يظهر أن سفك الدم المصري، لم يصبح مباحًا للإنجليز الذين تستخدمهم الوزارة فيما تسميه حفظ النظام وقمع المظاهرات وفض الاجتماعات، وإنما هو مباح أيضًا لبعض الإنجليز الذين ليست بينهم وبين الوزارة صلة، والذين لا تكلفهم الحكومة حفظ نظام ولا قمع مظاهرة ولا تفريق اجتماع ولا إقرارًا لأمن، وإنما هم من جنود الجيش المحتل ليس غير. ويظهر أن أموال المصريين لم تصبح مباحة للمجرمين من اللصوص الذين يعتدون عليها وينهبونها في ضوء النهار أو في ظلمة الليل، ثم تبحث عنهم الشرطة فتظفر بهم أو تعجز عنهم — ولكنهم لصوص مجرمون على كل حال — وإنما أصبحت مباحة لبعض الإنجليز الذين لا يصطنعون التلصُّص ولا يعيشون من الاعتداء، وإنما يعملون في الجيش المحتل، ويظهر أيضًا أن حرمات المصريين وأمنهم على أجسامهم وعلى متاجرهم وعلى ما في أيديهم لم تصبح مباحًا للذين يخرجون على القانون ويخاصمون النظام، وينصبون الحرب للجماعة، ولا للذين يريدون حماية النظام فيسرفون في هذه الحماية، ويتجاوزون النظام تجاوزًا قبيحًا، وإنما أصبحت مباحة لبعض الإنجليز الذين لا ينصبون في هذا البلد حربًا لشعبه ولا لحكومته، ولا يتخذون الخروج على القانون المصري وانتهاك حرمات النظام المصري عقيدة ورأيًا، وإنما يعملون في الجيش المحتل ليس غير.

وأنت في أكبر الظن تقرأ هذا الكلام فتدهش له، ولعلك تنكره، ولعلك تسأل نفسك لماذا نكتبه، وماذا نريد به؟ ولكنك قد قرأت في الصحف من غير شك ما نشر مرة ومرة ولم يكذبه أحد بعدُ، من أن جماعة من الجند البريطاني اعتدوا على جماعة من العمال المصريين في ظلمة الليل، فأخذوا ما كان معهم، وعبثوا بهم عبثًا ثقيلًا. ومن أن جماعة آخرين من الجند البريطانيين سكِروا حتى أنساهم السُّكر كل وقار، ثم اشتهوا بطيخًا فهجموا على بعض المتاجر في بعض الأحياء الوطنية يريدون أن يقتحموه لعلهم يجدون فيه ما يشتهون، ولم تصرفهم الشرطة عن ذلك إلا في مشقة وجهد.

وأنت قد قرأت من غير شك نبأ بعض الجند الإنجليز الذين أخذوا غلامًا صبيًّا فعلقوه في أيديهم من نافذة المترو وهو يسير، والصبي يستغيث؛ حتى اصطدم بعمود، ثم سقط، فمر عليه القطار، وقطع جسمه الصغير تقطيعًا.

أنت قرأت هذا كله من غير شك، وما زلت تنتظر كما ننتظر نحن رأي السلطتين المصرية والإنجليزية فيه، وموقف الحكومتين المصرية والإنجليزية منه، ولكنك فيما نظن ترى معنا أن دماء المصريين وأجسامهم وأموالهم وحرماتهم قد أُبِيحَتْ فيما يظهر لبعض الجند من جيش الاحتلال، يبسطون عليها أيديهم، وينالونها بما لا ينبغي أن تُنال به من الإثم والبغي والعدوان.

ولست أدري أتنكر هذا أم تطمئنُّ إليه؟ ولست أدري أيثور ضميرك لهذا أم لا يحفل به؟ فقد يظهر أن الضمائر نائمة في هذه الأيام، وأن نومها عميق، يحول بينها وبين الشعور بالأحداث والخطوب، فضلًا عن التأثُّر بها والاشمئزاز منها، وفضلًا عن هذا الشعور الكريم بالغيرة القومية، إذا اعْتُدِيَ على دماء المصريين، أو انتُهِكَت حرمات المصريين.

لست أدري أيثور ضميرك لهذا العدوان أم لا يحفل به، ولكني أعلم أن هناك ضمائر لا ينبغي لها أن تنام، ولا ينبغي لها أن تجمد أو تتبلد؛ لأن أصحابها مكلفون أن يكونوا إيقاظًا دائمًا، وهم يأخذون على هذه اليقظة أجرًا، وهم مكلَّفون ليستيقظوا لننام نحن إن أردنا النوم، وهم الوزراء، فقد نحب أن نعلم كيف تلقى الوزراء هذه الأنباء، وإلى أي حَدٍّ ثارت ضمائرهم لمصرع هذا الصبي المصري، بأيدي الجند الإنجليز الذين ألقوه تحت عجلات المترو؟

نحب أن نعلم إلى أي حَدٍّ غضب الوزراء للدم المصري، وللكرامة المصرية، ولحرمة الوطن المصري، نحب أن نعرف نص المذكرة ذات اللهجة الشديدة، التي كتبها وزير الخارجية المصرية وأرسلها إلى دار المندوب السامي، يُبيِّن فيها أن دماء الصبيان ليست ماءً يُرَاقُ من النوافذ، وأن أجسام المصريين ليست أمتعة مهملة تُلْقَىْ على الأرض لا لتدوسها الأقدام، بل ليهشمها المترو تهشيمًا، وأن كرامة المصريين في حاجة إلى ترضية، وأن أسرة هذا الصبي في حاجة إلى تعويض، وأن الدولة البريطانية التي اقترف جندها هذا الإثم خليقةٌ أن ترضي الكرامة المصرية، وخليقة أن تعوض على هذه الأسرة البائسة ما أصابها من قتل ابنها عبثًا ولعبًا، بأيدي قوم لا يحفلون بالحياة إلا أن تكون حياة أوروبية، وخليقة أن تظهر للمصريين وللمتحضرين في أقطار الأرض أن الحضارة البريطانية — كغيرها من الحضارات — تعاقب الذين يهدرون الدماء ويزهقون النفوس، ويعبثون بحياة الصبيان.

نحب أن نرى هذه المذكرة التي كتبها وزير الخارجية، فما نشك في أنه قد كتبها لأنه مصري، ولأنه وزير، ولأنه رئيس لمجلس الوزراء، ولأنه مكلف أن يكتب هذه المذكرة، وأن لا يرضى حتى تجيبه الحكومة البريطانية إلى ما يريد، وأن يستقيل إذا لم يستطع أن يحمي دماء المصريين وأموالهم وحرماتهم من عدوان الجند الإنجليزي.

نعم، ونحب أن نعلم رأي الأجانب من الأوروبيين الذين يثورون — ولهم الحق في أن يثوروا — حين يُعْتَدَى على أحد منهم في الأقاليم أو في العاصمة، والذين يطالبون — وليس لهم الحق في أن يطالبوا — بأن تتخذ الوزارة إجراء خاصًّا لحماية الحياة الأوروبية والدم الأوروبي من عدوان المجرمين المصريين. لقد قلنا لهؤلاء الأجانب إنا نشاركهم فيما يشقون به من فساد الأمن، دون أن نشاركهم فيما يسعدون به من الترف والنعيم؛ فنحب أن نعلم الآن رأيهم في هذا الدم المصري البريء، الذي يُرَاق جهرة وأمام المصريين والأجانب، وبأيدي قوم ليس من شأنهم أن يُرِيْقُوا الدماء، وهم جند الإنجليز.

ثم نحب أن نعلم آخر الأمر رأي الإنجليز أنفسهم في هذه الآثام المتصلة التي يقترفها الجند الإنجليز، أمُلائمة هي للحضارة أم مخالفة لها؟ لا يزال الإنجليز يعتقدون ويعلنون أنهم قد احتلوا مصر منذ أكثر من نصف قرن؛ ليهذبوها وقد كانت جافية، وليعلموها كيف تحترم الدماء والنفوس والأموال، وكيف تنفر من العدوان وانتهاك الحرمات؟ ألا يزال الإنجليز يعتقدون أنهم إنما يقيمون في مصر كما يقيم المعلِّمون الذين يدعون إلى الخير، ويرشدون إلى الرحمة والبر؟ ألا يزال الإنجليز يعتقدون أن اتصال هذه الآثام من الجند الإنجليز في أيام السلم والأمن يحقق ما يريدون أو ما يزعمون أنهم يريدون من كسب صداقة المصريين؟!

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.