِّر المصريون في هذا وليُطِيلوا التفكير؛ فقد يكون من حقهم — بل من الحق عليهم — أن يعلموا أأحرارٌ هم في بلادهم أم عبيد.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.