بعد أن اجتازت الدراعة أوريون القناة إلى الإسماعيلية ومعها إحدى المدفعيات، وبعد أن دخل الأميرال هويت السويس، وعطل البوارج الحربية المصرية في ذاك الميناء، وهي: دنقلة وجعفرية والخرطوم، وبعد أن عطل الأسطول الإنكليزي النسافة المصرية الحربية الصاعقة وهي واقفة في ميناء بورسعيد؛ أدرك عرابي أن الإنكليز عزموا على النزول في ضفة القناة والزحف منها إلى العاصمة، فأخذ بإرسال بعض الجنود إلى تلك الجهة. فقلق الأوروبيون في بورسعيد قلقًا شديدًا؛ لأن الجنود المصرية أخذت تتحصن على نحو ستة أميال جنوبي المدينة، فطلب كل قنصل من القناصل حرسًا للقونصولاتو مؤلفًا من ٢٥ جنديًّا. فبعد أن نزل الجنود الألمان وتأهب الجنود الفرنساويون للنزول من مركبهم، ذهب دي لسبس إلى القنصل واعترض عليه اعتراضًا شديدًا، وتوصل في النهاية إلى أن أقنع الأميرال كونار بالرجوع عن عزمه، وحينئذٍ حذت السفن الأجنبية الأخرى حذو الأسطول الفرنساوي إلا الألمان. وأرسل دي لسبس إلى ابنه شارل وكيل مجلس إدارة الشركة بباريز، أن كل عمل حربي في القناة لهو عمل مضر لا حاجة إليه، وطلب منه أن يقنع وزير الحربية بأن يدعوه هو حكَمًا في هذا الموضوع؛ «لأن بعض القناصل ميالون إلى إيقاع القلق والجزع بدون أدنى سبب ظاهر.» وأرسل تلغرافًا آخر يقول فيه: «إنه أقسم للعلماء والأعيان أنه لن ينزل إلى البر جندي فرنساوي واحد ما دام هو هناك، فهو يأمل من حكومته ألا تكذِّبه.» وكان غرضه تطمين الوطنيين حتى لا يهجروا المنطقة فتُعطل أعمال القناة وتُشل حركتها.

في ٢٨ يوليو بلغ قلق أهالي بورسعيد، حتى اضطر المحافظ ووكيل المحافظة أن يلجآ إلى المراكب الواقفة في الميناء، وعيَّن عرابي من يخلفهما. ولكن قناصل الدول لم يعترفوا بهما، حتى إن القنصل الإنكليزي أنزل علَم القنصلية وطواه، وهكذا فشلت مساعي دي لسبس.

واحتج دي لسبس على وجود الدراعة والمدفعية الإنكليزية في مياه الإسماعيلية، وقال في احتجاجه إنه لا يوجد في الإسماعيلية إلا ضابط بوليس وبعض أنفار لحفظ الأمن، فإذا أُنزل الجنود كان معنى ذلك الاستيلاء على القناة؛ فالمهاجمون سيجدوننا واقفين في وجوههم نسد عليهم الطريق وليس في أيدينا سلاح. فاستنكر الأميرال الإنكليزي هذه اللهجة، ولكن دي لسبس أجابه: «نحن أصحاب شركة لا نملك سوى القوة الأدبية؛ قوة الحق والعدالة، وهي مصممة على ألا تدع عزيمتها تنحل أمام القوة الغاشمة.»

ولم تشأ الحكومة الإنكليزية أن تظهر بمظهر العسف أمام أوروبا، فاستصدرت من الخديوي إرادة سنية، بأن تحتل في القناة المواقع اللازمة لحماية حرية التجارة والسكان وتفريق الجنود الثائرة النازلة في القرب من القناة.

وفي ٤ أغسطس بعد أن دخل الأميرال هوايت السويس، أبلغ الأميرال هوسكنس دي لسبس الإرادة الخديوية، وأنبأه بأنه قد عزم على إنزال جنوده إلى البر. فلما وصل ذلك إلى دي لسبس لبس زيه الرسمي، وعلق نياشينه على صدره، وقصد إلى الدراعة أوريون ومعه ابنه فيكتور مدير الشركة ورافائيل دي روفيل رئيس مصلحة النقل بالقناة، وشرح للقبطان فيتزروي أنه لا خطر على القناة، وأن في إنزال الجنود إلى البر خطرًا شديدًا؛ لأنه يثير الوطنيين لاختراق الحياد الذي احترموه حتى الآن، وذلك ما يوقع الرعب في قلوب الوطنيين الذين يهجرون المنطقة ويحرمون الشركة الأيدي العاملة.

أما هو دي لسبس فإنه مصمم على المقاومة، فرد عليه القبطان ببعض كلمات التطمين، فلما عاد إلى البر أخذ يسكِّن الأهالي، وأرسل إلى مجلس الإدارة في باريز ليقر عمله.

ولما اجتمع مجلس الإدارة بباريز في ٥ أغسطس بحث في حياد القناة، فاعترض مندوب الحكومة الإنكليزية سناندن. وكانت إنكلترا تملك «١٧٦٦٠٢» من أسهم القناة، ابتاعتها من الخديوي إسماعيل في سنة ١٨٧٥، وكان للخديوي بحق هذه الأسهم عشرة أصوات بمجلس الإدارة، خوَّلها لدي لسبس حتى سنة ١٨٩٤؛ لأن إسماعيل كان قد قبض الكوبونات حتى تلك السنة. لكن دي لسبس تنازل عن الأصوات لإنكلترا قبل حلول الوقت، وطلب أن يكون لها ثلاثة ممثلين بمجلس الإدارة، فهذا المندوب عن الحكومة الإنكليزية قال إنه لا يرى رأي مجلس الإدارة، بدليل أن فرنسا كانت قد قررت إرسال قوة إلى القناة، وأن ألمانيا أنزلت جنودها في بورسعيد. ولكن مجلس الإدارة قرر أنه لا يحق للخديوي أن يغيِّر العهد الرسمي الذي قطعه على نفسه أمام العالم المتمدن، عندما أعلن حياد القناة وضمانة حرية تجارة العالم.

وهذه الشركة التجارية البحتة لا تستطيع أن تتابع الأعمال السياسية، فمجلس الإدارة يشترك مع رئيسه بالاحتجاج. وحمل شارل دي لسبس هذا التقرير إلى سفراء الدول وقال لكل واحد منهم إن إرسال كل دولة سفينة حربية دون إنزال الجنود إلى البر كافٍ.

***

أما أحكام الفرمان الذي كان يستند إليها الإنكليز في استصدار الإرادة الخديوية لهم بالقيام بعمل البوليس في القناة، فهي في البندين التاسع والعاشر من فرمان ١٩ مارس ١٨٦٦.

أما البند التاسع، فهذا نصه:

إن القناة وجميع ملحقاتها تكون خاضعة لإدارة البوليس المصري، وهذه الإدارة تعمل حرة طليقة من كل قيد، شأنها في أية قطعة من الأراضي المصرية، بحيث تضمن النظام والأمن العام وتنفيذ قوانين البلاد ولوائحها.

ثم البند العاشر، ونصه:

إن الحكومة المصرية تحتل في منطقة قناة السويس الأراضي التي تُعد من ملحقات هذه القناة، كل موضع وكل نقطة حربية ترى أن احتلالها لازم للدفاع عن البلاد.

ولكن الإنكليز لم يعلنوا الإرادة السنية التي استصدروها حين صدورها، حتى لا يثيروا هواجس الثوار، وحتى يمكِّنوا ولسلي من نقل جيشه إلى القناة، وكانوا حانقين على دي لسبس لصداقته لعرابي، وكان عرابي يبيح له التجوال في كل مكان، ويصحبه بالحرس ويسهِّل له نقل الأجانب، ووعده فوق ذلك كله باحترام حياد القناة، ونقد وعده.

وحملت صحف لندن حملة شديدة على دي لسبس، وطلبت من الوزارة طرده من مصر، ولكن رئيس وزارة فرنسا أبلغ سفير إنكلترا أن الحكومة الفرنساوية لا تستحسن من هذا الرجل العظيم الذي خدم الإنسانية بحفر القناة وهو يدافع عنها باسم الإنسانية. وكتبت مدام دي لسبس إلى الأوبزفر: «إن الفرق بين زوجها والحكومة الإنكليزية، أنه يدافع عن الحق والسلم، وأن إنكلترا تعتدي على الحق والسلم معًا.»

وبينما كان هذا الجدل قائمًا حول مسألة القناة، كانت حركات الجنود تتزايد؛ فالإنكليز خافوا على قناة المياه العذبة، فاحتل الأميرال هوايت وابور المياه الذي كان يغذي السويس وبورتوفيق؛ ولكنه لم يلبث أن أعاده إلى الشركة على بعض الشروط منها خزن عشرة آلاف متر مكعب في بورتوفيق.

وفي ٥ أغسطس عقد الوطنيون اجتماعًا في القاهرة، وقرروا قطع القناة البحرية في أربعة مواضع، ولكن دي لسبس توسط فألغى عرابي القرار، ولكنه عاد في ١٩ وأرسل إلى قائد الجبهة الشرقية بأن يتفق مع رئيس أركان الحرب على قطع المياه العذبة والقناة البحرية، ولكن الوقت كان قد فات دون تنفيذ أمره.

وفي ١٥ أغسطس أبلغ الإنكليز دي لسبس الإرادة الخديوية، وأبلغوها إلى جميع السلطات الملكية والعسكرية في منطقة القناة، بأن الجيش الإنكليزي أتى لإعادة النظام في مصر، وأنه قد أُذن له باحتلال المواقع اللازمة للعمل ضد الثوار، وأن كل معارضة تعتبر عصيانًا وتمردًا على الخديوي، وتعرِّض المخالفين للعقوبات الصارمة.

وفي ١٩ وكل اللورد غرنفل إلى المديرين الإنكليز في مجلس إدارة الشركة، أن يُبلغوا هذا المجلس الإرادة الخديوية طبقًا لأحكام فرمان الامتياز، وأن كل عقبة تقيمها الشركة في وجه الجيش والأسطول تفضي إلى مسئوليات خطيرة على الشركة وعمالها. وطلب المديرون الإنكليز أن النقالات الإنكليزية لا تدفع الرسوم إلا في الإسماعيلية، وأن حركة المرور تُوقف ليتسنى للنقالات الوصول بسرعة قبل مرور سواها.

وفي ليلة ١٨-١٩ أغسطس قطع الإنكليز الخط التلغرافي فأصلحه دي لسبس، ثم عرف أن الأميرال أرسل إلى إدارة الشركة أن حركة المرور أُوقفت في القناة، حتى لزوارق الشركة. ثم احتلت الجنود الإنكليزية محطة الإسماعيلية والكراكات ومكتب البوسطة والتلغراف، وأمرت البواخر التجارية بالوقوف صفًّا بالبحيرة.

وبعد منتصف ليلة ٢٠ نزلت الجنود الإنكليزية في بورسعيد، واحتلت أطراف المدينة وحصرت القشلاقات، وسلَّم الجنود المصريون بلا قتال، وسُجن على ظهر الدوارع الوطنيون الذين دل عليهم المحافظ بأنهم مع الثوار. ثم وصلت السفن النقالة التي كانت قد وقفت قبالة أبو قير ودخلت القناة، على أن تدفع الأجرة في الإسماعيلية.

وفي الوقت ذاته هاجم الإنكليز الإسماعيلية، ولكن بضجة كبيرة وقوة هائلة من جميع الأسلحة؛ لأنهم كانوا يعرفون أن في محطة نفيشة قوة عسكرية مصرية، فوجهوا إليها نيران الدراعة. وكان الأجانب خارجين من مرقص أعده أحدهم لضباط النسافة الطليانية والنسافة النمساوية فذُعروا، ثم تدفقت العساكر الإنكليزية في المدينة تطلق النار على الناس؛ لظنها أن في المدينة قشلاقًا. ثم وجهت الدراعة أوريون نارها لحي العرب، فقُتل كثيرون لأن أحد رجال البوليس ضرب جنديًّا، وفي الصباح هجم المشاة عليه، ففر الأهالي إلى الصحراء، واستمر ضرب النار طول النهار. وفي الساعة الرابعة رأوا قطارًا مقبلًا على نفيشة فحصروه بالقنابل من أمامه وورائه، ولم ينجُ منه سوى القاطرة، وأمر القبطان دي لسبس ومن معه بالبقاء في الإسماعيلية بقوله لهم: «أما الآن فأنا السيد الآمر المطلق الأمر.»

وأرسل الأميرال هويت حملة من السويس إلى الشلوفة تخفرها مدفعيتان، وكان في الشلوفة ٦٠٠ جندي مصري، فأوقعت بهم القوة، وقالت روتر إن عدد قتلاهم بلغ ١٦٢، وأُسر منهم ٦٢. وفي مساء ٢٠ كان الإنكليز قد استولوا على القناة كلها ما عدا سيرابيوم التي استولوا عليها في صباح اليوم التالي بلا قتال.

وأوقفت الشركة في اليوم التالي كل عمل في القناة احتجاجًا على أخذها بالشدة، فأخذت السفن الإنكليزية تدخل القناة بلا دليل منذ مساء ٢٠ أغسطس، فارتطمت الباخرتان أوريانت وكالابريا، ومست نقالة أخرى باخرة بضاعة واقفة في محطة الميل العاشر، وشحطت الباخرة باتاوه فسدَّت القناة بعد مرور الجنرال ولسلي إلى الإسماعيلية. وحينئذٍ طلب الجنرال ولسلي إلى الشركة أن تعود إلى العمل، فاشترط فيكتور دي لسبس أن تكون للشركة الحرية في استخدام جميع معداتها، وأن تتعهد الحكومة الإنكليزية بالتعويض عما لحق البواخر التجارية وعما ينجم عن مرور الأساطيل الإنكليزية، فقبل الجنرال والأميرال الشروط، وعادت الإدارة إلى العمل.

وغادر دي لسبس وابنه مصر في ١٢ أغسطس، وعند وصول دي لسبس إلى باريز قوبل على المحطة بالمظاهرة، فخطب في الناس وقال: «لقد قالوا عني إني عدو إنكلترا وصديق عرابي، فأنا لم أفعل إلا فعل الصديق المدافع عن مشروع عام لخدمة الحضارة وهو قناة السويس. أما عرابي الذي يصفونه بالهمجية، فإنه الوحيد الذي حافظ على حياد القناة. وإذا كانت القناة قد ظلت سليمة مفتوحة لتجارة العالم فذلك بفضله هو وحده.»

ولما استفتى الإنكليز رجال القانون منهم في استصدار الإرادة الخديوية التي تَكِل إليهم استخدام ضفتي القناة بحكم المادة ٩ والمادة ١٠ من فرمان التأسيس على ما عرفت، استفتت الشركة قلم قضاياها، فأفتى في ١٩ أغسطس بأنه لا يجوز في حال من الأحوال إقلاق الشركة في حرية استثمار امتيازها، وأنه ليس للخديوي إلا حقوق مزعومة، وهو في كل حال محروم من انتداب من يتولى سلطته، وأن الحكومة الإنكليزية وهي مساهمة يجب عليها احترام المرافق المشتركة، وأن تخضع للفرمانات التي ينفِّذها الممثلون الشرعيون للشركة. وحثوا الشركة على أن تحتفظ لنفسها بحق المطالبة أمام الهيئات المختصة بالتعويضات والأرباح التي تقع خسارتها وضياعها على الحكومة الإنكليزية ما دامت مساهمة بالشركة.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.