اعتاد جماعة من الكتاب كلما أرادوا مهاجمة شيء من الأشياء أو نظام من النظم أن يجيئوا لمهاجمته من ناحية الدين ولو لم يكن هذا النظام أو الشيء من الدين في شيء، ولم يكفهم من ذلك أن يتهموا الداعي إلى النظام الجديد، بأنه أتى في الدين بدعة أو حبب شيئًا مكروهًا، بل هم لا يقصرون دون رميه بالإلحاد، والإلحاد كما يدل عليه ظاهر لفظه هو الإنكار، والملحد هو منكر الأديان جميعًا، فكيف يسوغ عقل أو منطق أن يُرمى رجل في عقيدته لو لم يتكلم عن العقيدة في شيء؟ ولو لم يتناول الدين أو أصلًا من أصوله بل فرعًا من فروعه بالبحث، ولو هو وقف عند مسائل بعيدة عن الدين وهي من أمور الدنيا البحتة التي قال فيها النبي — عليه السلام: «أنتم أعلم بأمور دنياكم».

فهذا رجل يدعو إلى تغيير زي اللباس فهو ملحد، وهذا آخر يدعو إلى استحداث كلمات في اللغة فهو ملحد، وهذا ثالث يريد الاستفادة بمنشآت الغرب فهو ملحد، وهلم جرًّا مما لا يقف عند حد من الحدود، فما شأن تغيير الزي، أو استحداث كلمة أو كلمات في اللغة، أو الكتابة بأسلوب غير الذي ألف السلف الكتابة به، وما شأن الاستمتاع بمنشئات حضارة الغرب بالدين وبالعقيدة؟! أليس في الهند وفي الصين وفي جاوة، وفي أوربا نفسها مسلمون شديدو الحرص على دينهم، وعلى عقيدتهم وهم يلبسون غير زينا، ويتكلمون بغير لغتنا، ويعيشون على غير طريقة عيشنا؟ وهؤلاء لا يقول أحد من الناس: إنهم ملحدون، أو إن في عقيدتهم زيفًا وفي قلوبهم مرضًا، بل هم على العكس من ذلك موضع إجلالنا واحترامنا جميعًا، فكيف يكون ذلك الشأن وهم يلبسون اللباس الذي يتهم الداعي إلى زي مثله في مصر بالإلحاد، وهم يستمتعون أتم استمتاع بحضارة يتهم الداعي إلى الاستمتاع في مصر بآثارها بالإلحاد؛ وهم يكتبون لغة غير العربية، فإذا كتب العربية منهم كاتب لم ير ضررًا ما في استحداث كلمة من لغة بلاده، أو لغة بلاد أخرى إذا لم يجد في عربيته ما يسع هذه الكلمة؟ أليس هذا قاطعًا في الدلالة على أن مسائل الأزياء واللغة والحضارة، وما تخضع له من تطورات لا علاقة لها بالعقيدة التي يؤمن بها الرجل، فلا محل لذلك لاتهامه في عقيدته بسببها؟! أوليس هو كذلك قاطعًا في الدلالة على أن الذين يلجئون إلى اتهام مخالفيهم بالإلحاد كلما رأوا غير رأيهم في مسائل لا صلة لها بالعقيدة ولا بالإيمان، إنما يتخذون من هذه الكلمة صيحة حرب يريدون بها الغلب أمام الجماهير، وإن كان أكثرهم يعتقد أنه إذ يقولها لا يعبر عن الحقيقة ولا عن شيء يقرب منها.

على أن الاتهام بالإلحاد حتى في بعض مسائل تمس الدين يبدو هو الآخر، وليس فيه أكثر من صيحة حرب يقصد بها الظهور بالغلب أمام الجماهير إذا نحن ذكرنا الكثيرين من الأئمة وذوي الرأي المعتبر في الدين من السلف الصالح، وهذا الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده قد رُمِيَ أثناء حياته بالإلحاد، وأُفتي بكفره، واستُحل دمه أو كاد يُستحل، وما أدري ماذا يقول بعضهم حين يرى الإصلاح والتجديد اللذين يقوم بهما فضيلة الأستاذ الأكبر شيخ الجامع الأزهر، وما أستبعد أن يحسب بعضهم أن نقل «الخِزن» من الأزهر ظاهرة من ظواهر الإلحاد، وأن تعليم العلوم الحديثة والتربية على الطرائق العلمية الحديثة بعض ظواهر الإلحاد؛ ذلك أن هذا البعض لا يؤمن بشيء مما يقول عن الإلحاد أكثر من أنها كلمة مثيرة تلفت نظر الجماهير بشيء من الريبة إزاء من تُوجه إليه.

ولقد تعجب حين تذكر أن رجلًا كالشيخ رشيد رضا مثلًا كان متصلًا اتصال تلمذة واتصال رزق بالمغفور له الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده حين كان رحمه الله يُرمى بالزندقة والكفر والإلحاد، لا يتعفف هو عن أن يرمي الناس بالإلحاد! وكأنما لم يجد لنفسه في الماضي عظة ودرسًا يجعلانه يقصد في إلقاء مثل هذه التهمة الزائفة أو كأنه قد شعر يوم كان يُرمى بها حقًّا أو باطلًا، بما تجني عليه في مصالحه وفي رزقه فحسب أنه ينال من أشخاص خصومه إذا هو رماهم بها، فأعلنها عليهم حربًا يرمي بها المؤمن، والمسلم، والمسيحي، وغير هؤلاء وأولئك بغير حساب.

هذا على أن الإلحاد لا علاقة له بهذه الشئون التي يتشدق باسمه فيها من يرمون به غيرهم يريدون أن يحاربوهم باسم الدين والخروج عليه، فما نعرف — كما قدمنا — أن للإيمان، والإلحاد علاقة بزي اللباس، وألفاظ اللغة، ونوع الحضارة التي تحياها أمة من الأمم، بل إن بين كل أمة أيًّا كان زيها ولغتها وحضارتها مؤمنين وملحدين في عقيدتهم؛ ذلك بأن الإلحاد قديم في العالم كالإيمان، وفي مصر الفراعنة كان هناك ملحدون ومؤمنون، وفي اليونان والعرب كما في أوربا اليوم مؤمنون وملحدون، ومن المؤمنين من ينادي بتجديد الأزياء والأساليب وصور الحضارة من غير أن يؤثر ذلك في إيمانهم بشيء، ومن الملحدين محافظون لا يريدون أن يتغير في اللغة حرف، وأن تبقى الأزياء كما كانت من قرون وقرون، وأن تعود الحضارة القديمة؛ لأنها كانت تسمح للناس من ورد السعادة بما لا تسمح لهم به هذه الحضارة التي تحكمنا اليوم، بل تدس هذه الحضارة فيه سمومًا مؤذية قتالة!

فأنت إذا أردت أن تبحث عن إيمان الرجل أو إلحاده فابحث عنه في عقيدته التي يدين بها، وفي مظاهر هذه العقيدة وفي دعوته إليها، ولقد نرى ملحدين بين أشد الناس حرصًا على أن لا يتجدد في الحياة ولا في الوجود كله شيء، كما أنك ترى المؤمنين بين دعاة النهضة والتجديد في كل صور الحياة.

بل أراني لا أغلو إذا قلت: إن التجديد أقرب إلى الإيمان منه إلى الإلحاد، وهو كذلك في الإسلام بنوع خاص، فالحديث يجري بأن العلم فرض على كل مسلم ومسلمة، والعلم يقتضي البحث عما لا نعرفه، وكيف نصل إلى معرفته، وكلما وصلنا إلى الكشف عما لا نعرف كان ذلك جديدًا يدعونا إلى متابعة البحث للوقوف على جديد غيره، والقرآن يدعونا في مواضع كثيرة جدًّا منه إلى النظر في خلق الله، وهذا النظر يزداد تبحرًا وتعمقًا وسعةً مما نقف عليه من نظر أسلافنا وبما يُسلحنا به العلم من أدوات تجعلنا نكشف عما لم نكن نستطيع الكشف عنه من قبل، وكم من أشياءَ وموجوداتٍ كشفها لنا التلسكوب والميكروسكوب لم تكن معروفة في الماضي، وكل كشف جديد يدعو إلى تجديد في الحضارة وفي اللغة وفي طرائق الحياة وأساليبها، فالدين الذي يدعو إلى النظر يدعو في نفس الوقت إلى التجديد، وإلى التجديد في كل شيء مما يقع تحت النظر أو يحيط به الحس، والدين، واللغة، والحضارة وكل ما في الوجود مما يقع الحس عليه هو موضع نظر كل إنسان ذي بصيرة.

ولعل أشد الناس مناداة بصيحة الحرب ضد التجديد وقرن الإلحاد إلى صيحتهم جماعة من إخواننا الكتَّاب يحسبون النقد موجهًا إلى أسلوبهم الكتابي؛ لأنهم يلجئون إلى استظهار أساليب الأقدمين لا في ألفاظها وتراكيبها وكفى، بل في مجازاتها واستعاراتها وفي وقوفها على الأطلال وبكائها الديار وحدائها الإبل، وذكرها الهودج والصحاري وكثبان الرمل، وفي ألوان غزلها ولهوها ومجونها! يوجه النقد إلى هؤلاء ويرى الذين ينتقدونهم أن خير الأساليب ما تجاوب مع الحياة المحيطة بالإنسان، وما أدى الصور والمعاني التي يراها، ويشعر بها، ويتخيلها مما يرى، ويشعر، ويجول بخاطره وبفكره كأثر للحاضر المحيط به، فبربك ما شأن هذا النقد بالعقيدة والإيمان؟! ولِمَ يكون الذي يوجهه ملحدًا غير مؤمن؟! ولِمَ يكون المحافظ على القديم الملح في محافظته عليه مؤمنًا غير ملحد؟! أولم يكن بين كتاب العرب وشعرائهم نصارى ويهود وملحدون ينكرون الأديان كما كان بينهم المسلمون ومن صح إيمانهم وثبتت تقواهم؟! فلم لا يكون الدعاة إلى الوقوف عند القديم من أساليب اللغة، وألفاظها من هؤلاء الملحدين؟! ولم لا يكونون أشد منهم في الإلحاد إلحاحًا؟! كما أنهم قد يكونون كذلك مؤمنين ذوي ورع وتُقى.

من الخلط غير اللائق برجل يمسك القلم ويدعي لنفسه التفكير والتخيل، أن يلجأ إلى هذا النوع السقيم من المنطق، لقد نفهم أن يقول أنصار الأساليب والأخيلة القديمة والعائشين ما يزالون بين كثبان الرمل والذين لا يعرفون أن شيئًا اسمه الوابور، أو الأتوموبيل، أو الطياة قد اخترع، أن كل مسايرة للمدنية الغربية فيها باللغة وبأساليبها إضرار لكيت وكيت من الأسباب التي يسردونها، لكن ذلك شيء والإلحاد شيء آخر، فإذا هم وقفوا عند هذا النوع من المنطق وجدوا من ينازلهم الحجة بالحجة والدليل بالدليل.

وما نحسب أحدًا من هؤلاء الذين يدعون لأنفسهم أنهم أنصار القديم، وبأنهم خصوم كل تجديد في اللغة أو في الأسلوب يؤمن حقيقة بهذا الذي يدعيه، فالحياة دائمة التجدد في كل مظهر من مظاهرها وفي كل ناحية من نواحيها، أتراك إذا عدت إلى تاريخ حياتك منذ نشأتك حتى اليوم الذي أنت فيه ألا ترى أن حياتك تتجدد صورة بعد صورة ومظهرًا بعد مظهر، أفأنت تقيم اليوم في المنزل الذي كنت تقيم من قبل فيه، وإن كان المنزل هو إياه، أفلم يتغير شيء من عمارته ولا في أثاثه؟! وإن كنت شابًّا ثم تزوجت فكان ذلك في حياتك جديدًا، ثم كان لك ذرية رأيتهم يكبرون بعينك وعنايتك رويدًا رويدًا وهم كلما كبروا جدَّد ذلك في حياتك وزاد عليها أو نقص من بعض جوانبها ليزيد في البعض الآخر وأنت ما تزال كذلك طوال المدة التي تعيش فيها، وأنت بعد لست إلا فردًا محدود الحياة في دائرة ضيقة من الزمن، فما بالك بما يطرأ على حياة الأمة في مختلف نواحيها من تجدد، واللغة ليست إلا ظاهرة من ظواهر حياة الأمم، هي التي تعبر عن حياتهم، وما فيها من علم، وفن، وشعور، وإحساس، وهي التي تتناول صور معيشتهم اليومية، وبما أن هذه الصور تتطور بما ينشئ العلم، والتجارب فيها، فإن اللغة نفسها تتطور بهذا المقدار في العلم نفسه، وبأكثر من هذا المقدار في الشعر والأدب، والذين يسمون أنفسهم أنصار القديم يحسون هذا في كتاباتهم هم؛ لكنهم مع هذا يترددون في متابعة التطور في سرعة سيره فيقفون في وسط الطريق لا هم إلى القدماء الذين يريدون أن يحتذوا وهم يمثلون الحياة المحيطة بهم، ويعبرون عنها تعبيرًا صادقًا، فهم لذلك يثورون ويحاربون الذين ينبهون غيرهم إلى موقفهم، وهم يتخذون من الرمي بالإلحاد وسيلة لهذه الحرب، وإن كانوا يعلمون أن التجديد والإلحاد لا صلة بينهما.

وبعد، فما نفع الكلام في القديم والجديد في الأسلوب، واللغة ووفرة ألفاظها ليس من شأنها أن تؤدي بالكاتب حتمًا ليكون كاتبًا مجيدًا، كما أن بعض الكتاب المجيدين قد يكون معجمهم من اللغة التي يكتبون بها غير مترامي الأطراف، وهذا بيير لوتي الكاتب الفرنسي المعروف في مصر بما كتب عن مصر، والمعدود في فرنسا من أئمة كتابها، وبخاصة في الوصف الذي يخيل لك أنه أحوج من غيره إلى الألفاظ الكثيرة، ما تكاد تقرأ كتبه حتى تعجب لسهولة لفظه ووضوح بيانه، فإذا أنت رجعت إلى ما كتب النقاد عنه رأيتهم جميعًا متفقين على أنه كان قليل الثروة من ألفاظ اللغة، ولكنه كان يخلع من روحه على هذه الثروة اللفظية القليلة قوة تجعلها أكثر إبانة، وأبلغ عبارة، وأجمل اتساقًا وأشجى موسيقى من كثير غيره من الكتاب الذين لا حد لهم ولا حصر لثروتهم اللفظية، وموباسان مثل لوتي، وأنت إذا رجعت إلى كتاب كليلة ودمنة أو إلى الأغاني في كتب أدب العرب، وجدت أسلوب النثر فيهما خلوًا من كل غريب من اللفظ، وهو مع ذلك آية في السهولة والجودة، ودقة التركيب، وحسن الأداء، فيها ترى صورة صادقة للكاتب الذي حررها والعصر الذي كتبت فيه، وهاتان هما الميزة الصحيحة للكاتب المجيد، فهو مجيد ما رأيت له صورة صادقة في أسلوب سهل جيد دقيق التركيب حسن الأداء يعبر تعبيرًا صادقًا عن عصره، ولعلك واجد اليوم أكثر من كاتب من هذا الطراز بين كتابنا، بل لعلك تقع فيما يكتب الكتاب الذين يسمون أنفسهم أنصار القديم على صور صادقة للكاتب المجيد، ولو أنهم استطاعوا أن يقفوا من أنفسهم موقف النقاد، وأن يعرفوا مواضع القوة، ومواضع الضعف من كتابتهم لمهد لهم ذلك السبيل إلى السمو فوق هذه المنازعات بين القديم والجديد؛ لينتجوا مثل هذا الذي بلغ مبلغ الجيد الصحيح مما كتبوا، وأنهم إذن ليكونون بذلك أكثر إفادة لبني جنسهم وأكثر عملًا لإقامة ما هم جديرون به من مجد.

لكن كثيرين لا يستطيعون هذا؛ لأنهم يريدون أن يروا حولهم جمهورًا يصفق لهم ويشكون في أن يجدوا هذا الجمهور المعجب الضعيف أمام الجيد الصالح مما يكتبون، فهم لذلك يشنون الغارة باسم الإلحاد تارة، وباسم المحافظة على اللغة طورًا، والله حافظ دينه من غير حاجة إلى نضال لا طائل تحته، ولم تفسد لغة من اللغات لأن كاتبًا أو جماعة من الكتاب عجزوا عن أن يصلوا إلى مكان الإجادة فيها فأرادوا ستر عجزهم بادعاء الدفاع عنها أو التجديد فيها، إنما تحيا اللغات وتغذى بالآثار القيمة الصالحة التي يلهمها محبو الفن في الأدب فيكتبونها تعشقًا منهم لها، لا يعنون حين يكتبونها بالقديم ولا بالجديد؛ ولكنهم إذ يفرغون منها وينشرونها للناس يرى الناس فيها شخصيتهم واضحة بارزة، ويرون صورة العصر الذي كتبت فيه مصورة أجمل تصوير، ويرون هذا الأثر بذلك جديرًا بالمجد والبقاء؛ لأنه دليل قوة إنسانية ممتازة وصورة صادقة لعصر من عصور حياة أمة من الأمم، أو من حياة الإنسانية جمعاء ولو في إحدى نواحي هذه الحياة.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.