أُلقي الستار وتفرَّق الممثلون الذين كانوا يلعبون قصة العاصفة في نيويورك، وتفرق النظارة أيضًا، وجعل كل منهم يستأنف شيئًا من هذه الحياة الفارغة المريحة؛ ليسترد شيئًا من نشاطه، وليستطيع استئناف النظر إلى الفصل الجديد الذي يتهيَّأ له الممثِّلون، والذي سُيرفع عنه الستار في أول الأسبوع المقبل.

ولعل القرَّاء يثقون الآن بأن أصحاب السياسة، وأصحاب الحرب في الحياة العالمية، لا يستطيعون في هذا الطور من أطوار الحياة الإنسانية إلا أن يمثلوا، فهم قد عملوا حتى أتعبوا أنفسهم وأتبعوا الناس في الأعوام الستة الماضية، وآن لهم أن يريحوا أنفسهم ويريحوا الناس أعوامًا تكثر أو تقل قبل أن يستأنفوا عملًا جديدًا.

وقد قلت في هذا الموضوع غير مرة إن كل ما يحدث في السياسة العالمية الآن ليس إلا تمثيلًا، وأول الحرب كلام، وآخر الحرب كلام أيضًا. فلنقل إن العالم الآن يتكلم ليختم الحرب العالمية الثانية، لا ليبدأ الحرب العالمية الثالثة، فما زال بيننا وبين هذه الحرب الثالثة أمدٌ بعيدٌ، ومن يدري لعله أن يكون أبعد مما نظن ومما يقدِّر المتشائمون. والشيء المهم هو أن الفصل الثاني من قصة العاصفة الإيرانية قد انتهى بسلام، وانتهى كما قدرنا في الأسبوع الماضي أنه سينتهي؛ فقد أعلن الروسيون والإيرانيون أنهم قد وصلوا إلى الاتفاق، واطمأنَّ مجلس الأمن إلى ذلك بعد أن ملأه الخوف وتملَّكه الذعر، وكان من نتائج اطمئنانه أنه أجَّل القصة إلى الشهر المقبل. ولكن علامَ اتفق الروسيون والإيرانيون؟ على شيئين واضحين، وعلى أشياء يكتنفها كثير من الغموض، فأما الشيئان الواضحان فهما أن يجلو الروسيون عن إيران بغير قيد ولا شرط أولًا، وأن تنشأ شركة روسية إيرانية لاستغلال منابع البترول في بعض أجزاء إيران.

فالجلاء شيء واقع لا شك فيه، وهو غير مشروط ولا مُقيَّد، ولكن الاتفاق على إنشاء شركة البترول شيء واقع لا شك فيه أيضًا، وقد تمَّ قبل أن يتحقق الجلاء، وأخص ما تمتاز به السياسة أنها تحب الجمع بين المتناقضات، ولا تضيق بالتناقض كما يضيق به المنطق. فهل كان من الممكن أن يجلو الروسيون عن إيران لو لم يتحقق الاتفاق على إنشاء شركة البترول؟ وفيمَ كان تأخير الجلاء عن موعده في الثامن من شهر مارس إلى الرابع والعشرين من شهر مارس أيضًا! ألم يكن تأخير الجلاء نتيجة لتأخر الاتفاق على إنشاء شركة البترول؟ ألم يكن بدء الجلاء نتيجة لتحقق الاتفاق على إنشاء هذه الشركة؟ وإذن فقد أخذ الروسيون يجلون بغير شرط ولا قيد بعد أن حققوا ما كانوا يريدون من الشروط والقيود.

وقد يعجز المنطق عن فهم هذا التناقض، ولكن السياسة تُسِيغه ولا ترى به بأسًا. وكان البريطانيون والأمريكيون، ومن ورائهم أو من أمامهم مجلس الأمن، يخافون كلَّ الخوف من أن يتم اتفاق بين روسيا وإيران، وأن يكون للضغط الروسي أثرٌ في إتمام هذا الاتفاق. فما ينبغي بعد انتصار الديمقراطية، وتحقق العدل والمساواة بين الشعوب الكبيرة والشعوب الصغيرة أن يتخذ الضغط وسيلة إلى إكراه الشعوب على ما لا تحب؛ فقد اطمأن البريطانيون والأمريكيون، واطمأنَّ معهم مجلس الأمن، على أن روسيا لم تُكْرِه إيران على شيء، ولم تتخذ الضغط وسيلة إلى إتمام الاتفاق على إنشاء شركة البترول، والدليل على ذلك أنها أجَّلت الجلاء ثلاثة أسابيع؛ حتى إذا اطمأنَّت إلى أن شركة البترول ستنشأ من غير شك أخذت في تحقيق الجلاء.

ومهما يكن من شيء فقد ظفرت روسيا بما كانت تريد؛ فهي لم ترد قط أن تحتل إيران، وإنما أرادت أن تؤمن حدودها، وأن تشارك في استغلال البترول الإيراني. وتأمين الحدود لا يكون باحتلال إيران، وإنما يكون بالاتفاق معها، واستغلال البترول لا يستلزم الاحتلال الدائم، وإنما يستلزم الاحتلال إلى أن يتمَّ الاتفاق عليه. ومن أجل ذلك قلنا إن الاتفاق الذي تَمَّ بين روسيا وإيران واضح من بعض جهاته، غامض من جهات أخرى … واضح من حيث الجلاء واستغلال منابع البترول … غامض من حيث تأمين الحدود واستقلال أذربيجان. فماذا تمَّ بين الدولتين في هاتين المسألتين …؟ أهناك اتفاق عسكري بين روسيا وإيران يؤمن روسيا على حدودها؟ أهناك اتفاق على أن تستقل أذربيجان استقلالًا ذاتيًّا؟ أهناك امتيازات أخرى لروسيا لم يذع أمرها في الناس بعدُ؟

هذه هي المسائل الغامضة التي لا تزال تحتاج إلى شيء من التوضيح، ولأجل هذا نستطيع أن نقول إن البريطانيين والأمريكيين ومجلس الأمن مطمئنون قلقون في وقت واحد، وما ينبغي أن تعجب لهذا التناقض، فقد قلت لك إن السياسة لا تحب شيئًا كما تحب التناقض. البريطانيون والأمريكيون ومجلس الأمن مطمئنون؛ لأن الجيوش الروسية تجلو بالفعل عن أرض إيران، ولأن الاتفاق على إنشاء شركة البترول قد تَمَّ في حدود الدستور الإيراني، ولكنهم قلقون؛ لأنهم يخشون أن يكون وراء هذا كله أشياء يجهلونها، وهم لا يريدون أن يجهلوا شيئًا، ولذلك أُجِّلت القصة الإيرانية إلى الشهر المقبل، ولم تُستبعد من جدول الأعمال.

ولم ترضَ روسيا عن هذا الإجراء، فقد يجب أن يظل الباب مُغلقًا أو مفتوحًا، فأما أن يظل شيئًا «بَين» ذلك لا هو بالمغلق ولا بالمفتوح، فهذا هو الأمر الذي لا يُطاق؛ لأنه يضع دولة عظيمة موضع الشك، ويعلق على رأسها سيفًا قد لا يكون قاطعًا وقد لا يكون مخيفًا، ولكن تعليقه مُهِين على كل حال.

وكذلك استطاع الممثلون بين الفصلين أن يُهيِّئوا أنفسهم للفصل الذي سيُرفع عنه الستار في أول الأسبوع المقبل؛ فقد طلبت روسيا استبعاد القصة الإيرانية من جدول الأعمال، ويظهر أن البريطانيين والأمريكيين يأبون ذلك، ولأولئك وهؤلاء علل ومعاذير، ولكن العلة الصحيحة هي أن الحليفين السكسونيين يجمعان بين الاطمئنان والقلق، فيقبلان التأجيل ولا يقبلان الاستبعاد. وأغرب ما في الأمر أن سفير إيران يمانع في الاستبعاد، ويكتفي بالتأجيل مع أنه قد أعلن تمام الاتفاق بين الحكومة الإيرانية والحكومة الروسية. وأشد من هذا غرابة أن يقول ناطق بلسان الحكومة الإيرانية في طهران إن السفير الإيراني لم يصدر في موقفه هذا الجديد عن تعليمات أرسلت إليه من حكومته، وإذن فما زال الأمر مختلطًا، وسيجد مجلس الأمن أمامه مادة حسنة للتمثيل … ستلحُّ روسيا في طلب الاستبعاد، وسيلح الإنجليز والأمريكيون في رفض هذا الطلب. ومن يدري لعل الرفيق جروميكو أن ينسحب من المجلس مرة أخرى.

على أن قصة أخرى تُهَيَّأُ بين الفصلين، وهي ليست أقلَّ غرابة من القصة الإيرانية؛ فقد قررت الديمقراطية المنتصرة أن تمحو الفاشية من كل مكان، وقررت هيئة الأمم المتحدة في لندرة أن النظام القائم في إسبانيا مناقض للديمقراطية، وأن إسبانيا لا تستطيع ما دامت محتفظة بهذا النظام أن تقبل في هيئة الأمم المتحدة. ولكن هناك أممًا تغلو في ديمقراطيتها، وتريد أن تأخذ القرارات الديمقراطية على أنها جد لا لعب. وقد همَّت فرنسا أن تكون من هذه الأمم، فطلبت في كثير من الاعتدال أن تقطع العلاقات السياسية مع الحكومة القائمة في إسبانيا، ولكن طلبها هذا لم يعجب الإنجليز أو الأمريكيين، فطلبت أن يُعْرَضَ الأمر على مجلس الأمن، ولكن طلبها الثاني رُفض كما رُفض طلبها الأول؛ فأقبلت بولندا ومن ورائها روسيا بالطبع تعرض القصة بالفعل على مجلس الأمن، فإذا قُبل طلب بولندا فقد وافقت الديمقراطية نفسها، ومضت بقراراتها إلى غايتها، ولكنها تتدخل في شئون الشعوب المستقلة، وتُعرِّض مصالح اقتصادية خطيرة بعضها إنجليزي وبعضها أمريكي لخطر عظيم، وتؤيد نفوذ الديمقراطية المتطرفة في غرب أوروبا، وتفتح للشيوعية أبوابًا كانت مغلقة، ومفاتيحها بيد الجنرال فرانكو. وإذا رُفض الطلب البولندي، فستغضب روسيا، وستغضب بولندا، وستغضب فرنسا أيضًا، وستناقض الديمقراطية نفسها، وتظهر أنها عابثة لا جادة في محاربة الفاشية.

وكذلك يرى القُرَّاء أن لدى مجلس الأمن ما يشغله ويشغل الناس معه في الجلسات المقبلة التي سيرأسها مندوب مصر. ولا بد للساسة من أن يتكلموا ويشغلوا مسرح السياسة بالحركة والنشاط.

ولا بد للعالم من أن يتفرَّج بالنظر إلى ما يجري على هذا المسرح. وإلى أي حال يصير العالم لو سكت الساسة وسكنوا؛ فلم تجد الإذاعات ما تشغل به الراديو، ولم تجد البرقيات ما تملأ به الصحف، ولم يجد الكُتَّاب ما يطالعون به القُرَّاء.

على أن هناك أشياء تجري على هامش مجلس الأمن تمهيدًا لعرضها على هذا المجلس بطريقة أو بأخرى، فالقصة اليونانية لم تنتهِ بعد أن تمت الانتخابات، ولكن نصف الشعب اليوناني ينكرها، ونصفه الآخر يعرفها، واستقال الوصي على عرش اليونان، ولكن الإنجليز يودُّون لو استبقى وصايته، وأمضيت معاهدة شرق الأردن ولكن الشعوب العربية ليست راضية عن هذه المعاهدة، وستبدأ المفاوضات بين مصر وبريطانيا العظمى، ولكن نتائج هذه المفاوضات قد لا تُرضي المصريين. وقد أخذ الروسيون يُذِيعون أنهم يجلون عن البلاد التي حرروها في آسيا وأوروبا، ويطالبون بأن تجلو بريطانيا وأمريكا عن البلاد التي حررت أو أعانت الحلفاء على الحرب.

وكذلك يبدو الجو السياسي هادئًا كلَّ الهدوء في هذه الأيام، ولكنه الهدوء الذي يسبق العواصف. وهذه العواصف نفسها لا ينبغي أن تُخِيف؛ لأنها لن تعدو أن تكون عواصف كلامية؛ حتى تسترد الشعوب قوتها، وتستريح من أثقال الحرب. والشيء المهم آخر الأمر هو أن مجلس الأمن سيعمل وسيقول، وأن الراديو سينشط وسيذيع، وأن البرق سينتشر في أقطار الجو فيملأ الصحف خلافًا وخصامًا، وسيكتب الكُتَّاب، ويخطب الخطباء في البرلمانات، ويخرج العالم من أزمة ليدخل في أزمة أخرى حتى يقضي الله أمرًا كان مفعولًا، والأمر المفعول الذي ينتظر العالم أن يقضيه الله عز وجل هو أن يتبيَّن خطأ المتنبي حين قال:

والظلم من شيم النفوس فإن تجدْ

ذا عفة فَلِعِلَّةٍ لا يظلمُ

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.