… كنت منذ أيام عائدًا من عملي فأوقفنا عسكري المرور ريثما تفتح إشارة عبور المشاة، ووقفنا صفوفًا ننتظر إشارة العبور، وفي هذه اللحظة تذكرت قصيدتك عسكري المرور في ديوانك «عابر سبيل»، التي تقول فيها:

متحكم في الراكبيـ

ـن وما له أبدًا ركوبه

لهم المثوبة مِن بَنَا

نِك حين تأمر والعقوبه

مر، ما بدا لك، في الطريـ

ـق، ورض على مهل شعوبه

أنا راكب رِجْلي فلا

أمْر عليَّ ولا ضريبه

وسألت نفسي: هل كان يدور بخلد أستاذنا العقاد وهو ينشئ هذه القصيدة أن سيأتي هذا اليوم الذي يدفع راكب رجله غرامة لمخالفته قوانين المرور؛ لأنه لا يمشي على الخطوط البيضاء؟!

أحمد محمد المطيري، الإدارة العامة للثقافة

السيد المطيري يعلم أنني قد تمنيت هذا اليوم منذ نظمت تلك القصيدة من قبل تفكيري في نظمها.

تمنيته بعد أن رأيت حركة المرور في المدن الكبرى بأسابيع قليلة؛ لأنني علمت أن خطر المارة على الراكبين لا يقل عن خطر الراكبين على المارة، ولكن الأولين يفلتون من الغرامات والضرائب، وقلما يفلت منها الراكب والسائق ومالك السيارة.

وأسلم أخطاء الطريق من المارة أن يعبر الطريق من غير مكانه المرسوم، فإنه خطأ يصلحه خط على الأرض يبين لعابر الطريق مواضع الوقوف والسلوك، وهو المسئول بعد ذلك عن الغرامة التي يستحقها إذا لم يفهم معنى هذه الإشارة، التي يجب أن يفهمها اللبيب وغير اللبيب.

إنما الخطأ المنكر هو خطأ هؤلاء الذين سميناهم ﺑ «اللطوخ»؛ لأن الكلمات الفصيحة في لغتنا أهون جدًّا من كلمة «اللطاخة» التي هم أهل لها بغير مراء.

وهؤلاء اللطوخ هم الذين يتبخترون على مهل بين الرصيفين ولا يبالون جنايتهم على المارة من أمثالهم ولا على السيارات التي تذهب وتأتي في الطريق ولا سلطان لها على دواليبها ولا على يمينها ويسارها كسلطان اللطخ الذي يحرك قدميه وينظر إلى مواقع عينيه.

وكثيرًا ما تفهم من لطاخة هذا اللطخ أنه يتحدى الراكبين في السيارات؛ لأنه هو يمشي على قدميه.

ولو كان راكبو السيارات جميعًا من أصحاب الأموال لأمكن أن يُقال: فقير يتحدى أصحاب الثراء. ولكن هؤلاء الراكبين أكثرهم من الفقراء، وهم سائقو السيارات الخاصة والعامة وأضعاف أضعافهم لا يسوقون تلك السيارات ولكنهم يركبونها كما يركبها كل مَن يملك ثمن التذكرة، وهي مما يحسب بالمليمات. إن نظرة واحدة إلى الطريق في المدينة العامرة تدل على نصيب المجتمع من التعاون الطبيعي؛ لأنه التعاون الصادر عن وحي الشعور على البديهة، فلا تعاون حيث يبالي الراكب نفسه ولا ينظر إلى غيره، ولا تعاون حيث يبالي الماشي نفسه ولا ينظر إلى أمامه أو خلفه ولا إلى يمينه ويساره، وهو أقدر على النظر والتصرف من الراكبين حوله.

وإن الغرامة لحق على مَن يركب ولا يعرف كيف يسوق العجلات الصماء، ولكن الغرامة قليلة على مَن يمشي ولا يدري كيف يسوق رجليه، أو يدري ولكنه يعطل حركته وحركة المرور من حوله تحديًا للنظام وتحديًا لشركائه في المجتمع بغير ذنب جنوه، إلا أنه يركب رأسه وهم يركبون السيارات.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.