الأدب الذي أعنيه هو الأدب مع الناس لا الأدب الذي في الكتب، وكلاهما — فيما أعلم — ثمرته لصاحبه الحنظلُ، وأشقى الناس وأسودهم عيشًا هو لا شك الأديب المؤدَّب؛ فإن الأدب يغريه بالمُثُلِ العليا وبصور الكمال في دنيا كل ما فيها وضيع، وفي حياة أسمى ما فيها موصول بالأدنى، وأطهر مظاهرها مبطَّن بالقذارة والدنس. أما الأدب مع الناس فضعف، ولا حظ لضعيف في عالم تقوم الحياة فيه على التنازُع.

لذلك خالفت الناس في تربية أبنائهم، فلست أطالب أبنائي بالأدب أو أحضهم عليه؛ فإني أخشى أن يضيعهم ذلك في حياتهم، فأكون قد جنيت عليهم جنايتين: جناية الميلاد وجناية التأديب. وسبيلي معهم أن أدعهم يرسلون أنفسهم على السجية، وأن أفسح لعناصر القوة مجال الظهور، وأُمَكِّنَهَا من التغلب على عناصر الضعف، ودأبي أن أغريهم بالجرأة والصراحة والحرية والاستقلال في التفكير والعمل، وأن أنفي عنهم الشعور بأن لأحد رأيًا فوق رأيهم، أو وجودًا يزحمهم ويضيق عليهم، ولست أعايشهم معايشة الشريك، أو الوصي المهيمِن، بل أتوخى أن أجعل البيت صورة مصغرة لميدان الحياة، فما من شيء يشتهيه واحد منهم إلا كان عليه أن يطلبه ويسعى له، وينافس عليه، ويجاهد ويكافح من أجله بكل ما يدخل في طوقه من الوسائل. وليس يسوءني أن يطلب الواحد منهم شيئَه بالقوة إذا أعيته الحيلة، وإنما يسوءني أن ييأس، وينفض يده عن السعي، ويقصر عن المجاهدة، ويفطم نفسه عمَّا كان يشتهي. ولطول ما أتردد في زجرهم عمَّا يكونون فيه من عبث أو جد، حتى أفكر وأتدبر وأهتدي إلى ما هو أخلق بي معهم وأجدى عليهم، لا أكاد أنهاهم عن شيء، إلا أن يبدو لي من أحدهم ضعف أو خَوَر، فلا أجد بُدًّا من الدخول في الأمر، لأقوي ضعفهم، وأشد أعصابهم، وأعمر نفوسهم بالشجاعة، وأرد إليها الثقة، أو لأجعلهم يحتملون الخيبة بلا مرارة أو جزع. وأنا صديقهم في حياتهم معي، ولكنى أوثر أن أدربهم على ما تقتضيه المنافسة، وأكره أن أعوِّدهم الاعتماد على حي لهم، ولست أقصر في منافستهم، وإن كنت كبيرًا وهم صغار؛ فإن الحياة لا ترحم، ولا أحب لهم أن يعولوا في المزاحمة على ضعف في خصمهم أو خطأ منه أو قصور أو تقصير، وقلما أقول لهم شيئًا؛ لأن التجربة والمعاناة خير من التلقين. وكل ما أصدهم عنه — من حيث لا يشعرون — هو أن يهينوا أحدًا أو يسيئوا إليه بقول أو فعل، أو أن يعتدوا عليه بغير موجب، وأنا أحرص على أن يدركوا أتم الإدراك أن لكل إنسان من الحق مثل ما لكل إنسان آخر، وأن التمتع بالحقوق يفرض على المرء واجبات لا مفر منها، وأن التقصير في أداء الواجب نقص في الرجولة، ويسرني أن أقول إني مرتاح إلى النتيجة، ومغتبط بما أراه من أبنائي، ومستبشر بمستقبلهم، وراضٍ عنهم، وأدعى من هذا إلى ارتياحي أني أشعر من معاملتهم لي أنهم راضون عن هذا الأب الذي يحبهم ولا يرحمهم، وأبعث من هذا على اغتباطي أني أراهم ينسون في أكثر الأحيان أني أبوهم ولا يعنيهم إلا أني خصم يريدون أن يغلبوه ويقهروه.

ويحسن أن أذكر أن أبنائي جميعًا ذكور، ولا أدري ماذا كنت خليقًا أن أصنع لو عاشت لي من بناتي واحدة، ولكنهن جميعًا ذهبن قبل أن يُفطمن لسوء الحظ أو لحسنه، فما أدري؟

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.