وهذا بيت آخر تحفظه الأجيال من تلاميذ المدارس، لا تستطيع أن تُفلت منه أو تجد من حفظه مهربًا، وهي من أجل ذلك تنساه أو تحاول أن تنساه حين تتقدم بها السن قليلًا؛ لأنه يذكِّرها بالمدرسة ويردُّها إلى دروس النحو ويُحضر أمامها صورًا مختلفة للمعلمين الذين يتخذون العمائم أو الطرابيش والثياب الضيقة أو الثياب الواسعة، والذين ينطقون في لهجة المتأنقين المتحذلقين أو في لهجة المتحفظين المتزمتين، والذين يُعربون ويعلِّمون التلاميذ كيف يعربون قول الشاعر:

ألا ليت الشباب يعود يومًا

فأخبره بما فعل المشيب

ولست أظن أن مصريًّا يحسن القراءة والكتابة، وقد مرَّ بمدرسة من المدارس الابتدائية الأميرية أو الحرة، يستطيع أن يقول إنه لم يلقَ هذا البيت في طريقه أثناء الدرس، ولم يشقَ بحفظه وتكراره وإعرابه، فهو من أبيات النحو الابتدائي التي يرويها المعلمون لتلاميذهم مثلًا وشاهدًا على أن الفعل المضارع ينصب إذا اقترن بفاء السببية بعد أداة من أدوات التمني أو الرجاء. وكنَّا في أيام الصبا نشقى بهذا البيت وأمثاله حين كان المعلِّمون يزعمون لنا أن بين الفعل والفاء «أن» مضمرة لا تستطيع أن تظهر. ومنَّا من كان يسأل نفسه: ما الذي يمنعها من أن تظهر؟! ومنَّا من كان يذهب في هذا الإضمار والاستتار مذاهب مختلفة ويلتمس لها عللًا متباينة، ولكننا لم نكن نفهمه على كل حال. فكان البيت مع ذلك يعجبنا ويرضينا؛ لأنه قريبٌ من أفهامنا، يسيرٌ على أذواقنا، لا نجد في ألفاظه ولا في معانيه مشقةً ولا جهدًا، نحفظه في غير عسر، وننشده في غير تكلف، ونفهمه في غير عناء، ونعجز مع ذلك عن فهم ما كان المعلمون يقولون لنا من استخفاء «أن» هذه بين الفاء والفعل، وحرصها على ألا تظهر أو عجزها عن أن تظهر.

ولست أظن أن مثقفًا مرَّ بالمدارس الابتدائية يستطيع أن يذكر هذا البيت دون أن تظهر على ثغره ابتسامة خفيفة سريعة؛ لما يذكر من عناء المعلمين في الإفهام وعناء المتعلمين في الفهم، وشقاء أولئك وهؤلاء بهذا الحرف المضمر المستخفي في غير حاجة إلى الإضمار ولا إلى الاستخفاء.

وكثير من الناس الذين تقدمت بهم السن، وشقَّت عليهم حياة الكهول وحياة الشيوخ، وأدركهم هذا الضعف الجسمي والنفسي الذي يحول بينهم وبين آمال الشباب ولذاته، ولا يبقى لهم من تلك الآمال وهذه اللذات إلَّا ذكريات مختلفة، ولكنها حزينة تثير في نفوسهم اللوعة على ما فات واليأس مما هو مقبل، والأسف على أنهم لا يستطيعون أن يستقبلوا من أمورهم ما استدبروا، وأن يستأنفوا من آمالهم ولذاتهم ما مضى، فلم يبقَ إلى استدراكه من سبيل.

فهم يتحدثون بما أبلوا في هذا الموقف أو ذاك من مواقف الفرح والمرح والنشاط، ويعجزهم عن أن يبلوا هذا البلاء وعن أن يقفوا هذا الموقف وعن أن يداعبوا أملًا أو يصيبوا لذةً أو يحاولوا نشاطًا؛ تقعد بهم السن ويردهم الضعف عن كل ذلك، فهم لا يستطيعون إلَّا أن يذكروا ويتفكروا ويحزنوا على أنفسهم، ويقولوا في هذه اللهجة البائسة اليائسة:

ألا ليت الشباب يعود يومًا

فأخبره بما فعل المشيب!

وهم واثقون في حزنٍ يائس أو يأسٍ حزين بأن الشباب لن يعود في يوم من الأيام، وبأنهم لن يخبروه مما فعل المشيب بقليل أو كثير. وما أكثر ما يودون لو عاد إليهم الشباب أو الصبا، ورأوا أنفسهم جالسين في فصول المدارس الابتدائية أو الثانوية قد أقبلوا على المعلم أو أعرضوا عنه، وهو يفسر لهم معنى التمني والرجاء، ويفسر لهم فاء السببية وواو المعية، ويدلهم على مكان «أن» هذه المضمرة المستخفية التي لا تستطيع ولا ينبغي أن تظهر لا في شعر ولا في نثر؛ لأن النحو قد فرض عليها أن تستخفي في شيءٍ كثيرٍ من الاستحياء، بحيث يفترض وجودها أو يقطع بوجودها دون أن تراها العين حين تقرأ، ودون أن تحسَّها الأذن حين تسمع، ودون أن ينطق بها اللسان حين ينشد. قضيَ عليها أن تحضر وهي غائبة، وأن تغيب وهي حاضرة، وأن تكون أشد استخفاء واستحياء من صاحبة بشار تلك التي يقول فيها:

صدت بخد وجلت عن خد

ثم انثنت كالنفس المرتد

ولكني أذكر هذا البيت وأذكِّر به الذين حفظوه ثم نسوه، وهم يودُّون لو عادوا إليه أو عاد إليهم لمعنًى لم يخطر لصاحبه حين أنشأه، ولم يخطر لأحد من قرائه ورواته حين ينشده، ولم يخطر للمعلم حين يفسره ولا للمتعلم حين يشقى بتأويله وتعليله، وهو معنى الندم.

الندم، لا على ما فات من لذات الشباب المادية والمعنوية، ولا على ما ضاع من الآمال والمآرب، ولا على هذا النقص الذي يصيب الكهول والشيوخ حين تتقدم بهم السن، فيعجزون عما كانوا يقدرون عليه حين كانوا يستقبلون الحياة باسمين لها، وحين كانت الحياة تستقبلهم باسمةً لهم، بل على آمال تحققت وقد كان ينبغي لها ألَّا تتحقق، ومآرب قضيت وقد كان ينبغي لها ألَّا تقضى، ومنافع أُدركت وقد كان ينبغي لها ألَّا تدرك؛ لأن في تحقق تلك الآمال نقصًا من نفوسهم، ولأن في قضاء تلك المآرب غضًّا من أقدارهم في أنفسهم وفي أنفس الناس، ولأن في إدراك هذه المنافع ضررًا أي ضرر يصيبهم في أنفسهم ويصيب مواطنيهم في أوطانهم، ولأنهم خطوا حين حققوا تلك الآمال وقضوا تلك المآرب، وأدركوا هذه المنافع خطواتٍ حاسمةً لا سبيل إلى تداركها ولا إلى إصلاح ما نشأ عنها من السيئات والآثام.

انظر إلى ذلك الشاب الذي كان في طور الشباب جذوة من نار، لا يرضى عن شيء ولا يرضى بشيء، وإنما هو ساخط دائمًا طامح دائمًا ناظر دائمًا إلى أمام، مُستَخِفٌّ بما حوله من الأشياء، وبمن حوله من الناس. يرى أن الشيوخ والكهول قد رضوا بالقليل وقنعوا بما لا يقنع به الرجل الكريم، واطمئنوا إلى ما لا يطمئن إليه أصحاب الأنفة والإباء؛ فهو ثائر على الشيوخ والكهول، طامع في أن يجدد كل شيء، وفي أن يثب بنفسه وبوطنه إلى ما لم تستطع الأجيال الماضية أن تبلغ من منازل العزة والكرامة والاستقلال.

وهو من أجل ذلك صريح كأشد ما تكون الصراحة في مخاصمته للقديم وإنكاره للحاضر من حوله، عنيفٌ كأشد ما يكون العنف في مطالبته بالتجديد والتغيير؛ لا يرضى عن السياسة؛ لأنها راكدة خامدة، ولا يرضى عن الثقافة؛ لأنها هامدة جامدة، ولا يرضى عن النظام الاجتماعي؛ لأنه ظالم جائر. وهو لا يطمئن إلَّا إذا خرجت السياسة عن خمودها وركودها ونشطت أعظم النشاط، فضمنت للمواطنين حريتهم في وطنهم، وضمنت لهم حريتهم بالقياس إلى الأجنبي المحتل الغير، ودفعتهم بهذه الحرية إلى أن يجدوا ويعملوا في غير تقصير ولا قصور، لا يبلغون منزلة إلَّا سعوا إلى منزلةٍ أسمى منها، ثم هو لا يرضى عن الثقافة حتى تخرج من همودها وجمودها، وحتى تمتلئ القلوب والعقول علمًا وأدبًا بعد أن مُلئت جهلًا وغفلةً وبلادةً وذهولًا!

وهو لا يؤمن للنظام الاجتماعي حتى يمسه الإصلاح من جميع جوانبه، فتمتلئ الأرض عدلًا كما ملئت جورًا، ويطعم الجائع ويكتسي العاري، ويصح المريض. كأنه جذوة مضطرمة من نار، يضيق بالسياسة الراكدة والثقافة الجامدة والنظام الاجتماعي الجائر، ويريد أن يتغير من حوله كل شيء. ثم هو الآن وزير أو شيء يشبه الوزير، قد أصاب من المال والمنصب والجاه ما أرضاه، وكان الظن به ألَّا يرضى، وما أغناه وكان الظن به ألَّا يغنى، وما أقنعه وكان الظن به ألَّا يقنع.

فهو راضٍ عن السياسة مهما يكن حظُّها من الركود، بل هو حريصٌ على أن تمعن في الركود إمعانًا؛ لأن نشاطها يضره ولا ينفعه. وهو راضٍ عن الثقافة مهما يكن حظُّها من الخمود، بل هو حريصٌ على أن تمعن في الخمود إمعانًا؛ لأن اضطرام جذوتها يؤذيه ولا يرضيه. وهو راضٍ عن النظام الاجتماعي وإن تهافت الناس من حوله في الموت جوعًا وبؤسًا كما يتهافت الفراش في النار، لا يعنيه أن يمسه نار الإصلاح من أي طرف من أطرافه؛ لأن تطور النظام الاجتماعي إلى العدل لا يتيح له ما يتمنى من اجتماع المال إلى المال وتكدس الثراء إلى الثراء، وثق بأنه لا ينشد ولا يحب أن ينشد ولا يحب أن يسمع هذا البيت:

ألا ليت الشباب يعود يومًا

فأخبره بما فعل المشيب!

لأنه يشفق إن عاد إليه الشباب أن يلومه أشنع اللوم وأبشعه، وأن يظهره من التناقض بين حياته الأولى وحياته الأخيرة على ما يقض مضجعه وينغص عليه حياته تنغيصًا، وبماذا تريد أن يخبر الشباب إذا عاد إليه؟ أيخبره بأنه كان يحب الحرية ثم أصبح يؤثر عليها الاستبداد؟ وكان يحب الثقافة فأصبح يحب مكانها الجهل؟ وكان يحب العدل فأصبح يفضل عليه الجور؟!

وذلك الشاب الذي لم يكن يحفل بسياسة ولا بثقافة ولا بعدل؛ لأنه لم يكن يفكر في الشئون العامة، وإنما كان مقبلًا على العلم للعلم، وعلى الفنِّ للفنِّ، وعلى الأدب للأدب، لا يعنيه إلَّا أن يمعن في المعرفة وينتج يومًا ما من الأيام ما ينفع الناس ويرضي حاجته هو إلى الإنتاج. ثم ينظر ذات يوم فإذا ظروف الحياة قد دفعته إلى منصب من المناصب، وعمل من الأعمال العامة، فألقى بينه وبين العلم والفن والأدب أستارًا صفاقًا، لا سبيل إلى رفعها ولا إلى النفوذ إلى ما ورائها. ماذا تريد أن يقص على الشباب إن عاد إليه؟! أتريد أن يقص عليه أنه يؤثر الجهل على العلم، وغلظ الذوق على رقته، وكدر الطبع على صفائه؛ لأن المناصب والأعمال والأموال لا تحب العقول العالمة، ولا الأذواق الرقيقة ولا الطباع الصافية إلَّا قليلًا؟!

كنت أتمنى أن يغري اللَّه بجماعة من هؤلاء الشيوخ جماعة من تلك الهواتف التي تتحدث بها الأقاصيص، فلا يقبل أحدٌ من هؤلاء الشيوخ على نومه حين ينام، ولا يقظته حين يستيقظ، ولا على عمله حين يعمل ولا على كسله حين يكسل، إلَّا سمع هذا الهاتف يلقي في أذنه بصوت يبلغ أعماق نفسه فيهزُّها هزًّا ويملؤها حزنًا وندمًا:

ألا ليت الشباب يعود يومًا

فأخبره بما فعل المشيب!

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.