وضعت الأخت يولندا فنجان اللبن الحليب على الطاولة الصغيرة القائمة إلى جانب السرير من ناحية الرأس، وَحَنَتْ على الرجل النائم تقول بصوت خافت:

صباح الخير يا قبطان.

فتح الرجل عينيه بشيء من الدهشة؛ لأنه لم يشعر بدخول أحدٍ عليه! وتململ يحاول الجلوس وهو يبتسم قائلًا:

– صباح الخير يا أختاه.

– أما زلتَ نائمًا ونحن في الساعة العاشرة؟

حرَّكَ يده اليسرى مشيرًا إلى الصحيفة التي كان يطالعها:

– لست نائمًا، وإنما تعبت من القراءة ومن ضوضاء التلغرافات والأخبار المنشورة في الجريدة، فأغمضت عينيَّ طلبًا للراحة.

ثم استدرك بصوت كصوت الأطفال إذ يحملهم الاستياء على العصيان:

– أو بالحري ما زلتُ نائمًا؛ لأن مَلَكِي الحارس لم يوقظني في هذا الصباح أيضًا، كان لي مَلَكٌ حارس يُعنَى بي فأهملني الآن ونسيني، ويقظتي ورقادي عنده سيان.

– مَلَكُنا الحارس لا يفارقنا يا قبطان، هو دائمًا معنا، ولكن علينا نحن أن نبحث عنه بعين الروح لنراه.

– أنا — يا أختاه — لا أرى إلا بعين الجسد.

– ليست هي عين الجسد التي نعاين بها وجه الله يا قبطان.

– أما أنا، فحسبي من عين الجسد أنها تبصر بعض ملائكة الله على الأرض يا أختاه.

أسبلت الراهبة جفنيها على عينيها الدعجاوين، وكانت أهدابها من الطول والكثافة بحيث ألقت ظلًّا على أعالي خديها، وقالت بصوتها الرءوف:

– أتيتك بالحليب الذي اعتدتَ شربه كل صباح في مثل هذه الساعة، فهلا شربت؟

– أجل، أشرب.

قال هذا ومدَّ يده اليسرى تُعاون يدها على حمل الفنجان في توازن، غير أنه لم يشرب، بل ظل ينظر إلى وجهها صامتًا يتذوق في سره على مهل ما يُحسه من السرور، ثم سأل:

– علامَ لمْ تأتي لإيقاظي من النوم في هذا الصباح، ولا أمس، ولا أمس الأول، ولا الأمس الذي سبقه؟ علامَ جاءتني راهبة غيرك، وحملت لي أخرى طعام الإفطار؟

أجابت تشرح في بساطةٍ ومن غير ما تودُّد:

– لا أزور في الساعة المبكرة إلا المرضى، والمرضى عندنا كثير في هذه الأيام، والأطباء صارمون في أوامرهم؛ فلا بد لي من تنفيذها شخصيًّا، أو الرقابة الدقيقة على تنفيذها لأتمكن من تقديم تقريري عن حالة المرضى جميعًا عند وصول الأطباء في الصباح، أما وأنت في دور النقاهة من الحُمَّى التي أصابتك على أثر الجرح، فأيُّ أحد يستطيع أن يقوم لديك بالخدمة البسيطة.

– إذًا، ليت جرحي لم يندمل!

ولمس مكان الجرح من ذراعه اليمنى، وقال:

– أأفتحه لتعاودني الحُمَّى فأستحق العناية من جديد؟

ابتسمت بذلك التحفظ الذي هو دستور حياة الراهبات، وقالت:

– الحمد لله على سلامتك، ثم لديَّ في هذا الأسبوع مشاغل أخرى — وبخاصة اليوم — فنحن نقوم بتنسيق الكنيسة وبإلباسها حُلل الزينة لتكون جميلة يوم غد عيد رأس السنة، وسيغادر المستشفى اليوم أكثر الناقهين فينصرفون إلى منازلهم ليقضوا الأعياد بين ذويهم، أما العمل في الكنيسة فيظل متتابعًا حتى اليوم السادس من يناير، وهو يوم عيد الغطاس، فهذا الأسبوع موسم الأعياد كما تعلم.

– أنا أبقى هنا الموسم كله؛ لأن عائلتي بعيدة ولا أصدقاء لي في القاهرة، أتقبلونني يا أختاه؟

– حسنًا، تصنع بالبقاء هنا أيامًا أخرى يا قبطان؛ لأن المعيشة في المستشفى أتمُّ تنظيمًا وتوقيتًا ووقاية منها في الخارج؛ حيث قد تُعرَّض صحتك للانتكاس، وأنت بعدُ لن تشعر بالضجر؛ لأننا نُعِدُّ لمرضانا حفلات صغيرة لطيفة يلهون فيها ويُسَرُّون بغير ما غلوٍّ ولا إرهاق. أَوَلَا تشرب الحليب؟

– أشربه، أشربه.

وإذ همَّ بتعديل جلوسه لم يتمالك من التأوُّه وإرسال صيحة مفاجئة؛ فأقْصَت الفنجان عنه قليلًا وسألت:

– أي شيء؟ أتتألم؟

– ألمًا لا يُذكر، كلما حركت ذراعي اليمنى بدون انتباه، ساعة أنسى أنها جريح، فلا أحملها على الاستعداد للحركة بشيء من المداورة.

– هذا يزول مع الوقت، وهل نمت نومًا حسنًا؟

– حسنًا جدًّا، أنام كالطفل، وأستيقظ كالطفل، وكالطفل أعيش نهاري أنظر إلى الحياة بعينين جديدتين. حسنٌ أن يمرض الجندي أحيانًا ليشعر بعطف الناس عليه، بدلًا من أن يروا فيه دوامًا القسوة والجفاء والتأهب للمهاجمة والإيلام فيقابلوه بالمثل، أليس كذلك؟

– لكلٍّ منا واجبه يؤديه في أمانة تحت رقابة العناية الإلهية أيًّا كانت النتيجة. أَوَلا تشرب يا قبطان وبعدئذٍ تذهب إلى الحديقة لرياضتك الصباحية؛ فيتيسر للخدم أن ينظفوا غرفتك ويصلحوا سريرك؟ انظر إلى هذا النهار، ما أجمله! لن تجد في غير مصر شمسًا كهذه مشرقة في مثل هذا الفصل؛ لكأننا في قلب الربيع! اشرب وأسرع في النهوض.

استوى جالسًا في سريره ومدَّ يده اليمنى يعاون يدها على إدناء الفنجان من شفتيه، وكانت يدها تتحرك في بطء رفقًا بيده المريضة، وعندما لمس الفنجان شفتيه لم يشرب هذه المرة أيضًا، ظل ناظرًا إلى وجهها المنحني عليه، ظل متأمِّلًا في جفنيها المسبلين على حدقتين تُخفيان أسرارهما، ظل ينظر صامتًا ويتأمل صامتًا، ثم زحزح يده وأدار بها في تريُّث على معصم الراهبة، وأصبعًا بعد أصبع لمست أصابعه يدها كأنما هو يجرب عليها قوته، ولما شعر بأن القوة لا تنقصه ضغط بحرارة على اليد التي لم تتحرك خوفًا من دلق الحليب ورفقًا بيده المريضة.

رعشة طفيفة دبَّت في أهدابها المسبلة، ولكن وجهها ظل ساكنًا مطمئنَّ الملامح كأن شيئًا لم يحدث، وبصوت هادئ على عادته قالت:

– اشرب يا سيدي.

– ما أعذبَ العذوبةَ في وجهكِ يا أختاه! أأنتِ اكتسبتِها بممارسة الصبر في حياتكِ الرهبانية، حياة الحرمان والزهد والتقشف والانخطاف الروحي؟ أم هي نجمت عن تجلُّدكِ في حضور العمليات الجراحية، وتعوُّدكِ العطف على المرضى ومواساتهم ومخاطبتهم رجالًا ونساءً، كبارًا وصغارًا بمثل ما يُخاطَب به الرضيع المحتاج إلى العناية والمحبة؟ أم هذه العذوبة منحة من الله لكِ؟

– ليس لدى الإنسان شيء إلا وهو من منح الله يا قبطان، اشرب وسارع إلى حيث تبهجك أشعة الشمس. سأسأل الأطباء أن يوافوك إلى هناك، لقد باشروا التطواف اليومي بالمرضى في الساعة العاشرة، ولا يطول حتى يجيء دورك فيوافوك إلى الحديقة.

***

خرجتْ بخطوات لا وقْع لها كأنما هي تحتذي خُفًّا من القطن، وما سارت في البهو قليلًا حتى أبصرت الجندي «مراسلة» الضابط يُقبل عليها متجهًا إلى الغرفة التي غادرتها.

– صباح الخير يا أختاه، هل لي أن أدخل على قبطاني؟

– ماذا أنت حامل بيدك؟ إن القبطان على أحسن حال، بَيْدَ أن تشديد الأطباء في وجوب احتفاظه بهدوء الأعصاب لم يتغير؛ وعلى ذلك خيرٌ ألا تقدم له هذه الرسائل التي قد تحمل أخبارًا مزعجة.

– خطابان لا غير يا أختاه، أما هذا (وعرض ظرفًا كبيرًا أصفر) فمخاطبة رسمية من مركز القيادة، والمخاطبات الرسمية التي تُوجَّه إلى ضابط جريح عليل لا تكون عادة مزعجة، هذا إن لم يكن فيها ما يُبهج، وأما هذا الخطاب (وعرض ظرفًا أزرق طُبع عليه اسم فندق بالإسكندرية) فوارد إليه ممن يُسر بتلقِّي أخبارهم (قال هذا وحرك «المراسلة» جانبًا من وجهه حركة ذات مغزى).

– اذهب إليه إذن قبل أن يغادر غرفته إلى الحديقة.

استأنفت طريقها متمهلة، وظهرت الكآبة على وجهها؛ إذ هي ترنو إلى اليد التي لمستها يده منذ حين مناجيةً نفسها: لماذا لمسني بهذه الكيفية؟ ليس هو اللمس الذي أَلِفْتُه من المرضى عندما يتوجَّعون ويشْكُون طالبين تخفيف الوجع متوقعين كلمات الرجاء، ولا هو لمسني من قبلُ هكذا، لمسُه اليوم كان فيه أمر وكان فيه ابتهال أيضًا، أهذا لمسُ الرجل الذي تحذِّرنا من شرِّه أمُّنا الكنيسة المقدسة الرومانية الرسولية الكاثوليكية؟ أكذلك يلمس الرجال النساء في حياة المجتمع؟ يا إلهي، اغفر لي لأني لم أُبدِ استياءً ولم أشعر باستياء! اعفُ عن الغبطة الرحيبة التي غمرت قلبي! إنها لغبطة أثيمة … يا له من شاب فتَّان! يا لنظره الطويل العميق، ولشفتيه المليئتين حينما تسارعان إلى الشرب كأنهما تغرقان في اللبن كلمات تحوم عليهما! شيء منه يلتصق بيدي، يده ألقت في يدي شرارة. يا يسوع الطفل، طهِّر يدي من الوصمة العالقة بها وأقصِ عني هذه التجربة!

***

مرَّت الساعة الحادية عشرة، والأخت يولندا رئيسة الممرضات تقوم بعديد واجباتها من محادثة الأطباء وتَلَقِّي أوامرهم، إلى زيارة المرضى والاستماع إلى شكاياتهم، إلى تقديم الدواء لبعضهم، إلى رقابة الخدم في تنظيف الغرف المتغيب أصحابها في الحديقة أو على الشرفات؛ وعندما وصلت إلى غرفة القبطان وجدت الخدم فيها فأمرت بتبديل ملاءات السرير، وأخذت تنزعها بيدها عن الفراش؛ عندئذٍ عثرت على الرسالتين تحت الوسادة، فأدركت أن القبطان فضهما وقرأهما قبل الخروج فتركهما تحت الوسادة مفتوحتين، حملتهما لتُلقيَ بهما على الطاولة دون تعمُّد قراءتهما، ولكن نظرها استقر عليهما عرضًا؛ وإذ تَلَتِ الكلمات الأولى في الرسالة الزرقاء، نسيت أنها راهبة وأنها امرأة مهذبة لا يجوز لها الاطِّلاع على الرسائل الشخصية ولو وجدتها مفتوحة، وجرى نظرها على السطور يلتهمها فقرأت ما يلي:

عزيزي موريس

كنتَ دوامًا تقول عن خطيبتك هذه إنها صاحبة سياسة بارعة، وأنا الآن أوافقك على رأيك فيَّ وأصارحك بأني أستحقه؛ ذلك لأني أفلحت في إقناع إميلي ابنة خالتي بزيارة مصر خلال عطلة الموسم مع زوجها بدلًا من الذهاب إلى «الريفيرا» على عادتهما، ولا يهمني من أمر عطلتهما إلا التمكُّن من مرافقتهما في السفر لأَصِلَ إليك فأراك ولو يومًا واحدًا قبل عودتك إلى المعسكر.

أتستطيع أن تتخيل مبلغ قلقي وعذابي كل هذه المدة منذ أن علمتُ أنك جريح عليل؟ أحدِّثك الآن عما قاسيت لأني أعلم أنك شُفيت، أعلم ذلك بفضل قنصلنا في القاهرة الذي تلقينا منه قبل سفرنا ما ينبئ بقرب خروجك من المستشفى.

وصلنا الإسكندرية في هذا الصباح بالباخرة «ماريت باشا»، وغدًا عندما تتلقى أنت هذه الرسالة نكون نحن على أهبة السفر بقطار الظهر إلى القاهرة، فنصلها حوالي الساعة الرابعة — على ما يقولون لنا — ونذهب توًّا إلى القنصلاتو لنسأل عن مكان إقامتك، فليتنا نلتقي بك بدار القنصلاتو في تلك الساعة لتتم سعادتنا!

ولكن حسبي سعادة أني سأراك غدًا في صحة تامة، فأقضي معك آخر يوم من السنة الراحلة وأول يوم من السنة الجديدة! حسبي سعادة أن سيتيسر لي أن أخدمك وأُدلِّلك وأجعلك تشعر بشيء من حبي لك!

ألمس عن بُعدٍ ذراعك الجريح في شوق ولهفة، وإلى غد!

ميمي

الكنيسة هادئة في أواخر الليل، ونور المصابيح ناعس كعينين أضناهما السهر، وعلى الهيكل شمعة تذوب ولم يبقَ منها إلا القليل، شمعة وضعتها الراهبة الممرضة على نية الضابط الذي مضى يجتمع بخطيبته، فاشترك لهيب الشمعة مع الراهبة في الابتهال إلى الله أن يشمل القبطان وخطيبته بعنايته، وأن يجعل حياتهما هنيئة سعيدة.

لم تشأ الراهبة أن تُلبِّيَ طلب القبطان الذي ألحَّ في استدعائها ليشاهدها ويودِّعها ويشكرها قبل مغادرة المستشفى؛ كيف تودِّعه وتسمع منه كلمات الشكر؟ بل كيف تجرؤ على مجرَّد النظر إليه؟ لا، هي تشتغل في الدير حيث هو لا يستطيع الوصول إليها …

وها هي ذي قد قضت الليل كله في الكنيسة جاثية على ركبتيها، تُخفي وجهها باليد التي حرقها لمسه، وتُصلي قائلة: لقد وهبتُكَ حياتي دفعة واحدة يا إلهي، فيدي لكَ وليست لمخلوق، وأقلعتُ عن سبل العالم لأسيرَ في سبيلك، وتركت ملذات الدنيا وأفراحها لأطلب الآلام والأوجاع التي تدنيني من طهرك، قدَّمتُ حياتي شمعة تحترق عند قدميك احتراق هذه الشمعة الصغيرة على الهيكل؛ فما هذه العاصفة التي عصفت بي؟ أفتغفر لي ضعفي أيها الإله الرحيم؟ أتصفح عني لأني وجدت في لمس الرجل الأثيم حلاوة لم أجد مثلها — يا يسوع الطفل — في حبك وعبادتك؟

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.