هي هذه التي وقعت أمس عن المصريين جميعًا، حين صدر الأمر الملكي بإلغاء النظام البغيض، فليس من شك في أن صدقي باشا وأصحابه قد فتحوا على أمتهم بابًا عظيمًا من الشر، وصبوا عليها ألوانًا مختلفة من الظلم، وامتحنوها بضروب متباينة من البلاء. ولكنَّ أكبر المظالم وأثقلها، وأعمَّ المظالم وأشملها، إنما كانت مظلمة النظام هذه التي أثم بها الآثمون، لا في حق فرد من الأفراد، ولا في حق جماعة من الجماعات، ولا في حق طبقة من الطبقات، بل في حق الشعب المصري كله، وفي حق الوطن المصري كله، وفي حق الأجيال المصرية الحاضرة والمقبلة جميعًا.

نعم، لم يأثم صدقي باشا وأصحابه حين عَدَوْا على النظام في حق فرد أو جماعة أو جيل، وإنما أثموا في حق مصر الخالدة. فليس غريبًا أن نصف مظلمة النظام بأنها المظلمة الكبرى؛ إن فصل موظف من الموظفين أو فصل عمدة من العمد أو فرض الغرامة على هذا الرجل أو ذاك أو التحكم في جباية الضرائب أو صب العذاب على الآمنين الوادعين الأبرياء أو الحجر على حرية الزعماء والقادة، وغير الزعماء والقادة، أو منع الاجتماعات بالقسوة والعنف، أو سفك الدماء بالحراب والرصاص، كل ذلك ظلم وكله ظلم بشع قبيح، وكله آثام تأباها الضمائر الحية، ويمقتها عدل الله وعدل الناس، ولكنها على هذا كله أهون من الظلم الأكبر الذي يمس أمة كاملة في حاضرها ومستقبلها، وأيسر من الإثم الأكبر الذي يمس وطنًا كاملًا، في حقه وأمله ومثله الأعلى.

إن صدقي باشا وأصحابه يستطيعون أن ينظروا إلى حياتهم فلن يروا فيها إلا شرًّا؛ لأن هذا الظلم الأكبر الذي أقروه، وهذا الإثم الأكبر الذي اقترفوه، وهذا العدوان الأكبر الذي لم يتحرجوا منه، كل ذلك قد محا حسناتهم، إن كانوا قد قدموا بعض الحسنات، ورد أعمالهم كلها إلى شر مظلم بغيض، لا أمل لهم في التخلص من أوزاره وآثاره، مهما يقدموا ومهما يؤخروا، ومهما يقولوا ومهما يفعلوا، قد حلت بهم الخطيئة فلن تمحى، وأحاطت بهم الخطيئة فلن يجدوا منها منفذًا ولا خلاصًا.

ويل لهؤلاء الناس من أنفسهم، إن كانت لهم نفوس، وويل لهم من ضمائرهم، إن كانت لهم ضمائر، وويل لهم من رأي أمتهم فيهم، وويل لهم من حكم أمتهم عليهم، إن كانوا يُقدِّرون لرأي الأمة خطرًا، أو يعرفون لحكم الأمة سلطانًا! ولكنهم لا يقدرون شيئًا إلا أنفسهم، ولا يعرفون شيئًا إلا منافعهم ولا يشعرون بشيء إلا بهذه اللذات الدنيئة والحاجات الخسيسة، والمآرب العاجلة التي يضحون في سبيلها بالحق والخير، والعدل والإنصاف والمساواة.

لقد أقدموا على مظلمتهم الكبرى لا يذكرون أنهم يَمسُّون بها قومًا ما كان ينبغي لهم أن يظلموا، ويبسطونها على شعب ما كان ينبغي أن يناله منهم إلا البر والوفاء، وإلا الإخلاص والولاء وإلا الخدمة الصادقة مهما تكلف أصحابها من جهد وعناء، ومن تضحية بالأنفس والأموال. لم يذكروا شيئًا من هذا، وإنما ذكروا شهواتٍ يجب أن ترضى، وحاجات يجب أن تقضى، ومآرب يجب أن تنال. فهم كافرون بنعمة الوطن عليهم، وهم جاحدون لحق الشعب عندهم، وهم بعد ذلك ثائرون على النظام منتهكون لحرمات القانون. وهم فوق هذا وذاك مزدرون للعدل والحق، ساخرون من الفضيلة والخلق، متهالكون على أحطِّ ما يتهالك عليه الناس. فكيف تريد أن يغسل هذا الشر كله عن أصحابه، وكيف تريد أن يحط هذا الوزر كله عن مقترفيه، وكيف تريد أن يعود صفاء النية إلى قوم لا يمكن أن تصفو لهم نية، وأن يعود نقاء الضمير إلى قوم لا يمكن أن ينقى لهم ضمير، وأن يعود طهر القلوب إلى قوم لا يمكن أن يطهر لهم قلب؟

إن ظلم الفرد الواحد لينغص على الظالم حياته كلها، فكيف بالذين يظلمون شعبًا كاملًا؟! إن إهدار حرية الفرد الواحد يعرض مرتكبه لأشد العقاب، فكيف بالذين يهدرون حرية أمة كاملة؟! إن تجاوز القانون في حق فرد واحد إثم يعاقب عليه القانون وتنكره الأخلاق ويرفضه العدل، فكيف بالذين يتجاوزون القانون وينتهكون حرماته في حق الأجيال جميعًا؟!

نعم، لقد ظلم هؤلاء الناس وأسرفوا في الظلم، ولقد حمل هؤلاء الناس أنفسهم أوزارًا ثقالًا وصبغوا أيديهم بدماء زكية، وقدموا أمامهم نفوسًا زكية ستسألهم بين يدي الله فيما أزهقت وفيما فرق بينها وبين الضعفاء من الأبناء والبنات، ومن الأزواج والأمهات، ومن الأهل والأصدقاء.

نعم، وقد أكلوا أموالًا ستستحيل في بطونهم نارًا. نعم، وقد أضاعوا حقوقًا ستتقاضى منهم بين يدي الله، يوم تُتقاضى الحقوق.

نعم، لقد صبوا على الناس عذابًا سيصب عليهم مضاعفًا بين يدي الله؛ قصاصًا عن المظلومين بما قدموا من ظلم، يوم يُسأل المجرمون عما اقترفوا من إجرام.

نعم، ولكن هذا كله لن يكون شيئًا بإزاء هذه المظلمة الكبرى التي نستطيع نحن أن نسألهم عنها، والتي يستطيع إخواننا الصغار وأبناؤنا الصغار أن يسألوهم عنها، والتي ستسألهم عنها الأجيال المقبلة كلها؛ لأنهم أساءوا إلى مصر كلها، ولأنهم أضاعوا من حياة مصر أكثر من أربعة أعوام.

يقول الناس: إن أربعة أعوام ليست شيئًا في حياة الأمم. وهذا كلام يقال للعزاء ويقال للصبر، ويقال للتأسي عما فات ولاحتمال ما ليس من احتماله بد. ولكنَّ هنالك كلامًا آخر يجب أن يقال، وهو أحق أن يقال وهو أنفع وأجدى؛ لأنه يردع عن الظلم، ولأنه يدفع الناس إلى أن يستمسكوا بحقهم، ولأنه يشعر الناس بأن ظلم الشعوب لا ينبغي أن يكون هينًا يسيرًا مباحًا لكل إنسان.

هناك كلام آخر يجب أن يقال، وهو أن يومًا واحدًا في حياة الشعوب قد يعدل أعوامًا، وأن عامًا واحدًا في حياة الشعوب قد يعدل أجيالًا، وأن الذين يضيعون على الشعوب الناشئة من حياتها يومًا أو شهرًا أو عامًا لا يدرون ماذا يضيعون! من يدري؟ لو أن صدقي باشا وأصحابه لم يقترفوا ما اقترفوه من الإثم، لعلَّ مصر كانت ظفرت باستقلالها وأصلحت ما بينها وبين الإنجليز في بعض هذا الوقت الذي أضاعوه. من يدري؟ لعل مصر كانت تقدمت خطواتٍ بعيدة في إصلاح شئونها الداخلية على اختلافها في الوقت الذي أضاعوه. لعل شباب مصر كانوا قد خطوا في سبيل الرقي المعنوي والخلقي والاستعداد لاحتمال التبعات، والنهوض بالأعباء الثقال خطواتٍ بعيدةً في الوقت الذي أضاعوه. لعل الثروة المصرية كانت قد زادت نماء. لعل الأرض المصرية كانت قد زادت خصبًا. لعل أشياء كثيرة كانت قد تمت على خير ما تحب مصر لو لم يثب هؤلاء الناس إلى الحكم، ولو لم يسرع هؤلاء الناس إلى الظلم، ولو لم يقف هؤلاء الناس سعي الوطن إلى أمام، فكيف بهم وقد تعمدوا أن يردوه إلى وراء؟! فكيف بهم وقد أرادوا الإفساد، وأمعنوا فيه؟! فكيف بهم وقد أخذوا على أنفسهم عهدًا ليردون هذا الوطن الناهض إلى الذل بعد العز، وإلى الهوان بعد الإباء، وإلى الإذعان والخضوع بعد الحرية والكرامة والاستقلال؟! ولكنهم على ما بذلوا من جهد، وما اقترفوه من إثم وما استباحوا من منكر، وما انتهكوا من حرمة لم يُفلحوا ولم ينجحوا، وهذا كيدهم يرد في نحورهم، وهذا نظامهم يلغى أمس، كما أنشئ منذ أكثر من أربعة أعوام، وهذا دستورهم أصبح ورقًا، يستطيعون أن يبلوه ويشربوا ماءه كما تقول العامة، وهذه كبرياؤهم قد استحالت ضعة وذلة وهوانًا، وهذه آثامهم كلها ماثلة أمام الناس يلتمسون فيها العبرة، ويبتغون فيها العظة ويتخذونها نكالًا للذين تحدثهم أنفسهم أن يأثموا أو يظلموا أو يطغوا أو يعتدوا كما فعل هؤلاء الناس.

نعم، لقد وفقت الوزارة القائمة إلى رفع المظلمة الكبرى أمس واستطاع الشعب المصري أن ينظر إلى الذين ظلموه مزدريًا لهم، محتقرًا لظلمهم معددًا لسيئاتهم، مصممًا على ألا يسمح لهم ولا لأمثالهم بالعودة إلى الإثم مرة أخرى. فتستطيع هذه الوزارة القائمة أن تسجل لنفسها وللشعب هذا الفوز الذي يرضي الحق ويريح الضمير، وتستطيع هذه الوزارة القائمة بعد أن رفعت هذه المظلمة الكبرى أن تمضي راشدة فيما أخذت نفسها به من رفع المظالم الخاصة عن الأفراد والجماعات.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.