قصور لا يستطيع المصري أن يعترف به، ولا أن يرفع معه رأسه أمام نفسه، ولا أمام غيره من الأجانب، هذا الذي تتورط فيه الوزارة إن صح ما تتحدث به الصحف منذ أيام عن موقفها بإزاء هذه المسألة التي تشغلها وتشغل المصريين منذ حين؛ وهي مسألة القضاة المصريين في المحاكم المختلطة.

فقد كانت الوزارة نفسها حائرة في الأسبوع الماضي، ثم انتقلت الحيرة منها إلى الناس في هذا الأسبوع. فهل حُلَّت هذه المسألة أم هل ما تزال حيث كانت؟ وإذا كانت قد حُلَّت، فعلى أي وجه؟ أعلى الوجه الذي يرضي المصريين؛ لأنه يرد إلى القضاة حقوقهم، ويحفظ عليهم كرامتهم، ويكفل لوزير الحقانية ما ينبغي أن يستمتع به من الحرية في إبداء الرأي، والاستقلال في الإقدام على عمل من الأعمال دون أن يتلقى دروسًا قاسية لاذعة، أم على وجه آخر لا يرضي المصريين ولا يرد على قضاتهم حقًّا، ولا يكفل للوزير حرية ولا استقلالًا؟

أسئلة يلقيها الناس ولا يجدون عليها جوابًا، أو هم يجدون عليها أجوبة مختلطة متناقضة؛ فبعض الصحف الوزارية كان يزعم مساء الأحد أن كل شيء قد انتهى، وكان انتهاء كل شيء إلى ما لا يحب المصريون، ولا يشهد للوزارة بشيء من البراعة أو بشيء من القوة والحزم في تصريف الأمور، فقد كان يُقال إن الأمر انتهى إلى تأجيل القضية، على أن تأخذ الحكومة في المفاوضات بعد ذلك، لعلها تظفر بما يريد القضاة المصريون من الاعتراف لهم بالحق في رياسة الدوائر.

وظاهر أن رئيس محكمة الاستئناف المختلطة لم يطلب في كتابه المشهور غير هذا؛ فانتهاء الأمر إلى هذه النتيجة ليس معناه إلا إذعان الحكومة وتسليمها بما كان يراه الرئيس.

وكنا نعلم أن الوزارة تنكر ذلك أشد الإنكار، أو أن وزير الحقانية يأباه أعنف الإباء، وكنا نعلم أن الأزمة إنما تعقدت لأن وزارتنا كانت ترى أن الأمر لا يحتاج إلى مفاوضات على حين كان يرى رئيس محكمة الاستئناف أن ليس من الأمر مخرج إلا بالمفاوضات؛ فقبول الوزارة لفكرة المفاوضات إن صح ما نشرته بعض صحفها المسائية لا يمكن أن يُسمَّى إلا إذعانًا وتسليمًا.

وقد نحب أن نعلم إذن فِيمَ كان التشدد والإباء، وتعقيد الأشياء؟! وفِيمَ كان الغضب والإنكار، والإلحاح والإصرار، وإضاعة الليل والنهار ما دام الأمر سينتهي إلى الإذعان والإقرار؟! وفِيمَ كان التلويح بالاستقالة ما دام الأمر سينتهي إلى العدول عن الاستقالة في غير فوز ولا انتصار؟! وما الذي حمل وزير الحقانية على أن يكتب إلى رئيس محكمة الاستئناف أنه لا يوافق ما دام سينتهي آخر الأمر إلى أن يوافق؟!

مسائل كنا نحب أن نفهمها، ولكن متى وُفِّق المصريون في هذه الأيام إلى أن يفهموا شيئًا من أمر الوزارة إذا أرادوا أن يفهموه، إنما أمور الوزارة ألغاز وأحاجٍ لا يقدر على فهمها إلا الراسخون في العلم، والواقفون على دخائل الأمور، كما يقولون.

ثم أصبح الناس يوم الاثنين فإذا ما كان يُقال مساء الأحد يُعدَل عنه بعض الشيء، وإذا الصحف تتحدث بأنه لا يُصوَّر الأمر على حقيقته.

ولكن هناك شيئًا حدث اليوم وهو يصور الأمر على حقيقته من غير شك؛ فقد أُجِّلَتْ قضية المعاشات إلى يوم ٢٧ أكتوبر المقبل. ومعنى هذا التأجيل أن الأزمة قد حُلَّتْ حلًّا مؤقتًا اليوم، فلن يعدل القضاة المصريون في هذا العام القضائي عن الجلوس في الدائرة الأولى، ما دامت هذه القضية قد أُجِّلَتْ.

وإذن؛ فهل تأخذ الحكومة في مفاوضات سياسية كما يريد رئيس محكمة الاستئناف لتحل هذه المسألة قبل أن ينتهي الصيف، وإذن فقد انهزمت الوزارة من غير شك، أم هل تأبى الحكومة أن تدخل في مفاوضات سياسية وتصر على أن تحل المسألة فورًا بحيث تضمن منذ الآن الاعتراف للقضاة المصريين بحقهم في رياسة الدوائر على أن يُعمَل بذلك منذ يبدأ العام القضائي المقبل؟

سؤال ليس من اليسير أن نجيب عليه الآن وإن كان كل شيء يدل على أن الظاهر أن الوزارة ستسلك الطريق الأولى، فتدخل في مفاوضات سياسية بعد أن كانت تأبى الدخول فيها، وتقبل ما يريده رئيس محكمة الاستئناف بعد أن كانت تأباه أشد الإباء.

ومما يدل على هذا ما تتحدث به الصحف كلها من اضطراب الوزارة في أمر هذا التأجيل نفسه، فقد كان يُقال إن بعض الجهات الأجنبية لم تكن تحب التأجيل الطويل ولكن الوزارة ألحت فيه حتى ظفرت به، فهل يدل هذا إلا على أن الوزارة تريد أن يتسع أمامها الوقت لعل المفاوضات أن تطول، ولعلها أن لا تنقضي في أسابيع؟!

ومما يدل على ذلك أيضا ما تتحدث به الصحف كلها من اضطراب الوزارة في أمر الرد على رئيس محكمة الاستئناف، فقد كان يُقال إن وزير الحقانية فرغ من هذا الرد، وأفرغه في صيغة حازمة وهَمَّ أن يرسله، ثم قيل له في ذلك: انتظر. فانتظر، ثم قامت اعتراضات من بعض الجهات الأجنبية على بعض ما في هذا الكتاب من العبارات وأُرِيدَ من الوزير تغييرها فأبى الوزير هذا التغيير.

وأظنك توافقني على أن الوزير الذي يهم بإرسال كتاب ثم يؤخر إرساله، وعلى أن الوزير الذي يتم رده ثم لا يستطيع أن يبلغه؛ لأن بعض الجهات الأجنبية تعترض على بعض ما جاء فيه، أظنك توافقني على أن الوزير الذي يتورط في هذا كله ليس هو الذي يستطيع أن يحل هذه الأزمة حلًّا حازمًا حاسمًا سريعًا كما يريد المصريون.

ومعنى هذا أن الوزارة قد تخففت من هذا العبء الثقيل بما انتهت إليه من تأجيل طويل؛ فكسبت الوقت واستطاعت التنفس، وستترك المسألة في أكبر الظن للمفاوضات السياسية التي قد يُبدَأ بها الآن، وقد يُبدَأ بها بعد حين، والتي تدع المسألة كلها خاضعة لما تضمره الأقدار، ومعنى ذلك أن الوزارة — إن صح هذا كله — قد غيرت موقفها تغييرًا تامًّا، فقبلت ما لم تكن تقبل، وأذعنت لما لم تكن تذعن له، ورضيت أن تجادل فيما لم تكن ترضى الجدال فيه، وأصبح من الجائز أن تدخل في مفاوضات لا يُقدَّر لها النجاح، ويومئذ يعود القضاة المصريون إلى حيث كانوا أمس، ويبقى القضاة المصريون حيث هم الآن، ويصبح موقف الوزارة المصرية من الضعف والاضطراب بحيث لا تحب وزارة أن تقف.

وإذن؛ ففِيمَ كان هذا الضجيج والعجيج؟! وفيم اتخذت الوزارة لغة الحزم، ولبست ثوب الصرامة ما دامت تنتهي آخر الأمر إلى هذا التسليم والإذعان؟!

لن تستطيع الوزارة أن تزعم أنها لم تجد من المصريين نصرًا ولا تأييدًا، وقد منحها المصريون من النصر والتأييد ما لم تظفر به من قبل، وما كان يكفي لتقف موقفًا أدنى إلى الحزم والمحافظة على الكرامة والحق، ولكن الوزارة لم تنتفع بهذا النصر، ولم تستفد من هذا التأييد، ولعلها كانت تضيق بهما أشد الضيق، ولعلها كانت تكرههما أشد الكره، ولعلها كانت تؤثر ألا يمنحها المصريون منهما شيئًا.

فالمصريون يحرجونها حين يحسنون بها الظن وينتظرون منها الخير، ويُقدِّرون أنها تستطيع أن تحفظ الحق أو تؤيد الاستقلال.

والمصريون يحرجونها حين ينتظرون منها المعجزات، وقد أعلن رئيسها أنه لم يأتِ لإحداث المعجزات، ومتى وُفِّقَتْ هذه الوزارة إلى تحقيق مطلب من مطالب المصريين، أو رد حق من حقوق المصريين، أو حفظ كرامة من كرامات المصريين؟!

سَلْها ماذا صنعت في مسألة الدين العام، وسل رئيسها ماذا صنع في هذه الأزمة التي أثارها بينه وبين المندوب السامي حول التقاليد، وسلها ماذا صنعت في قصة السماسرة، وسلها ماذا صنعت فيما كان بين وزير الداخلية ومدير شركة النور. سلها ماذا صنعت في أي مشكلة من المشكلات الداخلية أو الخارجية؛ فسترى أنها لم تصنع شيئًا، وإن زعم أنصارها أنها صنعت كل شيء.

هي وزارة قاصرة لا تستطيع أن تنهض بهذه الأعباء الثقال التي يجب أن تنهض بها الوزارات، لا تستطيع أن تتحمل تبعات الحكم، إما لأنها لا تظفر بتأييد الشعب، وإما لأنها لا تستطيع احتمال هذا التأييد حين تتيحه لها الظروف والمصادفات. هي وزارة قاصرة لا تستطيع إلا أن تختلف إلى الدواوين، وأن يضطرب أعضاؤها في أقطار الأرض، ومن حولهم الأنصار والأعوان؛ ليقول الناس إنهم وزراء ليس غير.

ومن يدري؟! لعل الظروف السيئة التي تحيط بمصر منذ أعوام تريد أن تجعل أمور هذا البلد البائس إلى وزارات من هذا الطراز لتفسد هذه الأمور وتضطرب، ثم نقرأ بعد ذلك في التيمس والديلي تلغراف والمورننج بوست ما نقرؤه من أن المصريين لا يصلحون للاستقلال، ولا يستطيعون أن يستغنوا عن معونة الإنجليز.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.