هذا اليوم الأول من أسبوع جديد، ومن شهر جديد، ومن عام جديد جميعًا، على أن ليس ثمة أيُّ فرق خاص بين هذا اليوم وبين سائر الأيام الأخرى، ما سبق منها وما هو لاحق، ولا هو محتوم أن يتبدل في حياة الفرد الواحد منا، أو في حياة هذا الناس، أو في أي أنحاء الكون شيءٌ معين بمجرد الانتقال من عام إلى عام. كل ما في الوجود متتابع، متناسج، متماسك سواء أأطلقنا عليه اسمًا ورقمًا، أم أهملناه غفلًا من التعريف والتحديد.

فعلامَ اهتمامنا بهذا اليوم وبالأيام المؤدية إليه؟ علامَ كل هذه الحفاوة بالموسم السنوي، وكل هذه التهانئ والتمنيات والزينات والحفلات، علامَ نجعل في هذه الأيام وداعًا ولقاء وانتهاء وابتداء؟ علامَ نتخيل لها روحًا رضية خاشعة نعكف على تفهُّمها وتذوُّقها، وننسب لها الابتسامة البطيئة الرقيقة المؤثرة، كابتسامة كل مَن وقف على مكنون الأسرار؟

علامَ يُخيَّل إلينا أن هذه المدة من العام تمثِّل قلبًا كبيرًا أضناه التكتُّم والانعكاف على ذاته، فانبرى يختار بين هذه البرايا الشيء أو الشخص الذي يعرف لغته السرية ليبوح له بخفاياه، ويكشف أمامه عن جراحه الدامي منها والملتئم؟

علامَ ننقلب في هذا الموسم أطفالًا في أحزاننا، وفي أفراحنا، وفي أشوقنا، وفي ذكرياتنا؟ حتى أبعدُنا عن الاستسلام للتأثر، وأجمدُنا حيال دبيب العاطفة، يشعر برعدة الوداع وبوحشة الفراق، بنفحة من الحنان ويتوق إلى الصلاح، ويسمع نغمًا يبدأ في أواخر العام نائحًا مستعبرًا شجيًّا، يقطعه بين حين وحين شهيق اليأس، لينقلب في أول العام الجديد نشيدَ ابتهاج وأمل وتطريب؟

***

ما السنة الوحيدة إلا الوقت الذي تقتضيه الأرض في إتمام دورتها حول الشمس.

نحن نعجب بالآلات التي تحملنا وأمتعتنا متنقلة بنا من مكان إلى مكان، من أننا في نومنا ويقظتنا، في علمنا وفي فراغنا، في حياتنا وفي موتنا، نركب أعظم وأفخم طائرة ممكنة، وما تلك الطائرة العجيبة إلا هذه الأرض التي تجري بقطبيها وبحارها وصحاريها ورياضها وجبالها، وبشتى شعوبها وأجناسها وحيوانها ونباتها — تجري إلى أين؟

نحن ندري من أين تقوم الطائرة الصغيرة وإلى أين تبغي، وندري في أية محطة تتحرك القطارات وإلى أية المحطات تنتهي، وندري من أي المرافئ تقلع السفن وفي أي المرافئ ترسو، أما أرضنا هذه فليس من يدري من أين هي مقبلة وإلى أين تسعى.

نحن نعجب بالكواكب التي توشِّي رداء الظلام، ونشكر للشمس أشعتها التي ندين لها بالحياة، ونساجل وجه البدر الحلو الكئيب إذ نحسبه رسولًا من الأعالي جاء يشيع الإشراق في ليالينا، ويسامر العاشقين والشعراء والمحزونين، ويظن عندما نناجي الأجرام السماوية «أننا نرفع نفوسنا إلى ما فوق الأرض»، ناسين أن أرضنا كوكب تلمع في الأفق لمعان المريخ أو الزهرة أو المشتري، لكأن ما يقال هنا شعر وخيال وأوهام، ولكنه نثر الواقع المحسوس، شأن الكلام عن القطار الذي يقوم من القاهرة مثلًا ووجهته الإسكندرية أو القنطرة أو أسوان، ولكن أين سرعة القطار من سرعة سيارة الأرض.

تسير الأرض في الفضاء بسرعة سبعين ألف كيلومتر في الساعة! الشمس التي نراها مشرفة في أفقنا تستجرنا نحن الأرض وسائر المنظومة الشمسية حثيثًا في مجهول الآفاق، طائفة بنا في فلوات اللانهاية. ناموس الحركة الكونية الذي لا يهادن ولا يرحم يسوقنا نحو كوكبة هرقل، على مقربة من المجرة التي تبدو منبسطة رحيبة في عقيق السماء، بسرعة تظهر حيالها كل سرعة حققتها آلات الإنسان كألعاب الأطفال.

نطوي كل دقيقة واحدة ما يزيد على الألف وعشرة كيلومترات، وكل ٢٤ ساعة تنقضي تكون قد قذفت بنا مسافة مليون وستمائة وثمانين كيلومترًا إلى الأمام، دائمًا إلى الأمام نحو المدى الرهيب في هاوية المجهول الذي لا يعرف الأمام ولا الوراء، ولا أعالي فيه ولا أداني.

والأرض رغم هذه السرعة، لا تعلق بشيء ولا تستند إلى شيء، هي البلون السابح في الهواء، لكن البلون يحط ويستريح، والأرض لا محطة لها ولا الراحة من ممكناتها، فهي لم تقف حياتها دقيقة ولا لحظة، ولن تعود يومًا إلى نقطة سبق أن جازتها قبل مئات أو ألوف أو ملايين الأعوام، دائمًا إلى الأمام، دائمًا إلى فلوات مجهولة، ما إن أقبلت عليها مسلِّمة حتى ترحل عنها مودِّعة، كذلك شأنها منذ الأزل، وكذلك شأنها إلى الأبد، ولا يعرف الغاية من رحلتها غير ربك ذي الجلال.

وفي هذا الاندفاع الرهيب لا تكتفي الأرض بالسير مع المنظومة الشمسية ومكانها بين المريخ والزهرة (بين الحرب والحب!)، بل شأنها شأن أخواتها السيارات الأخرى، هي تدور على نفسها في أربع وعشرين ساعة نسمِّيها يومًا، تدور حول الشمس في ٣٦٥ يومًا نسمِّيها عامًا، تدور كل هذه الدورات وهي لا ترتكز على شيء، لا يدفعها غير قانون الجاذبية الكونية، ولا يحفظ توازنها غير قوة المغناطيس العام، ومن كل جانب حولها تتجدد الخليقة في تنوع وغنى لا حدَّ له ولا حصر، فنحن في الواقع نعيش في قلب السماء، سواء أشئنا أم لا نشأ، ونحن دومًا نسير من مجهول إلى مجهول، كل هذه معلومات مألوفة، ولكن حسنًا نصنع بنسيان هذه الأمور في حياتنا اليومية، لأن رهبة اللانهاية شيء لا يحتمله عقل الإنسان.

***

ولأجل كل ذلك، ولأنه ينزع من بعض نواحي نفسه إلى العبودية نزوعه من النواحي الأخرى إلى الحرية — كل ذلك الإنسان المحدود المتناهي شَعَرَ باحتياجه إلى الحدِّ والنهاية، فنظم لنفسه الدقائق والساعات والأيام والأسابيع والشهور والأعوام والقرون، ورتَّب حياته القصيرة الزائلة بموجبها … فقام يحتفي باجتياز ما أوجده هو نفسه من الحدود، ومضى يباهي بأنه يودِّع عامًا ويستقبل عامًا، ولئن جاشت نفسه بالذكريات في هذا الموسم الوهمي، فلأن حياته بحذافيرها تتلخص في الذكرى. خلال ملايين القرون التي مرت بالأرض، حزن الإنسان كثيرًا وبكى كثيرًا، كما فرح كثيرًا وضحك كثيرًا، فما يشعر به الآن من الاكتئاب والجذل، إنما يأتيه بادئ ذي بدئ من وراثته الطويلة السحيقة والقريبة في السماء وعلى الأرض، ومن رحلة سيارته في رائع السماوات، ومن رحلة بني جنسه أفرادًا وجماعات من المهد إلى اللحد.

وهو بعدُ يصب سيل روحه في القالب الذي ابتكره للزمن، وينيل الأيام وجوهًا وهيئات ومعاني ينسخها عما يموج بين جوانحه من شتيت النزعات والتأملات والاعتبارات، كل ما يحيط به لغزٌ وسرٌّ، ولا وجود عنده للأشياء إلا بمقدار ما يعكس عليها من أشباح نفسه.

***

انتهيت إلى هذا الحد، فإذا بالنواقيس تشدو معلِنة قدوم العام الجديد، فأهلًا بك، يا سليل القرون الرهيبة، ويا مؤدِّيًا إلى رهيب الدهور!

نرحب بك وإن كنت غير مصغٍ، ونستقبلك وأنت غير مدرِك، وتسير بنا وأنت بنا غير شاعر، ونستسلم لقواتك مرغَمين وأنت لا تمنينا بحظوة ولا تعللنا بوعد!

النواقيس تشدو معلِنة شيئًا من الجمال المبعثَر في العالم، والنواقيس تشدو باعثة في الجو إشارات الروعة والفخامة، والنواقيس تشدو داعية إلى الابتهاج والحبور!

فحسبنا منك، أيها العام، الدقيقة التي نعيش فيها جامعين عندها مبعثر الجمال، راسمين فيها إشارة الثناء والجلال، خالقين من يأسها رجاءً ومن حزنها حبورًا.

وبينا أنت تجري بنا في أتاويه المجهول، نريد أن نلخص المجهول معرفة مقتنصين من الحيرة ثقة، مستخرجين من الاضطراب عزمًا وثباتًا.

ونبيعك كل ذكريات الأرض بحياة وهَمٍّ واحد يبعث فينا شرارة الحياة، ويرهف عندنا الرغبة في الحياة.

فهل أنت مشترٍ؟

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.