يخيل إليَّ — مما أقرأه في بعض الرسائل التي أتلقاها — أني مطالَب بإصلاح هذا الكون المرزوء! لا لأني قادر على ذلك، وكفؤ له، بل لأن سوء الحظ قضى بأن أكون رجلًا كاتبًا. وكيف تكون في الدنيا رزايا وبلايا ولا أعالجها بقلمي؟ وكيف أغضي عن المرض والفقر والجهل، وأروح أتكلَّف ما لا أزال أتكلفه من العناء الباطل منذ أربعين عامًا، فمن قصص سخيفة، إلى روايات لا قيمة لها ولا انتفاع بها، ومن دراسات وبحوث أدبية لا طائل تحتها، إلى غير ذلك مما لا يغير ما بالدنيا، أو على الأقل ما بمصر.

وما أظن إلا أن غيري من أدباء جيلنا قد تلقى أمثال هذه الرسائل الساخطة الناقمة، المتسائلة عن هذه الأدب ما خيره وما فائدته؟ وأحب أن أؤكد لكُتَّاب هذه الرسـائل أنها تسرني ولا تسوءني؛ فإني أستطيع أن أدرك أن أصحابها يمضهم، ويقض مضاجهم ما في الدنيا من أسواء، وصحيح أن هذه الأسواء ليست بنت اليوم، وأن الدنيا ما خَلَتْ قَطُّ من أمثالها، وأكبر الظن أنها لن تخلو منها، ولكن سخط الساخطين يكشف عن إدراك صحيح، وشعور كريم، وفي الكتابة به إليَّ وإلى إخواني — وإن كان لا ذنب لنا — تنفيس وتسرية وترفيه عن أعصاب هؤلاء الكرام البررة، ثم إن النقمة والسخط أقوى ما يستحث الناس على طلب الإصلاح والسعي له ومعالجته.

إني أحب أن أقول كلمة أو كلمات وجيزة لحضرات الغيورين الساخطين لا على سوء الحال بل علينا نحن معشر الأدباء والكُتَّاب. وأول ما أود أن أقوله هو أن الواحد مِنَّا مسكين والله، بل مسكين المساكين، وتصور أن يقضي إنسان عمره معلَّقًا بساقية لا ينفك يدور حولها، فإذا وني أو فتر أو كَلَّ، صاح به الموكَّل بالساقية «عا» إذا آثر الترفُّق، أو ألهب ظهره بالعصي أو بالسوط ليستأنف الدوران، ولا شك أن كل إنسان له ساقية هو مشدود إليها، ولكنَّ هناك فرقًا بين ثور وثور.

وما الفائدة بين كل هذا العناء أو التدويخ؟ لا أدري، وليس في وسعي أن أهتدي إلى حكمة يستطيع عقلي القاصر أن يطمئنَّ إليها ويسكن، وما أرى أن غيري أدرى وأهدى، ولعل من العزاء لنا في عنائنا وجهلنا أن كرتنا الأرضية كلها دائخة مثلنا، في دورانها الدائم حول الشمس وحول نفسها أيضًا، وليست بالوحيدة أيضًا، فما قيمتنا نحن وما نحن إلا هباء على سطح هذه الكرة الدائخة؟

ويضحكني في هذا المقام أن بعض المحبين كتب إليَّ يهنئني بأن صار لي — بعد أربعين سنة من الجهد والنصب — «دارة» أو فيللا! وإنه لمشكور على تهنئته، ولكني أرجو أن يضيف فضلًا إلى فضله فيدلني على مكانها! ولست بشاكٍ أو متذمر؛ فإن المال «غادٍ ورائح» أو هو هكذا عندي، وحسبي من دنياي القوت الذي يقيم الأود، والمسكن الواقي، والملبس الساتر، والقدرة على مواصلة الكدح. وسأظل فقيرًا إلى الله مغتبطًا بفقري إلى ربي، وغنيًّا عن الناس، لا بالمال، فما له عندي قيمة، بل بالصبر والقناعة بالستر.

وأقول بعد ذلك إن الفقر والمرض والجهل آفات مزمنة في دنيانا هذه، ولعل أشقى الأشقياء هم الذين يعرفون مبلغ جهلهم وضعفهم، والذين يؤتون من الرزق الكفاية المهدَّدة بالنقص عن حدها. ألم يَقُلِ المتنبي إن الحياة إنما تصفو للجاهل والغافل، والقادر على مغالطة نفسه في الحقائق؟ أما الذي يعلم شيئًا، ويدرك أنه غابت — وستظل غائبة — عنه أشياء، والذي يتعب جسمه في مراد نفسه، والذي يسعى وهو مشفق ولا يزال دهره بين توفيق مرة وإخفاق مرات؛ فهذا هو الشقي بلا مراء.

وليس ذنبي أو ذنب إخواني وزملائي أنَّا كُتَّاب، حتى نطالب بإصلاح الكون الذي لا يبدو له وجه صلاح، إن مطالبة الأديب بعلاج الفقر والمرض والجهل ليس لها مؤدَّى إلا أن يكون نائحة وندَّابة، وما جدوي الندب ولطم الخدود؟ ومن ذا الذي يجهل بلاء هذه البلايا؟ من ذا الذي يخفى عليه سوء حال السواد الأعظم من الناس في كل بلد، لا في مصر وحدها؟ والكتابة في هذا نُواحٌ لا أكثر ولا أقل، وأظن أن الساخطين علينا يسعهم أن ينوحوا كما يشاءون، إذا طاب لهم ذلك، ولا حاجة بهم إلي تكليفنا النواح لهم والندب من أجل أنهم يشترون المجلة التي نكتب فيها بقرشين، وما أرخصنا إذا فعلنا! إن من يكتبون لأخبار اليوم مثلًا كثيرون، وثمنها قرشان، فكل كاتب ينوح ويندب بماذا؟ بمليم؟ خير من ذلك أن نهجر الأدب وأن ننقلب نواحين محترفين؛ فإن هذا علي قلة جدواه أربح، ولا بأس أحيانًا من أن يخسر المرء عقله ليكسب مالًا.

ويعيبنا الساخطون بأننا نكتب «سخافات» ولست أرى هذا عيبًا، فإنه هو الطبيعي، والذي لا معدى عنه، على الأقل أحيانًا، فليس أحد بمعصوم، وكل إنسان يعتريه الفتور والضعف والكلال ويحسن السيرة ويسيئها، ويصدر عنه الطيب والقبيح، وهو في أدبه — إذا كان أديبًا — يحلق أحيانًا، ويسف أحيانًا أخرى وليس بإنسان من يسلم من النقص والقصور والضعف.

والميزان الصحيح هو أن تجعل أمامك الكفتين، واحدة فيها الحسنات وواحدة فيها السيئات — في كل شيء لا في الأدب وحده — فإذا رجحت الحسنات؛ كان المرء إنسانًا أو أديبًا فاضلًا، وإذا رجحت السيئات وشالت الحسنات جاز لك أن تحكم عليه لا له، وليس الأدب إلا فرعًا من شجرة الحياة، وقد أحسن ابن الرومي كل الإحسان حين قال:

على أن الأدب شيء، والإصلاح الاجتماعي شيء آخر مختلف جدًّا، ومن العبث والإفساد أن تكلف الأديب أن يتولى عملًا من أعمال الإصلاح، وليس من المعقول أن تطالب النجار أن يكون حدادًا، أو المهندس أن يكون طبيبًا، وليس للأدب غاية خاصة، وهو إذا خدم المجتمع فإنما يفعل ذلك من طريق غير مباشر، أي بتفتيح العيون وإيقاظ القلوب وتنبيه العقول ولو بإزعاجها، وتثقيف النفوس بوسائله الخاصة، لا بالنواح ولا بالوعظ وما يجري هذا المجرى؛ ومن هنا صح قول من قال إن كل نهضة قومية قد سبقتهـا نهضة أدبية، وإن غير هذا الترتيب مستحيل، والنهضة الأدبية مستحيلة أيضًا إذا فرضت على الأدب وجهة خاصة وألزمتها طريقًا معينًا.

وفي هذا القدر اليوم كفاية.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.