الشكوى عامة هذه الأيام من هبوط المسرح والسينما. فإذا سألتَ العاملين في الحقلين عن تفسيرٍ، حدَّثُوك بإسهاب عن نوعية الجماهير الطارئة، ممن تحسَّنَتْ أحوالهم المادية تحسنًا خارقًا للمألوف، بعد فقر تاريخي طويل، بسبب الظروف الاقتصادية الراهنة، والحق أنه كان يوجد دائمًا نوعان متجاوران في كل فن.

كان يوجد مثلًا مسرح خاص ومسرح شعبي، فإلى جانب مسرحيْ رمسيس وفاطمة رشدي وجدت مسارح روض الفرج، كذلك كان يوجد الغناء الخاص والغناء الشعبي، وأفلام ذات مستوى، وأفلام دون المستوى. والجديد في الأمر هو تراجع الفن الجاد؛ فن الصفوة المطحونة بالأزمة الاقتصادية؛ فاختل التوازن حتى ظنَّ البعض أن ظاهرةً جديدةً اكتسحت العالم الفني.

والأمر في جملته لا يدعو للتشاؤم المطلق، بل لعله لا يخلو من جوانب إيجابية؛ فيجب أن نعدَّ تحسن أحوال الكادحين ظاهرة طيبة، وأن نشكر الظروف صاحبة الفضل في ذلك، فهم جمهرة شعبنا التي طالما تمنينا لها حياة أفضل. ثم إن تعلُّقهم بالمسرح والسينما — مهما تكن نتائجه المرحلية من الناحية الفنية — ظاهرة إيجابية أخرى لا ينعدم فيها الحسُّ الفني. وبفضلهم أصبحت المسرحيات تعرض أعوامًا، والأفلام شهورًا. وسوف يلحق بالتحسن المادي تحسنٌ تعليمي وثقافي في الجيل الثاني من الأبناء، وسينشئون وقد أصبح المسرح والسينما من تقاليدهم الأسرية، فيكونون دعامة لفن أرقى في مستقبل غير بعيد. فلا تحتقروا فنهم؛ فهو الفن الذي يناسب نشأتهم الفطرية، والذي لا حيلة لهم في الاستجابة إليه.

والأولى بالمؤلفين الغاضبين أن يدرسوا أذواقهم، لا ليهبطوا إليها دون قيد أو شرط، ولكن لابتكار صيغة جديدة توفِّق بين فكر المؤلف الجاد وذوق الجمهور الفطري، ولعله الفن المنشود في هذه المرحلة من تطورنا الاجتماعي.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.