إلى هذا اليوم تذهبُ القرويَّةُ الساذجةُ إلى عَرَّاف القريةِ تشكو مرضَها، أو عُقْمَها، أو هُجْرَان زَوجها، أو عثرة حَظِّها، فيقول لها: إنه «عَمَلُ ساحرٍ»، وإنه قادرٌ على إحباط ذلك العمل وتحويله عنها إلى ضحيةٍ تفتدي بها نفسها.

وكثيرًا ما تكون تلك الضحية دجاجة سوداء فاحمة السواد، أو زوجًا من الحمام الأسود لا شِيَةَ فيه من بياض أو اختلاف، وهكذا ينبغي أن يكون لون الضحية السحرية التي يرتضيها الجان ويتقبلها الشيطان!

ويتلو العَرَّاف تلاوته ويطلق بخوره، فينتقل السحر من المرأة الشاكية الباكية إلى الدجاجة السوداء، وتبرأ المرأة من الداء والشكوى، بعد اختفاء الدجاجة حيث قُدِّرَ لها أن تختفي، وغالبًا ما يكون اختفاؤها في مكان واحد هو جوف العَرَّاف المُظلِم الشبيه بها في السواد!

قبل آلاف السنين كانت الضحية من قبيل هذه التضحية، وكان الغرض الأكبر منها دفع السوء عن إنسانٍ من الناس، على يد ساحرٍ أو كاهنٍ عَرَّافٍ.

وكان هناك نوعٌ آخر من الضحايا التي يُدْفَعُ بها السُّوءُ عَمَّن يخافونه ويوجسون شرًّا منه، وتلك هي الضحايا التي تُقدَّم إلى أرواح الموتى يوم كان الناس يعبدون تلك الأرواح ويبذلون لها الطعام، ويحسبون أنها تجوع وتظمأ، وأنها تُنَكِّل بهم إذا رأتهم يأكلون ويشربون وهي تنظر إليهم ولا سبيل لها إلى الطعام والشراب.

فقد كانوا يومئذٍ يذبحون لها الذبائح ويتقربون إليها بالقرابين؛ دَفْعًا للسوء، واتِّقَاءً للحسدِ والنقمةِ، وكذلك كانت قرابين الأرواح على مِثال قرابين السحر، وكان العَرَّافون الأقدمون مزيجًا من السَّحَرَةِ والكُهَّانِ.

ثُمَّ ترقَّى شعورُ الناسِ بالضَّحِيَّةِ وفهمُهم لمعناها مع ارتقائهم في التَّدَيُّنِ، واستعدادهم لطبقةٍ أخرى من الاعتقاد الديني أرقى من تلك الطبقةِ الهمجيةِ.

فأصبحت الضَّحِيَّةُ تحمل الخطيئة عن صاحبها، وكان مُجرد فَهْم الخطيئة تقدُّمًا في الفَهم والشعور بالعقيدة الدينية؛ لأن إدراك معنى الخطيئة يستدعي إدراك معنى الضمير والمحاسبة على الذنوب، ومن ثَمَّ كان الخلاص من الخطايا أرفع طبقة من دفع السُّوءِ الذي يُصيب الأبدان ولا يتعداها إلى الضمائر، وكان كذلك أرفع طبقة من دفع السُّوء لسببٍ آخر، وهو أن دفع السُّوء إنما كان يُطلب من الشياطين والأرواح الشريرة. أما تكفير الخطايا فإنما يُطلب من ربِّ الخير والصلاح الذي يَنهَى عبادَه عن مقارفة الذنوب.

وارتقى الناسُ في فَهْم التضحية بمقدار ارتقائهم في فَهْم العقيدة الدينية، فجاء الزمنُ الذي كان فيه أنبياء بني إسرائيل؛ كأشعياء وأرميا، يُبكِّتون الشعب لأنه يُعلِّق رجاءَه في الخلاص والغفران على الذبائح والقرابين، ثم ارتفع السيد المسيح بعقيدة التضحية فوق هذا المرتفع، فقدم الرحمة والشكر على فدية الأنعام والأموال، وأوصى ببذل النفس في سبيل الهداية.

أما التضحية في الإسلام فهي شكرٌ وصدقةٌ وإحسانٌ: () (الحج: ٢٨) … () (الحج: ٣٦–٣٧).

فالضحية الكبرى هي التقوى، وإنما هذه الضحايا وسيلة من وسائل الشكر والإحسان، وليس من عقائد الإسلام أن الضحية تُكفِّر عن الذنوب، ولا أنها ترد القضاء، ولكنها عَطيةٌ واجبةٌ تؤدي جانبًا من جوانب البِرِّ، وترمز إلى الجانب الأكبر منها، وهو تضحية الإنسان بنفسه في سبيل الله؛ ولهذا قُرِنَتْ آياتُ الضحايا بآياتِ القتال دَفْعًا للظلم، وإبقاءً للشعائر والأحكام: () (الحج: ٤٠).

لقد ارتفعت التضحية من السحر إلى العبادة، ومن دَفْعِ السُّوء إلى بذل الإحسان، ولا تزال ترتفع مع كل مؤمن بها، قادر عليها، ولا يتجرد من الإيمان بها إنسان له خلاق، وعليه تعويل في شئون قومه أو شئون نوعه الإنساني في حاضره وعُقْبَاه.

***

ويبدو لنا أن الآداب الإنسانية تتلخَّصُ من هذه الناحية في كلماتٍ ثلاث تجمعها كلها، ولا تحتاج إلى مزيد عليها من خارجها؛ وهي كلمات الحقِّ والواجبِ والتضحيةِ.

أقلها الحقُّ، وأعظمها التضحية، وبينهما الواجب وسطٌ معتدلٌ بين طرفين.

فمَن يطلب حقَّه يطلب شيئًا قصارى ما يُقال فيه: إنه لا يُلام عليه، ومَن يعمل واجبًا فإنما يفعل ما هو مطلوب منه محاسب على تركه. وأمَّا مَن يتبرع بالتضحية، فهو الذي يرتفع بعمله فوق الحقِّ والواجب، ويعلو بنفسه فوق مرتبة الجزاء والحساب، أو العمل الذي يحق له، والعمل الذي يجب عليه.

وكل تضحية واجبة أو تضحية مفروضة فهي في الواقع رمزٌ إلى التضحية العليا التي هي أرفع من الواجبات والفروض؛ لأنها لا تطلب ولا تستوجب ولا يفرضها على الإنسان غير ضميره وشعوره، إن شاء قام بها، وإن لم يشأ لم يعلم أحدٌ أنه قصَّر في فضيلة من الفضائل؛ إذ كانت التضحية درجة فوق درجات العمل المطلوب، أو العمل الذي يشعر به الآخرون.

ونحسب أن «الإنسانية» قد سمعت كثيرًا عن حقوقها وواجباتها في هذه العصور التي تسمى بالعصور الحديثة أو عصور العِلم والحرية.

بل ربما كانت آفة العصر الحديث أو آفة العصر الأحدث أنه مشغول بالحقوق دون الواجبات والضحايا؛ ولهذا تضيع حقوقه، وتسقط واجباته، ويذهب ضحية لا فضل له فيها؛ لأنها ضحية المضطر غير المختار.

***

ويمكن أن يقال: إن العصر الذي تشغله حقوقه دون غيرها لا حق له في شيء، ولا يصل إلى حقٍّ وإن جهد في طلبه؛ إذ كان طلب الحقوق وحده دليلًا على ضياع الحقوق بين الجميع، وأن الناس قد أسقطوا واجبهم عنهم فأصبح هذا الواجب مطلوبًا منهم، أو أصبحوا جميعًا طالبين مطلوبين.

قِيل قديمًا: «اطلب الموتَ تُوهب لك الحياة.»

وعلى هذا القياس — مع بعض الفارق — يُقال لطلاب الحقوق: «افعلوا الواجب عليكم تجدوا حقوقكم لديكم بغير طلب؛ لأن الحقوق لا تضيع حيث تُؤدَّى الواجبات.»

خطوة وراء هذه الخطوة، أو على الأصحِّ أمام هذه الخطوة، فيصح أن يُقال: «ضحُّوا وضحُّوا فإذا الواجب مضمون وزيادة، وإذا الحقُّ من باب أَوْلَى مضمون وزيادة …»

والعصر الحديث يسمع هذه الوصية فيسخر منها؛ لأنه يدين بشيءٍ واحد؛ وهو طلبُ الحقوق، ولا يفهم بعد كل ما أصابه أن الإجماع على طلب الحقوق هو الإجماع على ضياع الحقوق!

ولسنا بحمدِ اللهِ من المؤمنين بالوصايا التي يركع المُوصِي بها تحت أقدام المستمعين إليها، ويتوسل إليهم أن يُصدِّقُوها ويتقبلوها.

كلا، لا نؤمن بهذه الوصايا؛ لأنها أضيع الوصايا وأولاها ألَّا تُسمع ولا تَنفع، وإنما الوصية التي نؤمن بها هي الوصية التي لا مَحيد عنها، ووصية العصر الذي جرب الجنون بالحقوق فضيعها جميعها هي التضحية ثم التضحية، فماذا يجري في الدنيا إنْ لمْ تُسمع هذه الوصية؟

يجري شيءٌ «بسيطٌ» لا شك فيه، فمَن لا يُضحي باختياره يصبح ضحية للحوادث بغير اختياره، ولا شكران لضحايا الضرورة، ولا ثواب لهم من ضمائرهم ولا من التاريخ.

وهنيئًا بعد هذا بالعيد الكبير: عيد الأضحى والقرابين، فلعله بشيرٌ يُغني عن التذكير، والبُشرَى كالذِّكرَى تنفع المؤمنين.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.