رسالة المؤرخ هي الدعوة إلى النظر لأحوال البشرية ممثلة في أممها وشعوبها وأقوامها واجتماعاتها، نظرًا يقوم على عرض تلك الأحوال عرض تطور وتعاقب في الزمان.

والنظر التاريخي لأحوال البشرية لا يفرض على الناظر رأيًا بعينه في أصل الإنسانية ومصيرها، ولكن ينبغي له أن ينتهي بالناظر إلى موقف معين من أحداث مجتمعه وزمانه؛ وهذا الموقف المعين هو خير ما تثمره الدراسة التاريخية، فهو مبطل للتقديس ولكنه يغذي شعور العطف والاحترام، وهو يحرر ولكنه يحفظ للناظر صِلاته بماضيه وحاضره. هذا النظر التاريخي يقوم بجانب النظر العلمي، والفرق بينهما أن النظر التاريخي ينحصر في مجال الإنسانية، وأنه منبثق من صميم المعنويات، وأنه انتفع من بعض الدراسات العلمية كعلم النفس والاقتصاد والاجتماع أكثر مما انتفع النظر العلمي منه، وإن كان ذلك الانتفاع لم تظهر آثاره بعد.

ورسالة العلم ورسالة التاريخ لم يبلغا إلى مصر إلا من نحو سبعين عامًا، وليس معنى ذلك أن مصر لم تعرف العلم أو التاريخ إلا منذ سبعين عامًا؛ لقد عرفتهما حقًّا ولكن لم تصلها الرسالة على الوجه الجديد السائد الآن إلا إذ ذاك. ومن الإنصاف أن نقول: إن الفضل في إبلاغ الرسالة كان لرجلين: ليعقوب صروف ولجرجي زيدان.

قلت: إن مصر عرفت العلم وعرفت التاريخ قبل أن تبلغها رسالة العلم الجديد ورسالة التاريخ الجديد على يدي يعقوب صروف وجرجي زيدان، وعليَّ أن أبين أيَّ تاريخ عرفت كما عليَّ أن أشرح فيمَ يختلف ذلك التاريخ عن رسالة المؤرخ كما نعرفها الآن.

ينبغي أولًا أن أُخرج من نطاق الشرح ذلك القدر من التاريخ الذي هو جزء لا ينفصل من كل فكر ومن كل عمل. فمما هو مسلَّم به أن الإنسان حين يهم بعمل ما يستحضر شيئًا من ماضيه يدمجه في حاضره ليسترشد به، وهو في نفس الوقت يدمج في الحاضر شيئًا من المستقبل المتوقع. وعلى هذا النحو يدخل التاريخ من حيث هو آثار ماضٍ في بنية الحاضر، ولكن هذا الدخول لا يعنينا حينما نتحدث عن رسالة المؤرخ، فلا هو رسالة ولا هو مما ينسب لمؤرخ.

وإن صح أن هذا النوع لا يعنينا، فماذا نقول عن التاريخ من حيث هو تراث شعب من الشعوب، من حيث هو الجو الذي يقر فيه الشعب ولا يستطيع أن يتنفس إلا هواءه؟ وهذا أيضًا لا يندرج في رسالة المؤرخ اليوم، فهو الناحية الأخرى من ناحيتي المحيط الذي يحيط بقوم أو شعب ما. وهو مما لا بد من رعايته فهو مقوم من مقومات الحياة الاجتماعية، وهو غذاء روحي، ولا نستطيع أن نشهد له بأكثر من هذا. والاستجابة لدواعي التغيير في عالم اليوم أهم من الاستجابة لدواعي المحافظة، لقد خسر في الماضي الذين قالوا إنهم وجدوا آباءهم على سُنة وإنهم لآثارهم لمقتفون، ومن يقولها الآن في الحرب والاقتصاد والسياسة لا تنقذه من الهلاك.

وأما أمر التاريخ من حيث هو سجل مختلف المعاملات فشيء ظاهر الضرورة، وتوثيق ما بين الناس من عقود المعاملات ضرورة تقتضيها استقامة الشئون وانتظام العلاقات بين الناس. ولكن هذا النوع من التاريخ لا يقتضي هو أيضًا نظرًا تاريخيًّا للإنسانية على النحو الذي شرحت في مستهل هذا الحديث. ومثل هذا قد يقال — ولكن بشيء من التعديل — على التاريخ من حيث هو سجل مصالح عامة. ولي أن أُسمي هذا النوع من التاريخ «التاريخ الأثري» وهو من أهم ما عني به المصريون في مختلف عصور تاريخهم، وقد طلبوه مرتبطًا بالخطط، وساد — ونرجو أن لا يبطل الاشتغال به أبدًا — حركتنا الثقافية حتى مستهل هذا القرن. وأُحب — نظرًا لخطورة شأنه، ونظرًا لانطباعه تمامًا بالطابع القومي — أن أبسط فيه القول بعض الشيء.

وحاجة السلطات العامة في مصر إلى ضبط سجلات النيل ومسح الأرَضين وتوزيعها وربط الأموال العامة عليها وتحديد ما حُبس على جهة خيرية من طين ومن بناء وتعيير السكة والموازين … إلخ ظاهرة، واقتضت وجود الأخصائيين في هذه المسائل، فكتبوا وسجلوا ودونوا ولم تخلُ كتابتهم من تنبيه على تقصير ولوم على ابتداع وأسف على تدهور، وارتفعت الكتابة أحيانًا عن مستوى الحاجات العملية المباشرة إلى مستوى تصوير لوطن أهله سعداء لأن أولياء الأمر فهموا حاجاته وأدركوا كيف تُرسم سياسته. وإننا حينما نقرأ المقريزي أو الجبرتي أو علي مبارك، وهم جميعًا مؤرخون «أثريون»، نلمح فيما وراء التفصيلات والمتفرقات ذلك «المثال» خفيًّا أو باهت اللون أو مبهم التقاسيم ولكنه قائم، يراه من تعمق ومن يشارك هؤلاء الرجال عشقهم لهذا الماضي المصري.

ولا يزال للتاريخ «الأثري» رجاله، كان منهم شيخ المعلمين في زمانه الأستاذ أمين سامي، وبقي منهم المهندس كامل غالب في مباحثه عن المقياس، والأثري حسن عبد الوهاب.

ومع حبي لهذا التاريخ الأثري فإني لا أعده من رسالة التاريخ إلا إن أفاد صاحبه من النظر في سجل محدود إلى التطلع لأفق غير محدود، وقد يكون له هذا الأثر وقد لا يكون.

والتاريخ من حيث لزومه لصاحب السلطان أفاضت فيه كُتب الأدب وخصوصًا عندما تنقل عن الهند وفارس والإسكندر ومن إليه؛ يلزم صاحب السلطان معرفته، ويلزم أن يكون في ديوانه من يعرفه. وهذا اللزوم أغراضه ظاهرة، فصاحب السلطان يلزمه أن يحدد علاقاته بجيرانه والتاريخ يدخل في هذا التحديد، ويلزمه أن يلتمس في مآثر أسلافه الأسوة كما يلزمه أن يتعظ بما أصابهم. ولي أن أُسمي هذا النوع من التاريخ بتاريخ «ديوان الإنشاء»، وقد وجد فيه الخلفاء والسلاطين «مادة» السياسة الخارجية كما وجدوا في رجاله الكُتَّاب الذين نشروا لواء المباهاة والمفاخرة. ويكمل المؤرخين هؤلاء «المنجمين» الذين حددوا «الطالع السعيد» لما يهم به الملوك.

وأصل أخيرًا لتاريخ التحقيق؛ أي للتاريخ أداةً لضبط أسانيد وتحقيق أحداث، وقد استُخدم على هذا النحو أجمل استخدام في بناء التفسير بالمأثور والحديث وعلوم العربية وهكذا. ولي أن أقول: إن قيمة هذا التاريخ الآن هي قيمة تاريخية لحد كبير، وليس ذلك لأن التحقيق قد انتهى أمره؛ ولكن لأن أساليبه قد جاوزت حدَّ الجرح والتعديل والانشغال تبعًا لذلك بالرجال.

وبعد، فهذه خلاصة عما عرفته مصر من أنواع الاشتغال بالتاريخ قبل أن تصلها رسالة العلم ورسالة التاريخ، ولم تقضِ رسالة التاريخ على ذلك الاشتغال — ونرجو ألا تفعل — ولكن الرسالة ستطغى حتمًا وستعم، فيتعين علينا أن نختم هذا الحديث بما يقال فيها ولها. فأما خصومها فأُولو بأس شديد، منهم — من أبناء يونان — من نعى على المؤرخ اشتغاله بالزائل المتبدل المتغير بما هو غير خليق بعناية ما، ومنهم — ديكارت مثلًا — من رأى أن النظر التاريخي لا يوصل إلى معرفة تستحق أن تصدق، ومنهم — نيتشة مثلًا — من رأى أن النظر التاريخي معطل، وأنه نوع من التهرب من مواجهة العالم، وربما كانت طعنة نيتشة الطعنة التي نفذت إلى الصميم.

وعلى شدة بأس الخصوم غزا التاريخ معاهد التعليم على مختلف درجاتها، وأصبح المؤرخون — تقريبًا إطلاقًا — من المعلمين. هذا في الظاهر نصر للمؤرخ ولرسالة التاريخ، ولكن الباطن فيما أرى غير ذلك، فأثر تعليم التاريخ في التكوين العقلي والخُلقي لا يزال بعد ضئيلًا، ولم يترتب على «رسالة» المؤرخ بعد تكوين ذلك النظر التاريخي لأحوال البشرية الذي بدأنا به الحديث.

هذه أشياء نقررها ونرجو أن تتاح فرصة مستقبلة لبسطها بسطًا مُرضيًا.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.