على الرغم من كل ما كتبه الكاتبون العرب والإفرنج لا يزال مصرع البرامكة لغزًا من الألغاز؛ فقد زعموا الغيرة كانت السبب في نكبتهم، فقد غار الرشيد من وزرائه وما بلغوا إليه من عظمة ووفرة الغنى، وخشي أن يجرؤ أحدهم على خلعه والمناداة لنفسه بالملك، وقد كان جعفر يدلِّل على ذلك في آخِر أمره. وزعم بعضهم أن مسألة العباسة وزواجها جعفر هو السبب، وهذه أسطورة مخترعة من أولها إلى آخِرها، ولا يوجد في التاريخ ما يؤيدها، وقد وضعها القصاصون ليجدوا مبررًا لإيقاع الرشيد بوزرائه أسرة جعفر، وعمله على قطع دابرهم، وقد أردنا أن نقدِّم بين يدي القارئ بحثَ بعض معلومات قد تُؤدي في نهايتها للوصول إلى هذا السر العميق الذي طالت الدهور على غموضه.

عظمة البرامكة

فأول ما نراه في التاريخ الحالة المادية والأدبية التي وصل إليها البرامكة، فقد صار الناس يرون عظمتهم ويسألون ما هذه المقاصير والمساكن والآلات والفرش والخدم والجواري التي لا توجد في قصور الرشيد، وقد بنوا قصرهم حذاء قصر الرشيد وقد يباهونه، كأنهم يستفزونه! وكانت حاشية البرامكة تلقبهم بالسلاطين، وكان أبو نواس من شعراء الفضل بن الربيع المنقطعين إليه، ولا يمدح الرشيد إلا عرضًا وبأمر جعفر!

ولقد فوض الرشيد إلى جعفر تثقيف المأمون، ورحل عبد الله البرمكي إلى الفرنجة ليقف على مدنيتهم وسلاحهم وطرائق سياسيتهم، وكان الشعراء أمثال أبي نواس وأشجع ومروان لا يذكرون محاسن جعفر ومساعيه ومآثره ومعاليه ولا يقولون شعرًا أو مدحًا إلا فيه، وابن إسحاق يصف غناءه قائلًا:

«هي أنفاسي أهديها للخلفاء والأمراء لا أتاجر بها.» ولكنه في الحقيقة كان يهديها للوزراء وحدهم.

وكان الرشيد والفضل حاجبه ومسرور خادمه يدخلون بأمر البرامكة متلثمين، والذي يقدمهم ياسر خادم جعفر الخئون، ولم يُقف في كتب التاريخ على تفسير لسرِّ هذا التخفي الذي لجأ إليه الخليفة عند دخول قصر وزيره.

ومن شعر يزيد بن خالد في كرم جعفر قوله:

فما جعفر في جوده حذو برمك

فمجد له مستطرف وأثيل

كأن بنو الإعدام يدعون قبله

إلى اسم إلى الإعدام فيه دليل

وكان إسحق يغني لجعفر البيتين الآتيين على اللحن الماخوري:

إلى جعفر سارت بنا كل حرة

طواها سراها نحوه والتهجر

إلى واسع للمجتدين فناؤه

تروح عطاياه عليهم وتبكر

وناهيك بإسحق إذا غنى، فلم يكن له في عِلم الأنغام ثانٍ، فهو جنة الدنيا وزين الزمان، إذا غنى أجابته المثاني، فمنه يُجنى ثمر اللهو وريحان الجنان، وقد وصفه مَن سمعه بقوله: «لقد خلت العود ينطق بلسان عربي فصيح، وذكر أغنٍّ مليح، حتى ظننت الأشجار والأطيار والأنهار تجيبه.» وكان جعفر يجزل العطاء لشعرائه ولمغنيه ويقول لأحدهم:

اطلب ما تشاء! عشرة آلاف دينار جعفرية أو عشرين ألفًا إذا شئت. ووَصْف الدنانير بالجعفرية دليلٌ على أنه ضُرِبت نقود باسمه.

وقد أشرفت نفس أبي نواس على المستقبل فقال:

أربع البلا إن الخشوع لبادٍ

عليك وإني لم أخنك ودادي

سلام على الدنيا إذا ما فقدتمو

بني برمك من رائحين وغاد

ويظهر أن أبا نواس أحس بما يخفيه القدر، فنظم هذا وقصد التشاؤم بهم لشيء كان في نفسه من جعفر، وقد حرَّضه على نظمها الفضل بن الربيع، فقال له جعفر: «نعيت إلينا أنفسنا يا أبا نواس!» ولكن لم يكن في الجو ما يدعو إلى التشاؤم؛ وذلك لأن الخليفة قد عقد للوزير على خراسان والنهروان وما يجاورهما حيث اضطربت الشيعة وقام قائم الثورة ليخمد الوزير نارها ويرد المياه إلى مجاريها، وقد تقرَّب الشعراء والمغنون بنشيد خراسان ينشدونه:

يريد الملوك مدى جعفر

ولا يصنعون كما يصنع

تلوذ الملوك بأبوابه

إذا نالها الحدث الأفظع

فقُلْ لخراسان تحيا فقد

أتاها ابن يحيى الفتى الأروع

حياة العاصمة العباسية

كانت شوارع بغداد القديمة عظيمة ولا يزال بعضها ماثلًا باسمه، وبعضها أصبح أثرًا بعد عين، ومنها قطيعة عيسى الهاشمي، وكانت كالبولفار في باريس سعة وغناءً، ومعظمها مِلْك له.

والميدان كان أشبه الأشياء بالساحة توصل إلى شارع أبي جعفر، وقد جعله ذكرى لوالده، وكان نهر عيسى فرعًا من الدجلة ينساب ويمر في طريقه بقنطرة الزياتين وهي أشبه بالجسر العتيق. ثم الكرخ ولا يزال إلى يومنا هذا على حالته، وكان بالكرخ جماعة من الصيَّاغ والصنَّاع، وقد صنعوا كأس الرشيد الذي يُعَدُّ تحفة من التحف، قال مَن رآه يصفه:

رأيت جامًا قد صُوِّرتْ عليه طيور تطير بأجنحتها، ومن فوقها عقاب ينقض عليها.

وقيل: إن الذي أوصى بصنعه جعفر، وأهداه إلى الرشيد تقرُّبًا.

وإهداء الكأس لا يدل على أن الرشيد كان يشرب الخمر، فلعله كان يشرب فيه الماء القراح أو شراب الفاكهة وما إليه.

وكان السائر في تلك الطرق التي ذكرنا أسماءها يرى علائم الحياة والحركة والرخاء ظاهرة في كل مكان، وكانت الساحات غاصَّة بالناس، وأكثر ما في لباسهم الأسود الفاحم تشبُّهًا بولاة الأمر من آل هاشم الذين اتخذوا السواد في شعار الخلافة؛ حزنًا على شهدائهم من أهل البيت، ونعيًا على بني أمية في قتلهم، وكأن الناظر إلى تلك الثياب السود يسير في عاصمة أوروبية شمالية. وما كان أجمل المقارنة بين ضوء النهار، وبهاء الألوان، وسواد الثياب والأعلام!

القاضي الجزئي في عهد العباسيين

وفي مسجدها الجامع قاضٍ يفرض النفقات ويحكم في مائتي درهم، وعشرين دينارًا فما دونها، تخفيفًا عن الدواوين التي لا تحكم إلا في القضايا المهمة، وهذا لعمرك نظام القضاء الجزئي بعينه، فانظر كيف سبق العرب أهل فرنسا بألف سنة!

وبها مسجد لعليٍّ يؤمه الفرس وغيرهم ممن يقولون بخلافة أهل البيت من العرب ويتبركون بمزاره، كأن وعيد أبي جعفر لم يجد منهم نفوسًا راجعة إلى غرضه فيما أوجد من الفرقة بين العلوية والعباسية، وكان أهلها يبلغون إذ ذاك خمسمائة ألف من الرجال ومثلهم من النساء والأطفال، وكانت المدينة مزدانة بالقصور الفخمة والمباني الغالية العالية، ومنها بعد قصور الخلفاء والأمراء والوزراء قصر للأمير الهاشمي، وكان أوفر بني العباس مالًا، وأعطاهم لشاعرٍ نوالًا، وغلَّة ضِياعه في كل يوم مائة ألف درهم، وقد بناه على بعض الأنهار، واستفرغ في زينته جهده واتخذ في جنانه المهى والغزلان والنعام، وأنواع السباع والطيور المغردة، فجمع فيه محاسن الحضارة والبداوة، وجعل من حدائقه شبه حدائق الحيوان التي نراها الآن في العواصم الأوروبية وغيرها للأمم المتشبهة بها، وقد تكون تلك الحيوانات طليقة وغير مسجونة وراء سور أو سياج، كما صنعوا أخيرًا في إنجلترا وفرنسا!

وقد وصف أحد المسافرين أخلاق أهل تلك العاصمة فقال:

«أنست من استئناس أهلها للغريب حتى إنه ينسى في جوارهم أهله بما يألف عنهم من مظاهر الأنس والصفاء، فكانوا يحلونه محل الأهل ويجعلونه يشعر بأنه منهم، على عكس أهل البصرة الذين لا يُرى فيهم إلا واهن البنية سقيمها وأصفر اللون كاسفه، وذلك ناشئ فيهم عن عفونة الماء ووقوع إقليمهم في مهاب الرياح المختلفة؛ لأن الهواء قد يتبدل في اليوم ألوانًا وضروبًا فيضطرون للبس القمصان مرة والمبطنات أخرى.» كما شهدنا في مصر في ربيع هذا العام (١٩٣٢)، فإن أهل بغداد كانوا أصحاء أقوياء البنية، يبدو عليهم السرور والصحو والطرب والإقبال على مختلف المآكل بشهية حسنة، وكذلك يقبلون على أنواع الملاذ بفرح واستبشار.

ولقد وقفنا على وصف طريق الغوص على الجواهر، وهي الدر والياقوت والعقيق والباديبج، فإن الغواصين يشقون آذانهم للتنفس، ويجعلون في آنافهم القطن، ويصطنعون وجوهًا كالمشاقيص، ويدهنون أبدانهم بالسواد (زفت) خوفًا من بلع دواب البحر إياهم، ويصيحون عند الغوص مثل الكلاب لتنفيرها عنهم، حتى إذا بلغوا القعر عصروا، وهنا يضيء منه البحر والبر والأصداف التي يتولد فيها اللؤلؤ، وتكون مدفونة في أرض البحر رملًا كان أو طينًا، وهذه الطريقة لا تزال متبعة في مغاوص البحرين، والذين يقومون بالغوص جماعة كانوا فيما مضى رقيقًا يملكهم التاجر الذي يأمرهم بالغوص لحسابه، فإنْ عصوه أنزل بهم أنواع العقاب.

كيف انتقل العرب من البداوة إلى الحضارة

وكان الناظر في حياة العرب بعد أن تحضروا يعجب لهم كيف تركوا حياة البداوة جملةً واحدة، وصاروا كأنهم نبتوا في المدن التي بنوها ونسوا حياة البدو جملةً واحدة، قال سائح يصف البدو:

كنت أبيت في منازلهم، وآكل من ثريدهم، وأشرب من ألبان نوقهم، وأجلس على الوبر والأنطاع، وأعي أحاديثهم وأشهد حلقات القصَّاص فيما يذكرونه من أخبارهم وأيامهم، وهم قوم يتفاخرون بتأليف الخطب وقول الشعر والسيف والضيف، ولا يهنئون إلا بغلامٍ يُولَد أو شاعرٍ ينبغ فيهم أو فرس تنتج، وهم لا يأتون الفحشاء بل يعاقبون الزناة بالقتل، ولا يباشرون من النساء إلا مَن حلت لهم من أهلها، حتى لقد يكرهون تزويج اثنين قد انتشرت أخبارهما بالمحبة، وهم أصح الناس أبدانًا، وطعامهم لا يجعل إلى سقم المعدة سبيلًا، والظعن كفيل لهم بطيب الرياح، وأكثرهم من صلابة الجسم وخفته بحيث يلحق الخيل والحمر الوحشية والظباء عدوًا (ونسي السائح ذكر الظليم، وهو ذكر النعام وأسرع الحيوان عدوًا على الإطلاق) وهم يوفون بالقول من غير أن يكتبوا العهود، ويأخذون بثأرهم أخذًا شديدًا ينشأ فيهم من بعدهم عن القضاء؛ لأنهم لو كانوا يعانون الأحكام لفسد البأس فيهم وذهبت المنعة منهم، ويضيِّفون نزلاءهم ضيافة يوجبونها على نفوسهم، ولو كان النزلاء قَتَلة آبائهم، ومن زعم أن حاتم الطائي أكرم العرب فقد ظلمهم جميعًا.

وهم يحتسبون المدن محبسًا لا صبر لهم عليه؛ لأن الحرية عندهم أفضل ما منحهم الله، وهم يبذلون نفوسهم ونفائسهم دون تقريرها لأنفسهم، فإنَّا لا نجد في أحاديث النَّقَلة أن أمةً استعبدتهم في غابر الدهر قطُّ؛ لأنهم بمكانهم من إطلاق النفس على غير مصر وحمل بيوتهم إلى حيث يبيتون، في أَمْنٍ من العدو ولو كثر:

لبيت تخفق الأرواح فيه

أحب إليَّ من قصر منيف

ولبس عباءة وتقر عيني

أحبُّ إليَّ من لبس الشفوف

وكل هذا تغيَّر، وصار بعض رجالهم من السفاكين الذين يحبون إهراق الدماء بغير سبب معقول.

فقد رووا عن الحجاج بن يوسف الوالي الأموي أمورًا تقشعرُّ منها الأبدان، فكان الحجاج يقتل من أهل البيت جزافًا على التهمة، إلى أن بلغ عدد الذين قتلهم صبرًا مائة ألف وعشرين ألفًا، وكان في السجن عندما أهلكه الله أكثر من خمسين ألفًا يرسفون في سلاسل الحديد، ولا ذنب لهم إلا أنهم يعادون مَن عاداه الله.

وكان الناس لأيامه إذا تلاقوا في المجالس والمجامع والمساجد والأسواق تساءلوا مَن قتل البارحة ومَن صلب ومَن جلد ومَن قطع، وانتهى به الإفحاش في الظلم إلى أن يأمر الناس بحلق لحاهم، ويعاقب المخالف له بذلك بتسميره في الحائط، فيموت جوعًا وألمًا وهو لا يستطيع سبيلًا إلى الحراك، وكان يجد لذة في سفك الدماء وارتكاب أمور لا يُقدِم عليها غيره.

حين أرسله عبد الله أحد ملوك بني أمية إلى العراق، كان أول ما خاطب به أهل الكوفة أن قال:

إني والله أرى أبصارًا طامحة، وأعناقًا متطاولة، ورءوسًا قد أينعت وحان قطافها، وإني أنا صاحبها كأني أنظر إلى الدماء ترقرق بين العمائم واللحى.

وقد نازل مكة وضربها بالنار، ورمى الكعبة بالمنجنيق حتى تصدع جدار البيت الحرام، فأقام ملك بني أمية على هذا الظلم وقوَّمه لهم، وهناك فرق عظيم بين صراحة هذا السفاح وبين حيلة البرامكة ودهائهم، فقد كانوا يُفرِغون آراءهم ورغائبهم في قالب النصيحة، كما فعل خالد بن برمك عندما طُلِب رأيه في هدم إيوان كسرى، وتفصيل ذلك أن أبا جعفر المنصور لما بنَّى البصرة حمل إليها من آجره جانبًا كبيرًا، فعارضه خالد بن برمك وقال: يا أمير المؤمنين لا تفعل واتركه ماثلًا يُستدَلُّ به على عِظَم مُلْك آبائك الذين سلبوا المُلْك لأهل هذا الإيوان، وفي ذلك فخر للإسلام والمسلمين. فاتَّهمه أبو جعفر في النصيحة، وقال أخذته النعرة للفرس وأبى إلا التعصب لقومه، ثم شرع في الهدم فأدركه العجز وخاف الفضيحة، وبعث إلى خالد يستشيره في التجافي عن الهدم، فقال: يا أمير المؤمنين قد كنتُ أرى أن لا تهدم، فأما إذ فعلت فإني أرى أن تستمر لئلا يقال عجز سلطان العرب عن هدم مصنع من مصانع العجم.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.