يجب أن نهنئ بها رئيس مشروع القرش إذا كان الشرُّ مما يُهَنَّأ به؛ فقد وفِّق صاحب السعادة الدكتور علي باشا إبراهيم — مع الأسف الشديد — من حمل الناس على مقاطعة هذا المشروع والانصراف عنه، إلى شيء كثير جدًّا لم يكن ليوفق إلى بعضه لو أنه دعا إلى المقاطعة جهرة، ورغب الناس فيها ترغيبًا، وألح عليهم فيها إلحاحًا.

نعم، يجب أن نهنئ رئيس مشروع القرش بهذه النتيجة السيئة التي انتهى إليها المشروع هذا العام، إذا كانت النتائج السيئة من الأشياء التي يُهَنَّأ بها الناس، ومَنْ يدري؟ فقد يكون بين الناس مَنْ يحرصون على أن يُهنِّئوا بالخير، فإن لم يوفقوا إليه، فهم حراص على أن يهنِّئوا بالشر؛ لأنهم يريدون أن يهنئوا على كل حال. وقد حفظت لنا الأساطير قصة ذلك الرجل اليوناني الذي أراد أن يذكره التاريخ رغم أنفه؛ فعمد إلى دار من دور الكتب فخمة ضخمة، فحرقها تحريقًا ليقول التاريخ عنه شيئًا، والنحويون يستشهدون في النحو ببيت لا يخلو من ظرف يجريه مجرى الأمثال:

إذا أنت لم تنفع فضُرْ فإنما

يُرْجَى الفتى كيما يضر وينفع

وقد كان رئيس مشروع القرش نافعًا من غير شك، حين كان يعصم مشروع القرش من عبث السياسة، ويمضي به في الطريق البريئة التي أرادها له الشباب الأبرياء، فلما أَخَذَت السياسة الآثمة تندس إلى هذا المشروع، نَبَّهَ الناس الرئيس إلى ذلك، فتنبأ على استحياء، وأظهر العناية بما نَبَّهَهُ الناس إليه؛ ولكنها — مع الأسف — لم تكن إلا عناية ظاهرة لم تُغْنِ عن الحقائق الواقعة المؤلمة شيئًا، فظلت السياسة تمضي في طريقها إلى هذا المشروع حتى أصابته بعللها وآثامها، وحتى جعل الذين ينشطون له، ويحدبون عليه، يرون ويسمعون ما كان يؤذيهم في آرائهم وعواطفهم ومُثُلهم الوطنية العليا.

هنالك أَلَحُّوا على رئيسهم أن يرد عنهم إثم السياسة وكيد السياسة، وأن يحفظ عليهم عملهم اقتصاديًّا بريئًا، شابًّا مثلهم، نقيًّا مثلهم، خالصًا مثلهم للوطن، ولكن الرئيس أعرض عنهم إعراضًا، وتجافى عن دعائهم المتصل وندائهم الملح؛ فاضطروا إلى أن يعصموا أنفسهم بأنفسهم من السياسة الآثمة، وإلى أن ينجوا بقلوبهم ونفوسهم وضمائرهم من هذا الفساد، ثم لم يكتفوا بهذه النجاة، ومتى اكتفى الشباب بالقليل؟ ومتى قنع الشباب باليسير؟

لم يكتفوا بنجاة أنفسهم، بل أرادوا أن ينجوا مواطنيهم أيضًا من هذه السياسة الخفية، التي لا تستطيع أن تظهر للناس جهرة؛ فتسعى إليهم من وراء ستار، والتي لا تستطيع أن تلقى الناس وجهًا لوجه؛ فتندس إليهم من طريق الدين، ومن طريق الاقتصاد، ومن طريق الألفاظ الضخمة التي لا تدل على شيء؛ هنالك استقال الشباب من المشروع وأعرضوا عن تأييده، ودعوا مواطنيه إلى أن يقاوموه حتى يعود بريئًا كما بدأ بريئًا، وحتى يخلص للشعب كما بدأ للشعب، وحتى يرتفع عن خدمة الأغراض الخفية لأولئك الذين يتجرون بكل شيء، ويستغلون كل شيء.

هنالك ظهر شيء لم يكن يُقدِّره الكائدون لهذا المشروع، والصائدون في الماء العكر. هنالك ظهر أن الشباب وإن كان هادئًا مستقرًّا لم ينس شبابه، ولم ينس قوته، ولم ينس جرأته في الحق، ولم ينخدع عن الذين يمكرون به ويريدون به السوء. نعم، وهنالك ظهر أن الشباب ما زال قادرًا على أن يريد فيفعل، وعلى أن يقول فيصدق، وعلى أن يدعو فيستجيب له الناس. نعم، وهنالك ظهر أن هذا العنف الذي اتصل أكثر من ثلاثة أعوام ليقتل الحرية جهرة، وأن هذا الكيد الذي اتصل أكثر من ثلاثة أعوام ليقتل الحرية غيلة؛ لم يبلغا من الحرية شيئًا في نفوس الشباب؛ لأن الحرية لا تقتل، ولأن الحرية لا تغتال، ولأن الحرية لا تخدع عن نفسها، ولأن الحرية جذوة مقدسة خالدة ليس إلى إخمادها من سبيل.

نعم، وهنالك ظهر أن جماعة الشباب ما زالت كما كانت على عهد مصر بها، لا تخدع عن الحق، ولا تدفع إلى الباطل، ولا تبلغ منها الألاعيب؛ وهنالك اضطر الكائدون لمشروع القرش، والذين اتخذوه وسيلة للسياسة إلى أن يُلْقُوا به في أحضان هذه الأحزاب التي لا قوة لها إلا بالسلطان، ولا وجود لها إلا بالسلطان، ولا سند لها من حب الشعب وتأييد الجمهور.

هنالك التمسوا لهذا المشروع دعاة وأنصارًا من الاتحاديين والشعبيين، هنالك التجئوا إلى صحف الاتحاديين والشعبيين لتؤيده وتذود عنه، بعد أن أعرضت عنه الصحف الوطنية، كما أعرض عنه شباب الوطن. هنالك نهضت الحكومة تحوط المشروع وتحميه، وهنالك أصبح المشروع عملًا حكوميًّا، أو شيئًا يشبه العمل الحكومي، ورئيس المشروع يسمع ويرى، ورئيس المشروع يشهد هذه المأساة المحزنة التي انتزعت من يد الشعب عملًا من أعمال الشعب، وألقت في أحضان الحكومة عملًا ما كان ينبغي أن تُشْرِفَ الحكومة عليه.

فإذا كان مثل هذه النتيجة شيئًا يُهنَّأ به صاحبه؛ فإِنَّا نُقدِّم لصاحب السعادة علي باشا إبراهيم أصدق التهنئة؛ لأنه قد وُفِّق إلى هذه النتيجة حقًّا. هذا الجمال الرائع جمال الشباب المخلص قد اندفع إلى العمل النافع يستحيل الآن إلى جمال آخر ليس أقل من ذلك الجمال روعة، إلى جمال الشباب اليقظ يدافع عن نفسه، ويرد عن إخلاصه وحريته وصفاء ضميره كيد الكائدين، وعبث العابثين.

إن رئيس المشروع ليعلم حق العلم أن الشر المحض لا يوجد في الأرض، فرُبَّ شرٍّ أنتج خيرًا، ورُبَّ ضرٍّ انتهى إلى نفع. وقد أُرِيدَ بالشباب شرٌّ فَجَنَى منه الشباب خيرًا، أُرِيْدَ بالشباب أن ينقاد لأغراض السياسة وكيد أصحاب الكيد؛ فأظهر الشباب أنه ليس سهل القياد. وليس هذا بالشيء القليل. أريد بالشباب أن يكون أداة من أدوات الفساد، فأظهر الشباب أنه لن يكون إلا أداة من أدوات الإصلاح، وليس هذا بالشيء القليل، فإذا كان صاحب السعادة علي باشا إبراهيم حريصًا على أن نُهنِّئه، فقد نستطيع أن نُهنِّئه؛ لأن موقفه الغريب قد أظهر لأصحاب الأغراض والمطامع أن الشباب المصري أعزُّ من أن يطمع فيه.

وبعدُ، فكم كنا نحب لطبيبنا الفذ، وجراحنا البارع، ومدير جامعتنا الناشئة أن يكون عمله كله خيرًا، وأن يكون ذكره كله حسنًا، وأن يكون حديث الناس عنه كله ثناء، فقد كان طبيبنا الفذ وجراحنا البارع خليقًا بهذا كله؛ له مكانته العليا في الطب والجراحة، لا في مصر وحدها، بل في غيرها من أقطار الأرض في الشرق والغرب، له على كثير من المصريين يد الطبيب المسعف المنقذ، وله على مصر كلها يد الرجل الذي جعل لها اسمًا حسنًا في الطب والجراحة؛ فكان خليقًا أن يكتفي بهذا، وأن يستزيد منه، وكان خليقًا أن لا يلقى من مصر إلا ما هو أهل له من الحب والإعجاب والثناء، ولكنه أبى إلا أن يتجاوز الطب والجراحة، وأبى إلا أن يتورط في الإدارة والسياسة، وأبى إلا أن يُعَرِّضَ نفسه لنتائج هذا التورط؛ فيجعل للنقد واللوم وسوء الظن على نفسه سبيلًا.

لقد كان سعد — رحمه الله — أنصح لعلي باشا إبراهيم، وأرفق به من علي باشا إبراهيم، حين أبى سعد — رحمه الله — على علي بك إبراهيم أن يرشح نفسه لمجلس النواب، وحين أبى سعد — رحمه الله — على علي بك إبراهيم أن يكون عضوًا في مجلس الشيوخ.

فليت علي باشا إبراهيم انتفع بنصيحة سعد؛ فوقف نفسه وجهده على الجراحة والطب، ولم يتورط فيما تورط فيه من الإدارة والسياسة، ولم يتعرض لما تعرض له من الزلل الذي يدعو إلى النقد واللوم.

على أن الرجل الذكي الحازم هو الذي لا يستكبر على الحق، ولا يدفعه العناد إلى اللجاج في الباطل، والمضي في الخطأ، وما زالت نصيحة سعد — رحمه الله — قائمة، وما زال الدكتور علي باشا إبراهيم قادرًا على أن ينتفع بها، وما زال الذين يحبونه — وهم كثيرون، ونحن من أشدهم حبًّا له، وضنًّا به على سخف الحياة — ينصحون له كما نصح له سعد بأن يخلص للطب والجراحة، ويدع السياسة والإدارة للذين يحسنونهما، ويحسنون حمل أثقالهما، ويصبرون على نارهما وعلى ما تجران من مكروه.

هل لطبيبنا الفذ وجراحنا البارع، وهو الآن يستريح في أسوان في الوقت الذي يعاني الشباب فيه ما يعاني من آثار تلك السياسة الطائشة التي لم يستطع لها دفعًا، هل لطبيبنا الفذ وجراحنا البارع أن ينتهز فرصة هذه الراحة؛ ليفكر ويقدر لعله يقتنع بأن سعدًا — رحمه الله — قد نصح له، وبأنه يحسن إذا استقال من مشروع القرش، وترك أمره للذين يحسنون النهوض به؟

سيقول قوم للدكتور علي باشا إبراهيم: لا بأس عليه؛ فإن المقاطعة لمشروع القرش لن تضره ولن تؤذيه، سيعرض عنه الشباب، ولكن ستؤيده الإدارة، سيعرض عنه الجمهور، ولكن ستغنيه الحكومة، فلا تخف ولا تستقل؛ فسيجمع المشروع قروشًا إن لم تجئ من أفراد الشعب؛ فستجيء من حيث تعلم ومن حيث لا تعلم.

سيقول قوم من الناس هذا الكلام للدكتور علي باشا إبراهيم، ولكنا نحب أن يعلم أنا نكره له حقًّا أن يكون أداة من هذه الأدوات التي تعمل لحزب الشعب وحزب الاتحاد، وقوم آخرين يشبهون حزب الشعب وحزب الاتحاد؛ فليتقِ الله في نفسه، وفي أمته، فإن الله لم يرد له أن يكون رجلًا حزبيًّا، وإنما أراد له أن يكون للمصريين جميعًا، ليرحْ نفسه إذن من مشروع القرش، وليفرغ للطب وكلية الطب؛ فذلك خير له وللناس.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.