تنقسم حياة جوهان ولفانج فون جوتا إلى عهود: أولًا عهد العاصفة والشدة، وهو عهد الاندفاع مع العاطفة والاستسلام للخيال، وفيه ألَّفَ «جوتز» و«ورتر»، ولو أنه لم يكن مستسلمًا كل الاستسلام كما سيتضح من تفسير «هتنر» — بالنون — و«دودن» لمعنى مؤلفاته في ذلك العهد. ثم يأتي عهد رحلته إلى إيطاليا ومكثه فيها، وقد أكسبته الآثار القديمة ميلًا إلى المذهب الكلاسيكي، وزادت الأثر الذي كان قد اقتبسه بقراءة كتب القدماء، وبعد عودته بدأت صداقته لشيلر الشاعر، وكان شيلر أشد ميلًا إلى التعبير عن الجانب الثائر من النفس البشرية كما في قصة «وليام تل» و«اللصوص» و«دون كارلوس» و«عذراء أورليان»، وهذا مذهب خلفه جوتا بعد تأليف «جوتز» و«أحزان ورتر»، كما أن في قصص شيلر أناسًا وصفهم بصفات الكمال الإنساني، بينما أناس قصص جوتا يتعثرون في أخطائهم ويتعلمون منها، ومع ذلك كان جوتا متزنًا، فلم يحاول إطفاء ثورة النفس على مفاسد الحياة ونظمها، ولكنه مع ذلك كان يدعو إلى تطهير النفس أولًا من شوائب الأحقاد والأثرة قبل حمل شعلة الحرية المقدسة، وكذلك كان يفضِّل العملَ المتدرِّج، ويرى أنه أنفع من الطفرة التي تؤدِّي إلى التراجع والتقاعس والتقهقر والانتكاس.

ولعلَّ اتزانه هذا سببُ نقدِ الأحزاب المتطرفة له، وفي كلماته نجده يحاول إبرازَ الحق الذي في الآراء المتناقضة، ويرى أن من الحكمة أن لا يهمل الحق الذي يخالط الباطل، وهذا من شدة إعزازه للحق وصيانته له من الضياع في أي جانب كان، بينما كان غيره إذا أراد محو باطل لا يصون الحق الذي يمازجه، ومن أجل هذه الصفة فيه قد يخال أنه يتردَّد بين النقيضين، ولا تردُّدَ له، ولعلَّ هتنر (بالنون) هو الناقد الذي فسَّره أحسن تفسير، وتابَعَه إدوارد دودن، ومن تفسيرهما نرى أن ورتر في قصة «أحزان ورتر» يمثِّل الشاب الذي يعالج إحساسًا شديدًا لا يؤدي إلى عمل نافع، ثم هو يطلب المحال ويسوقه الخيال، وكل هذه صفات مرض ونقص تؤدِّي إلى الهلاك كما أدَّتْ إلى هلاك ورتر؛ فهو لم يصف ورتر كي يكون بطلًا يُحتذَى، بل وصفه للعظة والاعتبار وتجنُّب صفات نقصه، ولكن كثيرًا من الشبَّان تشبَّهوا به فهلكوا، ولعل سبب تشبُّههم به أن جوتا يكسو أخطاء الشاب ورتر وعيوبه جمال فنه، وهو لو لم يكسه لَأخطَأَ؛ لأن أخطاء الشباب وعيوبها مكسوَّة بطبيعتها جمالَ روح الشباب، وهو جمال فني.

وفي قصة «ولهلم مايستر» يتدرَّج الشاب ولهلم من الانقياد للخيال الكاذب والعاطفة الخرفاء، وهما يستهويانه مرة بعد مرة، فيكون عمله وخلقه غير مطابقين لمقاصده، فيتدرَّج بالتعلُّم من أخطائه وعيوبه إلى العمل الصحيح المنتج، وإلى فهم الأمور على حقيقتها بعد تضليل الخيال له تضليلًا طويلًا قد يضلُّ معه القارئ إذا كان شابًّا، وقد يستهويه ذلك الضلال، ولكن جوتا لا يريد للشاب أن يتعلَّم كما تعلَّمَ ولهلم مايستر من عيوبه وأخطائه؛ إذ إن هذا يكلِّفه من الجهد والوقت ما هو أنفس وأطول من أن يضيع هكذا، ومن أجل ذلك رسم خطةً للتعليم تجنِّب الشبَّان مثلَ أخطاء ولهلم.

وكذلك نرى في قصة «تاسو» الرجل الذي يستعبده الخيال ويكاد يهلكه، لولا أن له صديقًا ينجيه، أما في قصة فوست فنرى فوست الذي استفحلت فيه روح التملُّك والسيطرة، حتى تملَّكَ حبيبته وهو غير مالكٍ لنفسه، ولا مسيطر عليها، وكاد يذهب ضحيةَ الإغواء لولا أنه ارتدع واتَّعَظ وعلى إبليس «مفستو فيليس» في اللحظة الأخيرة، وبذلك نجا ولم يرد جوتا للناس أن ينقادوا لحب السيطرة كما انقاد فوست في أكثر حياته، (ولو أنه عرضه عرضًا فنيًّا مغريًا)، بل هو يرى أن لا نجاةَ للعالم والأمم إلا بأن يتعلَّم الآحاد والأمم ضبطَ النفس والقضاء على عاطفة حب التملُّك والتحكم.

وهكذا نجد لكل قصة من قصصه درسًا وموعظة، ويخطئ مَن يستهويه جمال الفن، فلا يبحث عن الفكرة الفلسفية والمغزى المراد.

***

وبالرغم من هذه الثقافة العالية فقد اختلف النقاد فيه، فمنهم مَن أسقطه، ومنهم — وهو الكثرة — مَن رفعه إلى السماء؛ سماء الفن والثقافة، قال «بورن»: «لقد فضَّلَ جوتا الدعةَ والراحةَ على البطولة والآلام، ولكن الأبطال لا تردهم الآلامُ عن نصر الحرية ونقد مفاسد الحكومات والانتصار لشعوبهم، كما فعل مونتسكيو وفولتير وروسو التَّعِس الفقير المريض الذي عاش بالرغم من ذلك حرَّ الرأي، وملتون لم يمنعه قرض الشعر من محاربة الاستبداد.»

وقال مِنزل: «إنَّ كل مؤلفات جوتا إنما هي عرض لشخصيته في أحسن وضعٍ فني، فالرجل مع خصوبة ذهنه وخياله ما كان يهمه غير نفسه وإشباعها من كل إحساس بمظاهر الجمال، وقد كان همُّ جوتا بدل تحرير العقل الألماني أن يحمل عقله وعقل قومه نيرَ كل ثقافة، وأن يداعب حضارةَ كل أمة تحت الشمس مداعَبةَ الممثل الذي همُّه الترف واللذات والأثرة.»

وقال جان بول رختر: «عندما أردت أن أزور جوتا قيل لي إنه الآن لا يعجب بشيء، ولا يستحسن شيئًا، وحتى نفسه التي كان يُعجَب بها أصبح لا يُعجَب بها، فسألتُ صديقًا لي أن يحولني إلى حفرية متحجرة أقدِّمها له، لعل غرابة شكلها تستدعي تنبُّهه لها. في أثناء الحديث ظلَّ ساكتًا إلى أن جاء حديث الفنون، فقرأ لنا قصيدةً له لم تُنشَر، وكنت أشعر أن صوته يحاوِل أن يدفع بحرارة قلبه؛ كي تخترق غشاء الثلج المتجمد فوقه.» وهذا الجمود ضد ما وصفه به حليم في شبابه.

وقال كارليل: «إنه عصر جديد، ذلك العصر الذي يظهر فيه رجل حكيم عاقل، يستوعب ويحمل عيوب عصره، ويتغلب عليها، ويشق لنفسه طريقًا في اتجاهٍ وطريقٍ كان لا يمكن اختراقهما، وهذا هو ما صنع جوتا، ومؤلفاته هي مرآة عصره الذي وصفه وأوضحه وفسَّرَه.»

وقال نيبوهر: «إن الألمان الآن يسمعون اسم جوتا بخشوع وإعجاب كما كان قدماء الإغريق يسمعون اسم هومر، وجوتا قد بلغ في قومه منزلةً لم يبلغها أحدٌ غيره، وبسبب مؤلفاته صارت الأمم الأخرى تهتم للأدب الألماني وتحترمه.»

وقال أمرسون: «ليس في العالم شيء لم يهتم جوتا بدراسته وتفهُّمه، فهو مقرر يسجل كل أمر وظاهرة، وقد وصل في بحثه إلى حدود المجهول، ثم خطا خطوة وراءها، وعاد سليمًا كما كان قدماء الإغريق يقولون إن الإسكندر المقدوني وصل في فتحه إلى حدود العالم، ثم خطا خطوة وراءها.»

وفيما يلي تتمة لما اختير من كلماته مع بعض التعليق عليها:

(١) مهما كانت حياة الإنسان حياة معتادة مألوفة، ومهما كانت النفس راضية بهذه الحياة، فإن في النفس نزوعًا خفيًّا إلى مطالب أسمى، ونزعات أرفع، وأملًا للنفس من تلك الحياة المألوفة المعتادة، والنفس تبحث حولها عن وسائل تُدنِي بها تلك المطالب، وترضي بها تلك النزعات. وقول جوتا هذا يذكِّرني بقصة جون بوكان التي عنوانها «ملوك أوريون»، وهو يتخيَّل فيها أن ملوك ذلك العالم الموصوف قد حُكِم عليهم أن يهبطوا إلى هذا العالم الأرضي، وأن تعيش نفس كل ملك في نفس إنسان من السوقة، وقد ذُكِر في المثل القديم أن نفس كل إنسان تجمع بين قرد وأسد. وفي قصة جون بوكان ترضى النفس بالحياة المعتادة المألوفة، حتى إذا تحرَّكت نفس الملك التي فيها نزعت إلى مطالب عالية، وأظهرت وسائل ومَلَكات أسمى مما اعتادته.

(٢) كلما تعلَّمَ الإنسان درسًا هامًّا في الحياة عاقه الفقر الروحي عن الاستفادة منه كل فائدة، ولكنه مع ذلك يكتسب ولو شيئًا قليلًا من الخبرة به، ولعل هذا الفقر الروحي كما سمَّاه جوتا، أو العجز الدائم كما سمَّاه مينكين الناقد الأمريكي؛ هو سبب تخلف الإنسان عن مسايرة العلم، وسبب عدم الاستفادة منه أعظم فائدة كما وصف الأستاذ جوليان هوكسلي، وسبب اختلال حياة الناس واعتزازهم بذلك الاختلال، أو اعتزاز بعض المفكرين زاعمين أنه لو بطل الاختلال توقَّفَ نمو الإنسان الفكري، وهذا من باب جعل الإنسان نقصه وعيبه محمدة وميزة. وهذه الصفة في الإنسان قاعدة عامة سيكلوجية كما أوضح جوتا في مقال سابق؛ أي تحويله نقصه إلى مبدأ محمود.

(٣) قد يخطئ مَن يظن أن شرف النفس يعوق صاحبه لطيبة قلبه عن إدراك مكر الخبثاء، ولكن اعتقاد المرء هذا الظنَّ قد يدعوه إلى الاسترسال وقلة الحيطة، فينكشف أمره لدى شريف النفس، حتى ولو كانت آراؤه محدودة، كما أن مخالفة عمل الماكر لما ألفته نفس الشريف النفس تطلعه أيضًا على احتيال الماكر الخبيث.

(٤) لا يستطيع المرء أن يؤسِّس مثال كمال إلَّا على أساس الأمور الواقعة الكائنة؛ لأن الإنسان لا يستطيع أن يصل إلى الكمال غير المحدود إلا عن طريق الأمر المحدود، وأما إذا حاوَلَ المرء تأسيس مثال الكمال على خياله غير المحدود، لا على الأمور الواقعة المحدودة، ضلَّ سعيه وازدهاه الخيال واستعبده الوهم.

(٥) القوة التي تدعو المرء إلى التحكم والأثرة هي القوة نفسها التي لو شاء دعته إلى أن يملأ حياته جمالًا وحرية وإخاء، فتعم العالم هذه الأمورُ، ولكن عليه أن يوجِّه تلك القوةَ في نفسه إلى الجمال والحرية والإخاء توجيهًا مستأنفًا مستمرًّا مثابرًا عليه.

(٦) إن الشعور الشديد في النفس إذا لم يُتَّخَذْ كقوةٍ لأداء عمل نافع كان مرضًا، وأدَّى إلى اختلال الحياة.

(٧) إن الخرافات جزء أصيل في النفس الإنسانية، فإذا حاربناها فإنها تختفي حتى نظن أنها قد زالت، ولكنها تكمن في خبايا النفس حتى تجد فرصة فتظهر.

(٨) إن الرجل الذي يتعلم بالفطنة الحدودَ والقيود التي ينبغي أن يتقيَّد بها، ثم يلتزمها مختارًا غير مقهور، يستطيع مع ذلك أن يصل إلى الحرية. أما الرجل الذي يُقهَر على التزام تلك الحدود والقيود قهرًا، فإنه قلَّمَا يصل إلى الحرية، وهو إنْ وصل إليها وجَدَ لها مرارةً وألمًا.

(٩) لا تنال أمة مَلَكة الحكم على الحقائق حكمًا صادقًا إلا إذا استطاعت أن تحكم على نفسها حكمًا صادقًا، فالأمة التي تَتَهرَّب من الحكم على نفسها لا تستطيع الحكم على الحقائق حكمًا صادقًا، وهي لا تستطيع الحكم على نفسها إلا بعد مراحل من الثقافة والنضج والوعي الصادق.

(١٠) إن مقاومة الحقائق الفكرية مثل تحريك النار إنما تُطير منها ما هو شبيه بالشرر، فتشتعل النار فيما لم تشتعل فيه من قبلُ، فالعنف ليس السبيل لمحاربة الرأي؛ لأنه يُعَدُّ عجزًا عن محاربته بالحجة.

(١١) ليس النجاح في الحياة في معرفة النفوس البشرية، بل في أن تكون أكبر لباقةً ومهارةً في وقتٍ معين من منافسك الذي هو أمامك يواجهك، فربما كنتَ خبيرًا بالنفوس، ولكن لا تستطيع أن تنتفع بخبرتك.

(١٢) من الصعب أن يعرف الناس بعضهم بعضًا، حتى ولو كان داعيهم إلى ذلك العرفان أحسن الميول، وأسمى المقاصد، فكيف بهم إذا تملَّكتهم إرادة الشر كما يحدث في كثيرٍ من الأحوال عند الحكم على الناس، وهذا كما قال رومان رولان: «إن كل إنسان لغز يصعب حله، سواء أكان يحاول حل لغز نفسه أم لغز نفس غيره، ومع ذلك فلا يستطيع الناس أن يمتنعوا عن الحكم على الأنفس والأخلاق؛ إذ إن هذا الحكم جزء ضروري من الحياة.»

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.