هل أتاك حديث التراث والمعاصرة؟ إنه حديثنا المفضل، أو حديثنا الوحيد، أو حديثنا المزمن، تتناقله الأجيال، جيلًا بعد جيل، دون توانٍ أو ملل، كأنه فريضة من الفرائض، أو لازمة من لوازم عقلنا العربي، وكأنه نابع من أصل فلسفي كالمصير البشري، ومعنى الحياة، ومعنى الكون، ولغز الحياة والموت، والخير والشر، يفرض نفسه على الإنسان فرضًا، ويدعوه إلى تأمله، برغم صعوبة السؤال واستحالة الجواب.

وإذا كان للأسئلة الفلسفية ما يبررها؛ لانبثاقها من صميم حياة الفرد والتحامها بحياته اليومية وحياته العامة، ولأنه لا يستطيع أن ينساها مهما تناساها، فما المبرر لإدمان هذه المسألة الحضارية كأنما لا حلَّ لها، وكأننا أول أمة في الأرض تواجهها. لماذا نعكف على ترديدها في «كورس» واحد ممتدٍّ على مدى السنين منذ الجبرتي حتى مفكري اليوم مرورًا بمحمد عبده والكواكبي ولطفي السيد وطه حسين وسلامة موسى؟

كل جيل يتساءل: هل نقيم حياتنا على مثال سلفنا الصالح؟ هل نندفع بكل قوانا للارتماء في أحضان الحضارة الغربية دون قيد؟ هل ننتقي من القديم والحديث ما يقبل المزج والتلاحم ويصلح لإقامة بناء جديد ثابت الأركان؟ كم من مقالات كتبت حول ذلك، وكم من كتب وضعت، وكم من مؤتمرات انعقدت في الشرق والغرب! يتراءى لي أحيانًا — وأستغفر الله إنْ أكن مخطئًا — أن السرَّ الكامن وراء ذلك هو أننا نُشفِق من التفكير الحقيقي، أو نجفُل منه لسبب أو لآخر، ولا أقول إننا عاجزون عنه لا سمح الله؛ فلذلك نغطي جمودنا بالحركة الوحيدة المتاحة، وهي أن نفكر في التفكير نفسه أو حوله؛ أن نفكر فيما ينبغي لنا إذا عزمنا يومًا أن نفكر أو نعمل، فيتحقق لنا مظهر الفكر دون معاناة لأعبائه الحقيقية أو محاولة لحمل أمانته والتعرض لعواقبه.

لم نقدم على خلق فلسفة عربية حقًّا على أي أساس من الأسس، سلفية كانت أو معاصرة، أو بين بين، وهو عمل يستهلك عمرًا كاملًا في عزلة عن الأنوار وفي صرح من التقشُّف، وقد يُسفِر آخر الأمر عن كتاب واحد أو كتيب. لم نحاول أن نبدع نظرية سياسية مستوحاة من تاريخنا وحاضرنا ومعتمدة على تجاربنا الحية في الحكم والإدارة، ومستفيدة من تجارب الآخرين، فهذا أيضًا يقتضي تفكيرًا مستقلًّا وتأملًا عميقًا، وعمرًا طويلًا، وتضحية غالبًا بالنجومية والمال. ولم نبتكر فكرًا أصيلًا في الاقتصاد منبثقًا من حياتنا وتقاليدنا، مستلهمًا من الشرق أو الغرب، أو الاثنين معًا، أو متجاوزًا الثلاثة لشيء جديد لم يعرف من قبل. لو خرجنا من مقدمة التفكير إلى التفكير نفسه، لو ألقينا بأنفسنا في هذا البحر المجهول المحفوف بالمغامرة والإبداع لكانت لنا آراء وأفكار ونظريات، ولأمكن أن نمتحنها على ضوء الواقع والتجربة عند التطبيق، ولدخل الجمهور في التلاحم معها بحكم المعاملة، ومثَّل عنصرًا جديدًا هامًّا في تقويمها والحكم عليها، وبذلك نعرف الطريق الصحيح بقوة التفكير والعمل وتفاعل الجماهير، وهو أقوى ألف مرة من الجدل المكروه العقيم الذي نبدأ فيه ونعيد كأنه ذكر من الأذكار، أو حزب من الأوراد.

لعل الأدب كان المجال الوحيد الذي تمت فيه المغامرة، فانطلق الإبداع في شتَّى أشكاله مصحوبًا متبوعًا بالنقد والجدل، فوُجدت آثار شعرية تقليدية خالصة ومتطورة وحديثة، ووجدت مسرحيات وقصص مقتبسة أو كالمقتبسة، وأخرى عربية المضمون غريبة الشكل. واحتدمت نزعات نحو تأصيل الشكل أسوةً بالمضمون، ولكن تخلَّق أدب وأدباء بلا شك، وتكوَّن جمهور فأدلى برأيه من خلال إقباله وإدباره. ولو اتبع هنا ما اتبع في المجالات الأخرى لما كان لنا اليوم إلا مؤلفات حول التراث والمعاصرة دون شاهد واحد من الإبداع الفني.

ولكن لماذا الأدب وحده؟ ربما لغلبة الاستعدادات والمواهب الأدبية على الاستعدادات والمواهب الفلسفية والفكرية الأخرى، وربما لجاذبية الفن وثراء مردوده الأدبي والمادي، وربما لأنه أخفُّ عناءً وتضحية، وآمَنُ عاقبة. ولكن هيهات أن يتهيأ لنا طريق أو تستقيم حياة إلا بالفكر والتطبيق، فمتى نُسدِل الستار على هذه القضية المزمنة ونشرع في الفكر الحقيقي والعمل الجاد؟ ألم نستهلك فيها زمنًا كان كافيًا لدفع أمة من وَهْدة التخلف إلى ذروة الأمم المتطوِّرة؟

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.