لا أعرف كيف حياة أهل الثراء والسعة والخفض فإني لست منهم، ولا عهد لي بهم، وإنما أنا من الشعب وإليه، وقد نشأت فقيرًا، وما زلت — بحمد الله — أفقرَ الفقراء إلى الله وعونه، وأبغض الناس إليَّ وأثقلهم على نفسي المتطري المتدلِّل.

ولكني أعرف حياة الأوساط العاديين من أمثالي، وهي في الأغلب والأعم جافة قابضة خانقة مع الأسف؛ لأن القاعدة التي تقوم عليها مقلوبة، والقضية فيها معكوسة، فالرجل يعتقد أنه ينبغي أن يكون في بيته السيد الآمر المطاع، ولست أنكر عليه ذلك؛ فإن هذا حقه على أن يعرف كيف يستعمله دون أن يُغفل واجبه، فإن كونه هو رب البيت أو سيده ليس معناه أن الذين معه فيه عبيد أرِقَّاء وخدم أذِلَّاء، وما أكثر ما يكون معنى السيادة علو الصوت، وكثرة الصياح، وسرعة الغضب، وعنف المقال، وشدة الزجر. ونرى الرجل يكون في بيته ومع زوجته وبنيه كالِحَ الوجه مقطَّب الجبين، شكسًا شرسًا، حتى إذا خرج تطلَّق وجهه، وأشرقت ديباحته، وكثر ضحكه، وصار خير أنيس وأظرف جليس، فالنفخة الكذابة والمرح للإخوان دون الأهل.

وهذا الحال المقلوب يرجع إلى أمرين على الخصوص فيما أرى: الأول الخطأ الشائع بين الأوساط العاديين، وخلاصته أن المرأة لا يجوز معها إلا الشدة، وأن ذلك أجدى، وطريقة أقصر من تكلُّف سياستها بالحكمة والحسنى. وما زلت أذكر قصة قصها على قريب لي وأنا حدث، وأكبر ظني أنه أراد أن يعظني ويدلني على النهج الأقوم، قال إن «جُنديًّا» من الأتراك القدماء تزوج، فلما كانت ليلة الجلوة، ودخل على امرأته، وجلس معها إلى المائدة رأى قطة، فاستل سيفه وضرب به عنقها، ثم مسح الدم وأغمده فريعت المرأة المسكينة واستقام أمرها بعد ذلك! وأحسب أن كثيرين، حتى ممن لم يسمعوا بهذه القصة، يُؤثِرون أن يكونوا مع زوجاتهم على هذا النحو؛ أي وحوشًا تُخشى ويُتَّقَى شرها لا بعولًا تُحب وتُحترم.

وقد يستطيع الرجل أن يكون مرهوب الجانب كهذا «الجندي» السياف، ولكن امرأته إذا كانت ذكية أديبة تستطيع أن تَركبه كالحمار وتدعه يتوهم أنه هو السيد الذي تُفزعها نظرته، وتصعقها صيحته، بل لعلي لا أعدو الحقيقة والواقع حين أقول إن مثل هذا الرجل لا يكون زمامه إلا في يد امرأته وهو لا يدري — أو يدري ولكنه لا يعرف له حيلة إلا أن ينقاد — ثم يروح يتعزى بأن يُظهر الغطرسة والتجبر من حين إلى حين، وهو واثق أن امرأته لا يشق عليها أن تلين له مرة وتسايره وتحاسـنه ليسلس لها قياده في غير ذلك وفيما هو أهم عندها.

والأمر الثاني الذي يرجح هذا السلوك الأعوج هو ظن الكثيرين أن الاحترام لا يكون إلَّا بالجهامة والشتامة، وأن التبسط أو المرح يُضيع الهيبة وأن التَّفَكُّهَ يُنافي الوقار، وأنا ما أظن إلا أن العكس هو الصحيح؛ أي إن تكلف الجهامة بلا موجب تُغري بالسخرية، وأن الحرص على مظاهر السمت والأبهة في غير موضعها — أو ما يسميه العامة النفخة الكدابة — تجعل المرء عرضة استهزاء وعبث، وما على من يشك في ذلك إلا أن يجعل باله إلى الأطفال في البيوت وكيف يقلدون الكبار، فلن ترى طفلًا يقلد كبيرًا من أهل الظرف والدعابة والمرح، وإنما يقلد من يتكلَّف الوقار وصرامة الجد ومن ينفره بالعبوس والزجر.

وقد كُنَّا تلاميذ صغارًا فلم يكن أبعث لنا على التشيطن من المعلم الصخب الذي لا يقدر على كَفِّ جفوته وشراسته وصلفه؛ فكنا نرسمه على السبورة على هيئات مضحكة، ونكتب له بالطباشير الملون على الجدران كلامًا مزريًا، ويقف بعضنا في الصف أو الفصل فيروح يقلد حركاته وإيماءاته ولهجته ومشيته ونفخته، وكنا قَلَّمَا نهدأ أو نُحسن الإصغاء إلى درسه، وكنا ربما بلغ من اجترائنا عليه أن نقلده على عينه فإذا دعا أحدنا إلى القراءة مثلًا أو ألقى عليه سؤالًا، نطق كما ينطق، ونفخ أوداجه كما ينفخها فينفجر التلاميذ ضاحكين، ويطير عقل المعلم ولكن ماذا يصنع؟ وكنا ربما ركبناه بشر من هذا العبث الخفيف المحتمل، فيستجير ولا يجير، ويلجأ إلى الناظر شاكيًا متسخطًا فلا يجديه ذلك بل يؤذيه أن يعرف الناظر أنه لا يستطيع أن يحفظ النظام وأنه لا احترام له عند التلاميذ. أما المعلم الظريف اللطيف فكنا نُقبل على دروسه ونطيعه لأنه يشعرنا أن بيننا وبينه صلة مودة، ولأنه ينعش نفوسنا بما يفيضه على درسه من المرح الخفيف.

وما يقال عن الرجل يقال مثله عن المرأة؛ فإنها لا تبرأ من التبعة عن ثقل وطأة الحياة في بيتها وجفافها ويبسها، والبيت مملكة المرأة كما يقولون لأن الشأن فيه كله أو معظمه لها، فكيف تسوس هذه الدولة الصغيرة؟ لا شك أن هناك سيدات فضليات يُحْسِنَّ سياسة هذا الملك الصغير، ولكنه لا شك كذلك في أن اللواتي لا يُحْسِنَّ السياسة أكثر من اللواتي يُحْسِنَّهَا، ولك أن تقول إنهن هُنَّ الجمهور الأكبر والسواد الأعظم، ومنهن من تؤدي عملها المنزلي بنفسها ولا تَكِلُهُ إلى خادمة أو خادم، ولكنها قَلَّمَا تبدو في بيتها إلا في مباذلها، فلا ترتدي ثوبًا مقبولًا إلا لتخرج أو لتستقبل ضيوفها، وقَلَّمَا تكف عن الشكوى مما تعاني، وقلما تجلس إلا على هيئة منفرة، وخدها على كفها، وقد تكون معذورة إذ هي ضجرت وسئمت واشتكت من التعب والعناء.

ولكن الرجل ليس أحسن منها حالًا؛ فإنه هو أيضًا مكدود مرهق سأمان وليس مما يخفف عنها أو عنه أن تتلقاه هكذا: الثياب رثة، والخد على الكف، والعين كالزجاجة لا معنى فيها ولا حياة، والوجه ساهم والشفتان مطبقتان، فإذا نطقت تأففت وتوجعت وتكلمت بكلام الضجر والتعب، وإذا حاول أن يلاطفها ويمازحها رَجَتْ منه — إذا كانت فيها رقة وأدب — أن يدعها لحالها، وإذا كانت طويلة اللسان شكسة الطباع أسمعته ما يكره، وألطف ما تقول له: «اذهب إلى غيري فمازحها فإني لا أحب المرح.» ويدور الرجل يَنْشُدُ ما يسليه ويُرَفِّهَ عنه فلا يجد شيئًا، حتى الحديث الطيب لا يفوز به، أفليس معذورًا إذا فَرَّ من البيت إلى المقاهي؟

ولست أُبَرِّئُ الرجل فإنه شَرٌّ من امرأته، وفي وسعه أن يروضها على ما يوافقه، ولكنه نشأ فألفى البيت هكذا قابضًا خانقًا فجرى على سنة أبية وراح مثله يعد البيت سجنًا أو فندقًا للنوم ومطعمًا على أحسن الوجوه.

والبنون والبنات مصيبتهم كبيرة: لا يسمعون إلا الشتم والتوبيخ واتهامهم بقلة الحياء وسوء الأدب كلما تحركوا أو ضحكوا أو لعبوا، كأنما لا بد أن يكونوا دُمًى وأصنامًا في السن التي تكون حيواتهم فيها مظهرها الأكبر حركة البدن.

ونحن أمه فيها فكاهة قوية، ومع ذلك نحيا حياة تقصر العمر، ومن الخطأ أن يظن أحد أن المرح خارج البيت يُغني عنه في داخله؛ لأن البيت هو الأصل والحياة فيه هي التي عليها المعول، أما ما يظفر به خارجه فبمثابه «التصبيرة» أي شيء يستعين به الإنسان على الاحتمال والصبر حتى يعود إلى بيته فيظفر بما كان يتطلع إليه ويتشدد ويتجلَّد حتى يجيء أوانه.

والمرح يطيل العمر — هذا ظني، بل يقيني — والأعمار بيد الله، ولسنا نعرف ما كتب الله لنا في لوحه وغيبه، ولكنا نعرف أن المرح يشرح الصدر ويصلح ما يتلفه الكَدُّ من الأعصاب، ويجعل المرء أصفى ذهنًا وأقوى على العمل ومواصلة الكدح وأكثر جَلَدًا وأقدر على المقاومة والكفاح وأقل استعدادًا للتهافُت والتضعضع.

وليس المرح من الاستخفاف، فالرجل المرِح لا يُعَدُّ قليل الاحتفال بالأمور الجدية أو سيئ التقدير لها؛ لأن صحة التقدير لا تنافي إعطاء النفس حقها من السرور الذي يشد الأعصاب ويصلحها ويعالج تلف الأنسجة في البدن، ولماذا نسمع الموسيقى والغناء ونشهد الروايات الفكاهية وما إلى ذلك؟ ولماذا نقسم حياتنا هذه القسمة العجيبة، فنجعلها في البيوت كربًا عظيمًا وهمًّا ثقيلًا، وخارجها مرحًا وطربًا، والعكس أولى؛ فإن البيت سكن، والذي فيه أعز الناس علينا وأحبهم إلينا، فهم أحق بأن نجعل حياتنا معهم كلهم بهجة وبشاشة وسرور. كان لي صديق أغناه الله عن الكدح في سبيل الرزق، وكانت داره من الطراز القديم، «فالحريم» له جناح، والرجال لهـم جناح مستقل، وكان يندر أن يبرح بيته، ولم يكن له أولاد، فليس في البيت إلا زوجته وخدمه من النساء والرجال، فكان إذا استيقظ ضحى، يخرج إلى جناح الرجال فيبقى فيه إلى الهزيع الثالث من الليل، يتغدى وينام، ويشرب قهوة العصر، ويقبل زواره فيجالسهم ويحادثهم ويمازحهم، ويتعشى وحده أو مع من يشاء من ضيوفه، ويقضي بقية السهرة مع من يبقون ممن يطيقون السهر، أو بمفرده، ثم يدخل لينام.

وكنت أستغرب حياته هذه وأستهجنها، ويدركني العطف على زوجته المسكينة، وألومه على ذلك، وأقول له فيما أقول: إنك لا تعدُّهَا زوجة وإنما تعدها «أنثى» اتخذتها في بيتك، وإني أخشى عليها، فيسخر مني ومن فلسفتي، غير أن زوجته المسكينة جُنَّتْ؟ ولعله لم يكن يحبها، فما أدري، ولكن لماذا كان يمسكها إذن؟ وقد كان بادي الرضى بحياته هو، ولكن الزواج مشاركة، وليس من العدل أن يستأثر الرجل بما فيه له رضوان؛ فإن لامرأته حقًّا في ذلك.

احرصوا على المرح في بيوتكم؛ فإنه لا يغني عنه ما تظفرون به خارجها.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.