يظهر أن مجلة «ساترداي ريفيو» قيثارة مضياف لكل قلم شغوف بالقيود، ولقد كنا في حاجة إلى متسع من الوقت لندرك هذا الأمر، وربما كان هذا البطء في الإدراك من ناحيتنا في جملة الأسباب التي تحسبها تلك المجلة وبعض مراسليها موجبة «لتكميم الصحافة في مصر»، على أن هذا البطء في الواقع صادر عن حسن ظننا بحرية الفكر وبمبلغ تقديرها عند كتَّاب الإنجليز، ونعترف بأن هذا الظن الحسن لم يغض منه ما أسمعتنا إياه تلك المجلة الإنجليزية من التغني السقيم بكتم الأنفاس.

عندما يصدر مثل هذا الكلام عن رجال مفروض أنهم مثقفون، ومفروض أنهم يفهمون معنى الحرية الفكرية بخاصة لأنهم إنجليز — لا يسعنا إلا أن نذكر حكاية جحا الذي اضطر إلى التخلي عن منزل كان قيِّمًا عليه، فترك فيه مسمارًا وأخذ يستبيح لنفسه إزعاج الساكنين في أية ساعات النهار والليل بحجة تفقُّد مسماره العزيز.

والظاهر أن مسمار «الساترداي ريفيو» ومسمار المستر هنت في هذه الأيام هو الفلَّاح المصري، لقد عشق أولئك الكتَّاب جماعة الفلاحين، وتعهدوا أمام ضميرهم وأمام الله أن يأخذوا بناصر الفلاحين، ونسوا أعمالهم الخصوصية في سبيل العناية بشئون الفلاحين: ماذا يأكل الفلاحون في مصر؟ وماذا يشربون؟ وأي الأقمشة يلبسون؟ وعلى أية طريقة هم يفكرون؟ وفي أية ساعة يستيقظون من نومهم؟

أيقرأ الفلاحون حقيقة؟ إذن فليقدم المستر ريد الدليل على أن الفلاح العادي يستطيع القراءة! ولو استطاع الفلاح القراءة فمن ذا الذي يثبت أنه أمين على قواعد اللغة؟ أيقرأ الفلاحون فلا يلحنون؟ ألا يتفق لأحدهم أن ينصب فاعلًا ويرفع مفعولًا به؟ إذن لا بد من «تكميم الصحافة» حرصًا على قواعد اللغة العربية.

أجل، لو هم نادوا «بتكميم الصحافة» لأن الفلاح يلحن، لما كانت حجتهم أوهى من حجة وجوب التكميم لأن الفلاح لا يقرأ.

… كأنما إحدى طوائف الشعب إنْ هي لم تقرأ إلا على طريقتها، كان ذلك موجبًا لحرمان سائر الطوائف الأخرى من التحبير والتعبير والاطلاع! وكأنما أقدر وسيلة في نشر المعرفة ليست هي حرية الصحافة!

كنا نود أن نسأل المستر هنت علامَ جنابه لا يطالب بكَمِّ الصحافة الإنجليزية ولو قليلًا، ما دام إلى اليوم عدد من أبناء وطنه لا يُحسِنون القراءة والكتابة؟ وخلال الأعوام الطويلة السالفة يوم كان التعليم في إنجلترا أقل انتشارًا وكان عدد الأميين أكبر، أكانت الصحافة الإنجليزية أسيرة «التكميم» بمقدار يتوافق وعدد الأميين في بلادها؟

وكنا نود أن نسأله ما إذا كانت إنجلترا التي تفاخر بحق شاعرها العظيم «ملتين» مثلًا، تفاخر كذلك لأن ذلك الشاعر باع «فردوسه المفقود» بخمسة جنيهات للناشر؟ أم هي تأسف لذلك الحادث وترى فيه دليلًا على الافتقار إلى تقدير الشيء الجميل النفيس؟ وإن فاخرت اليوم، أفلا تفاخر بالصحافة التي بلغت من الكفاية والمقدرة ما جعلها إداة لإذاعة فضل ذلك الأثر البديع في الجمهور، وحمله على العناية به وقدره والاستفادة منه في حيز المستطاع؟

أليست الشعوب بادئ ذي بدء تحسب بأقليتها حتى وبأفرادها؟ أوليس الفرد الواحد هو الذي يرسل الصوت شائعًا بين الأقلية المستعدة لتفهُّمه وقبوله وتأييده، فيتم بذلك تمهيد السبيل للجماهير؟ وهل «تكميم الصحافة» إلا إيقاف للجماهير حيث هي، وخنق للأقليات وشل لصوت الفرد؟

فأي ذنب رهيب جنينا، يا إله الإنجليز وغير الإنجليز على السواء، ليرغب المستر هنت وقيثارته الموقوتة في القضاء على كل صوت في مصر، وعلى كل رِكْز؟

قلت إن المستر هنت انقلب شاعرًا، وأزيد أن في نشيده الغنائي عن «تكميم الصحافة» تَمُرُّ شتى المعاني من «أداة الغيرة»، إلى «طلب الوظائف»، إلى «هدم الحكومات السابقة»، إلى «اغتيال السير لي ستاك باشا» (هنا أصبح النشيد الغنائي مفجعًا)، إلى «إثارة المشاغبات العديدة وإضراب الطلبة».

فما هذه السفسطة!

لقد مر على إنجلترا وقت كانت فيه جماعة النساء المجاهدات(Militant Feminists) تقذف القنابل على الرجال الرسميين وعلى الأبنية الأثرية، وتحاول إضرام النار وتدمير الصروح، وتثير المشاغبات في الأندية العامة، وتضرب عن تناول الطعام في السجون، أَفَقامت حكومة إنجلترا — وكانت وقتئذٍ من غير حزب العمال — تنسب تلك الفظائع إلى الصحافة؟

هل سنَّتْ حكومة إنجلترا يومئذٍ قانونًا «لتكميم الصحافة» عمومًا، أو على الأقل الصحافة المؤيدة لأولئك النسوة، والصحافة النسوية الناطقة بلسان أولئك «المجاهدات»؟

للمجرم بقلمه أو بعلمه دوائر بوليسية وقضائية تعنى به، أفلا يرضى المستر هنت بكل ما في قانون العقوبات بمصر من التوسع والإحاطة والشدة؟

وإذا أَبَى المستر هنت إلا أن تكون المعرفة مقياسًا للتكميم تحتَّمَ إيراد هذه الملاحظة: لو أراد جنابه أن يطَّلِع على ما تعلِّق به الصحافة المصرية على مقاله لاحتاج إلى مترجم، ونضرب هنا صفحًا عن البحث في مقدرة المترجمين، وهل هم متساوون في أمانة التعبير. أما هؤلاء الكتَّاب في مصر، الذي جاز عليهم التكميم في نظره، فإن طائفة منهم تقرأ كتاباته وكتابات غيره من قومه مباشرة دون مترجم؛ ولو هم شاءوا أن يردُّوا على تلك الكتابات باللغة الإنجليزية لاستطاعوا …

فأي الصحافتين إذن تكون خليقة بالتكميم الذي يطلبه مستر هنت للذين لا يعرفون؟

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.