أعترف بأني لا أهاب شيئًا كما أهاب رضا الناس عني، ولا أشفق من شيء كما أشفق من حسن ظنهم بي. فأنا — شهد الله — قلَّما أرضى عن نفسي أو أُحْسِن الظنَّ بها، وما أذكر أني كتبت شيئًا أو أتيت شيئًا من الأمر إلا وأنا مؤمن بأنه دون ما كان ينبغي أن أكتب، ودون ما كان ينبغي أن آتي من الأمر، ودون ما ينبغي أن يرضى هؤلاء الأصدقاء الذين أعرفهم والذين لا أعرفهم، والذين يتفضلون عليَّ فيرضون عني ويُحْسِنون الرأي فيَّ، وأعجز أنا عن تصديق هذا الرأي أو تصويب هذا الرضا.

كذلك كنت منذ بدأت أكتب، ومنذ بدأت أنهض بشيء من أعباء الحياة العامة. ويظهر أني سأظل كذلك أبدًا. فقد جاوزت من أطوار الحياة هذا الطور الذي يستطيع الناس أن يغيروا فيه آراءهم في أنفسهم، ويحسنوا بها الظن، وينتظروا لها النمو والرقي والتقدم نحو الكمال.

لذلك لا أدري كيف أُلقى هؤلاء الأصدقاء الذين عرفوا أني سأكتب في «الكوكب» فأحبُّوا ذلك، ورضوا عنه، وغلا بعضهم فاغتبط به وابتهج له. نعم؛ ولا أدري كيف أُلقى هؤلاء الذين تفضلوا فدعوني إلى الكتابة في الكوكب، وألحوا علي في ذلك إلحاحًا ملؤه المودة والبر، والرغبة في الخير لي، وللقراء مما سأكتبه.

نعم، لا أدري كيف أُلقى أولئك وهؤلاء؛ لأني شديد الإشفاق من العجز عن تصديق أولئك وهؤلاء، وتحقيق القليل أو الكثير مما ينتظرون. ومع ذلك فقد أجبت شاكرًا دعوة الداعين، وقبلت مغتبطًا رضا الراضين، وأقبلت إلى أولئك وهؤلاء، وأنا واثق مطمئن إلى أني لم أبلغ ما يأملون فيَّ، ويرجون مني، فلن أقصر عن الإخلاص الذي ليس فوقه إخلاص، ولن أَفْتُر عن النصح الذي ليس بعده نصح، ولن أضن بقوة أملكها، أو جهد أقدر عليه، وإنما أبذل هذا كله صادق الرأي، ماضي العزم، قوي الأمل كأحسن ما يكون الرجل استعدادًا لاستقبال الخطوب، واحتمال الآلام في خدمة هذا البلد الحزين.

وما أظن أن المصري يملك في هذه الأيام شيئًا يستطيع أن يقدمه إلى وطنه خيرًا من الإخلاص والنصح وصدق العزيمة، وحسن الاستعداد لاستقبال الخطوب؛ فإن كان هذا هو الذي ينتظره مني أصحاب الكوكب وقراؤه، فهم واثقون منذ الآن بأنهم سيبلغون منه ما يريدون، وإن كانوا ينتظرون مني غير هذا فليعذروني إذا لم أعدهم بشيء.

وأي شيء يستطيع العاملون أن يقدموه إلى مصر في هذه الأيام التي قُصَّتْ فيها الأجنحة، وشُدَّتْ فيها الألسنة فلا تقول إلا بحساب، وعُقِلَتْ فيها الأقلام فلا تجري إلا بمقدار، وضُيِّق فيها على الناس فهم مضطرون إلى أن يفكروا ويطيلوا التفكير قبل أن يقولوا أو يكتبوا، وإلى أن يُقدِّروا فيطيلوا التقدير قبل أن ينشطوا لأمر من الأمور. كل شيء ضيق من حولنا، فقد استكشفت الوزارة منذ نهضَتْ بالحكم أو منذ همَّتْ أن تنهض بالحكم أن الدستور أوسع مما ينبغي، فضيَّقَتْه وبالغَتْ في تضييقه. ولم تكد تعلن إلينا هذا التضييق وتأخذنا بتصغير عقولنا، وتقصير ألسنتنا والكبح من أقلامنا، والحَجْر على آمالنا لتلائم حياتنا الدستور الجديد، حتى استكشفت أن هذا الدستور الجديد نفسه يكفل لنا حريات أكثر مما ينبغي وإذا هي تُضيِّق هذه الحريات بألوان التشريع مَرَّة، وبسلطانها الإداري مرة أخرى، وإذا هي قد اتخذت موازين دقيقة شديدة الدقة، رقيقة مسرفة الرقة، حساسة حادة الحس، تقيس بها ما نرى وما نقول وما نفعل، وتأخذنا بما تنكر هي من ذلك كله، لا بما ينكر العرف، ولا بما ينكر الدستور، ولا بما تنكر الديمقراطية الغالية في الضيق، وإذا انتقالنا في الغدو والرواح يُرصَد ويُرقَب ويُقدَّر فيُباح أو يُحْظَر، وإذا كلامنا يُأوَّل على وجهه حينًا وعلى غير وجهه أحيانًا، وإذا تفكيرنا يُتَّهَم، وإذا كل شيء نأتيه مرغوب عنه وكل شيء نأباه مرغوب فيه.

وتمضي الأسابيع والأشهر وإذا الوزارة تستكشف أن هذا السياج الضيق الذي أحاطتنا به وحصرتنا فيه لا يكفي؛ لأن عقولنا لا تزال واسعة أوسع من هذا السياج، وإرادتنا لا تزال قوية أقوى من سلطان الوزارة. فلا بد إذن من أن تضيق العقول، وتضعف الإرادة، وتنحل العزائم! وأي وسيلة أدنى إلى تحقيق هذا من تضييق التعليم ومراقبته والسيطرة الشديدة المحرجة عليه في جميع فروعه وألوانه، وإذن فلتبسط الوزارة سلطانها (وقد فعلت) على التعليم، ولتجمعه كله إليها ولتحصره كله في يدها، ولتضغطه ما وسعها الضغط ولتقبضه ما وجدت إلى قبضه سبيلًا.

هذه مدارس لم يكن لها عليها سلطان، فيجب أن تُظِلَّها بجناحها، وهذه مدارس حرة قد يجد التعليم فيها من السعة ما لا تحب، فلتشرع لها القوانين التي تَرُدُّها إلى حيث تريد هي من الضيق! وهؤلاء أبناء الشعب يقبلون على التعليم أفواجًا، فلتتخذ العدة لمقاومة هذا الإقبال الخطر! وأي شيء أخطر على مثل هذا السلطان الذي لا يريد أن يكون له حد من إقبال الناس على فروع التعليم الراقي؟!

هذا وزير المعارف يعلن في مجلس النواب أن لا بد من تضييق التعليم الثانوي والعالي؛ لأنهما يُخْرِجان لمصر من الشبان المثقفين أكثرَ مما ينبغي. فلنتوسع في التعليم الأوليِّ لنحارب الأمية، ولنتشدد في التعليم الثانوي والعالي لنقلل من عدد العاطلين في ظاهر الأمر، ولنضعف الخطر على السلطان الذي لا حد له في حقيقة الأمر، ولندع التفكير في أن التعليم — على اختلاف ألوانه — حق للناس جميعًا يريدونه متى شاءوا وما استطاعوا أن يريدوه، لا يُقيِّدهم في ذلك إلا الامتحان والقدرة على النهوض بأثقاله.

نعم … ولندع التفكير في أن الرقي الصحيح لأمة من الأمم رهين بانتشار الثقافة الصحيحة الخصبة التي يجدها الشبان في المدارس الثانوية والعالية وفي الجامعة، وأن الخطر المنكر على النظام الاجتماعي والسياسي معًا إنما يأتي من الغلو في نشر التعليم الإلزامي والتقصير في نشر التعليم الراقي؛ لأنه يهيئ في البلاد جيشًا من أنصاف المتعلمين أو أثلاث المتعلمين أو أرباع المتعلمين الذين لا يرون الأشياء كما هي، ولا يُقدِّرونها كما ينبغي أن تُقدَّر. ثم لا يهيئ لهذا الجيش الخطر من المثقفين قادة مهرة يردونه عن الشطط، ويَقُودونه إلى الرقي والخير.

لندع التفكير في هذا كله، فهناك ما هو أهم من هذا كله وأجَلُّ خطرًا، وهو أن يستطيع السلطان الذي لا حد له أن يستغرق كل شيء، ويستأثر بكل شيء، ويوجه الأمة إلى حيث يريد هو، لا إلى حيث تريد آمالها ومنافعها ومُثُلها العليا في الحياة.

كل شيء ضيق من حولنا، وليس الغريب أننا لم نَرْقَ في هذا العصر الذي خضعنا فيه لهذا السلطان، وإنما الغريب أننا لم نتأخر، بل ثبتنا حيث كُنَّا حين أنعم الله علينا بالوزارة القائمة، وليس الغريب أن عقولنا لم تزدد سعة، وأن إرادتنا لم تزدد قوة، وأنَّا لم نَشُقَّ لأنفسنا طرقًا جديدة في العلم والسياسة وغيرهما من فروع الحياة، وإنما الغريب أن عقولنا وإراداتنا ما تزال بحيث كانت من السعة والقوة، وأنا ما زلنا نقاوم ظافرين هذه العوادي المختلفة التي سُلِّطَتْ علينا من كل ناحية، وأخذت علينا كل سبيل.

نعم؛ خير ما يستطيع المصريُّ أن يُقدِّمه لوطنه في هذه الأيام إنما هو الإخلاص في القول والعمل، والصدق في الرأي، والمضاء في العزم، والقوة على المقاومة، والاستعداد لاحتمال المكروه؛ فإن الصراع بيننا وبين الحوادث التي تدهمنا مهما يَطُل أو يَقْصُر فإنما الفوز فيه لصاحب الإرادة القوية، والعزيمة الماضية، والقوة على المقاومة.

وأنا أعاهد الذين سيقرءونني أني سأكون من هذا كله بحيث يُحِبُّون، وما أظن أني أستطيع أن أشكر لهم ترحيبهم بي، وحسن لقائهم لي بأحسن من أن أعطيهم على نفسي هذا العهد.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.