في البلد أفراد من الكُتَّاب إذا أعلن أحدهم إلى الناس أن مقالًا له سينشر في إحدى الصحف يوم كذا صادف منهم نفوسًا كلفة بما يكتب وقلوبًا مشغوفة بقراءته، ثم ألسِنةً بعد ذلك منطلقة بالثناء وأقلامًا جارية بالإطراء منها ما يثني على الكاتب لأنه الكاتب، ومنها ما لا يصدر في إطرائه إلا عن اعتقاد صحيح بأنه في مقاله محسن مجيد، وبعد هذا وذاك تكثر الألسنة والأقلام التي تتناول بالنقد مقال الكاتب فتذهب منه مذهب النصح، وتقصد فيه إلى الحق أو تميل به مع الهوى وتنحو فيه مناحيَ التغرير والتضليل، ولئن كان تألم الكاتب من النقد وتبرمه بالناقد قد يعدوان طوريهما أحيانًا؛ فإن ارتياحه إلى الثناء والإطراء اللذين يسدَيَان إليه كثيرًا ما يخفف من غيظه ويذهب بموجدته فهو حسن الحظ صاعد الجد على كل تقرير.

أما سيئ الحظ من الكُتَّاب فأحد اثنين؛ رجل لم يلقَ من الناس إلا انتقادًا مُرًّا وتشهيرًا مخجلًا؛ لأنه لم يقصد إلى الجادة ولم يوفَّق إلى الصواب. ومثل هذا الرجل خليق بعثور الجد؛ لأنه زعيم بأن يوقفه من الغرور وحب الذكر عند حد محدود، ورجل لم يلقَ من الناس خيرًا ولا شرًّا، ولم يبلُ منهم حلوًا ولا مُرًّا؛ لأنه لم يكتب ما يستحقُّ المدح والقدح أو لأن مقاله صادف من القُرَّاء أوقات الخمول والسآمة، أستغفر الله. بل هناك رجل آخر يبلو المر ويسمع الهجر في نصرة الحق والذود عنه، وما أحسبني أنسيته إلا لأنه بين ظهرانينا نادر قليل.

فمن أي هؤلاء يمكن أن أكون أنا؟

خطر لنفسي هذا الخاطر فألقت عليَّ هذا السؤال بعد أن قرأت مقال يوم الجمعة في مصر الفتاة؛ فإذا هو سابع ما نشر بهذا العنوان، وقد يكون الرابع عشر لما نشر بهذا الإمضاء، وإذا أنا كأول يوم كتبت لا أقول لأني لم أسمع كلمة ثناء فقد علم الله ما ابتغيتها اليوم ولا تمنيتها. ولئن كنت مشغوفًا بها كل شغف فهي الآن أزهد عندي من عفطة عنز، يقول علي بن أبي طالب لأني أعلم أن آنَها لم يؤن بعدُ وأدخرها لذلك اليوم الذي تطلبني فيه ولا أطلبها، ولكن لأني لم أسمع كلمة ناقد ولم أَرَ مقالًا لعائب بعد أن دعوت القراء إلى أن ينازعوني أطراف القول فيما أكتب وأقول.

ولقد كنت أحسب أن بؤسي مطبق في كل شيء حتى في الكتابة، وأن موقفي زلق في كل مكان حتى بين الكُتَّاب … نظرت فإذا أنا لست من كُتَّاب المنزلة الأولى فلم يرعني ذلك لأن هذه المنزلة غاية يبلغها كل كاتب مثلي لم يقف من حب الإجادة والإحسان عند حد، ثم نظرت فإذا أنا أحد الرجلين في المنزلة الثالثة؛ فحمدت الله على أن مررت بمنزل أبي فصادة ولم أعرج، وجعلت أتردد بين أن أضع نفسي موضع أول الرجلين فأريح وأرتاح، أو أضعها موضع ثانيهما فأرضيها بالأعاليل ثم أعمد إلى القُرَّاء فأدافع عنهم الخمول، حتى يستفيقوا منه، وإذ ذاك أجد من النقد نصيبًا موفورًا. ولقد خشيت أن يستحيل غلوي في حب النقد إلى تمادٍ في بغضه لولا أن جمعتني ليالي الصوم بفريق من الناس كلهم ينقمون مني ألفاظًا كثرت فيما أكتب يقولون إنها غريبة نابية، وبعضهم يأخذ عليَّ تنويهي بالمنطق وميلي إليه في مقال يوم الجمعة، يقولون كيف يحسن من أديب يكتب في العشق إلى أحد العاشقين أن يعرض بالمنطق أو يميل إليه؟ إن هذا لهو الجور المبين، لم تصادف هذه الكلمات مني إلا نفسًا ظمئة وقلبًا مشغوفًا بهن، فكنَّ أشبه شيء بقطرات الماء يترشفها الصدى فيبللن صداه ويخففن من ظمئه، كذلك الإنسان إذا صادف الأمنية بعد الأمل وطول الرجاء، ولو أن الناقدين على حق لوقفت عنده وسكنت إليه، ولكنهم مع الأسف مخطئون.

أما في الأول فلأن اللغة العربية التي نمتدح بغناها ونتحدث بكثرة مادتها لم يقف مألوفها عند هذه الألفاظ التي نفعم بها الصحف كل يوم، وليس الغريب كل لفظ ثقل على ألسنة الظرفاء من أبناء القاهرة أو نَبَا عن طباعهم؛ فإن هؤلاء قد لا يروقهم اللسان العربي إذا لم تُصَغْ ألفاظه من خطرات النسيم ولحظات العيون وغمزات الحواجب، يأبون إلا أن يستعار لهم الكلم من تنفس الأزهار وتناغي الأطيار، يريدون أن يُهملوا آذانهم وألسنة الناس فلا هم يسمعون ولا الناس ينطقون، وإنما تتخاطب النفوس وتتناجى الأفئدة يحسبون أن تشبيه الكلام بالدر يجعله درًّا، وأن قياسه بالخمر يجعله خمرًا، يغلون في الخيال حتى يسمج في أعينهم منظر الحقيقة ويخلق أمامهم معرضها هؤلاء مهما حمدنا منهم الظرف؛ فلن نرضى لهم أن يبلغ بهم الرقة حد الاستماتة وتُخرِجهم عن طور الرجال في النطق، إنما الظرف كرم الأخلاق وسلامة الذوق، وإنما الغريب ما استعصى على العربي فهمه ونبا عن سمعه لفظه، ونحن الآن بإزاء لغة نريد أن نرجع لها مجدها، ولن يكون ذلك إلا باستخراج دررها واستنباط أساليبها الرائعة من بطون المعاجم وأثناء الكتب، وأنا بهذا مشغوف كلف، وأرجو أن أوفَّق إليه إن شاء الله.

وأما في الثاني فلا أعرف علمًا يهتدى به في طريق البحث عن مزايا النفوس وصفاتها الخاصة إلا المنطق، ولا أعلم أن اتِّباع سبيل المنطق في الكلام عيب على الكاتب، إنما العيب أن يخرج من موضع بحثه إلى فصل من فصول المنطق فيخوض لجته كما يقول أبو هلال. وإنما المنطق في المعاني كالنحو في الألفاظ، وكل ذنب جنيته هو أني قومت بالمنطق فكرة كما أقوِّم بالنحو ألفاظي. وبعد فكأن هؤلاء الناقدين نسوا أني أكتب إلى صاحبي صارفًا له عن العشق ومبغضًا له فيه، وسواء عليَّ بعد ذلك حمدوا مني حب المنطق واستعماله أم ذموه، ولكني على نقدهم لي من الشاكرين.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.