لقد سقطت الشيوعية في وطنها … سقطت وهي مالكة لقوة لا قبل لأَحَدٍ بها، سقطت بلا حرب وبدون هجوم من عدو. سقطت من ذاتها؛ بما يعني أنها لا تحوز أسباب البقاء، وما لا يحوز أسباب البقاء مقضي عليه بالفناء من ذاته وبذاته.

وقد سقطت لأن فلسفتها تتعارض مع الطبيعة البشرية، ولأن اقتصادها يتجاهل قوانين العمل والمجتمع. ولا أنكر أنها حققت في بدئها نجاحًا كبيرًا، ولكن الفضل في ذلك يرجع إلى حماس الثوار وتضحياتهم، فلما استقرت الأمور وهدأت النفوس ظهرت العيوب والسلبيات.

وتاريخ البشر عرف مشروعات مثالية غير قليلة، انبعثت من أحلام رجال عظام ذوي نيات جميلة، ولكنها طُرحت كمشروعات، ودُعِيَ الناس إلى اعتناقها دون قهر، وكانت تخاطب القلوب والضمائر وتحترم حرية الإنسان، فمارستها صفوة قادرة، وتطلعت إليها الكثرة كمصابيح هدى للاستنارة والعزاء، هكذا كانت اليوتوبيا وهكذا كان التصوف، ولو أُتيح لدعاة تلك المذاهب القوة ليفرضوها على الناس بالحديد والنار متجاهلين طيبة البشر وطبائع الأشياء لتقرر لها نفس المصير المحزن الذي تقرر للشيوعية في روسيا. وقد عرف تاريخنا القديم حلمًا جليلًا جميلًا بشَّرَ به «إخناتون»، ولكنه اعتمد في نشره على القوة والعرش، وتجرع خاتمة أسيفة دامية.

أجل لا بد من الأحلام والمشروعات لتسير الإنسانية في طريق الكمال، ولكن لا نجاح للأحلام إلا إذا احترمت الطبيعة البشرية وأدركت سرَّ حركة القوانين الاجتماعية، وهذه مهمة لا تُتاح لرجل ولا لجماعة، ولكن لا بد من ديمقراطية شاملة يُنتفع فيها بكل رأي ويُستمع لكل صوت، وتُحترم فيها حقوق الإنسان جميعًا.

الديمقراطية الشاملة خير جو للتقدم وأكبر ضمان للنجاح.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.