الحديث عن الاقتصاد والقرارات الاقتصادية هو غالبًا حديث عن المستقبل،‏ فأنت تعمل اليوم من أجل تحقيق نتيجة في المستقبل القريب أو البعيد،‏ فقَلَّ أن يتعاصر الجهد والعمل مع النتيجة أو الثمرة‏،‏ والغالب أن يفصل بينهما فترة زمنية‏.‏

فالفلاح في أرضه يبذر ويحرث ويروي من أجل ظهور المحصول وبيعه بعد فترة من الزمن، والكثيرون يدَّخرون اليوم لمواجهة متطلبات المستقبل والظروف الطارئة، وما ينطبق على الفرد يسري أيضًا على الأمم، فالدولة تستثمر اليوم في بناء المصانع، أو إقامة المدارس، أو محطات الكهرباء، من أجل تحقيق الرخاء لأبنائها في المستقبل، وهكذا يتحدد جوهر الاقتصاد باتخاذ قرارات اليوم من أجل تحقيق نتيجة في المستقبل القريب أو البعيد. ولكن المستقبل ليس أمرًا معروفًا ولا مضمونًا أو مؤكَّدًا، فالتعامل مع المستقبل هو تعامل مع المجهول — على الأقل جزئيًّا — فلا يقين في المستقبل، ولكن في الأمر درجات، فالمستقبل إذا لم يكن معروفًا بالكامل، فهو أيضًا ليس مجهولًا بالكامل.

وهناك أولًا قوانين السببية، فالنتائج المتحققة ترجع إلى أسباب أدَّت إليها، فإذا لم تفعل شيئًا يصعب أن تحصل على شيء، إلا بطريق الصدفة، فمَن لم يزرع فإنه لن يحصد أيضًا. وقد اكتشف الإنسان من خلال تجربته التاريخية الطويلة العديدَ من علاقات السببية، والتي تتحقق فيها النتائج من أسبابها، وقد ساعده ذلك على وضع العديد من القوانين العلمية، ففي العلوم الاجتماعية، والتي يصعب ضبطها في معمل أو مختبر، فإن عدد المتغيرات المؤثرة تكون كثيرة بدرجة يصعب معها الوصول إلى نتائج يقينية أو حتمية، ومع ذلك، فإنه مع الأعداد الكبيرة يمكن استخلاص العديد من القوانين الاجتماعية الاحتمالية؛ فأنت قد لا تعرف ما إذا كانت الأم الحامل سوف تنجب ذكرًا أم أنثى، ولكن على مستوى القطر أو حتى على مستوى المحافظة، فأنت شبه متأكد أن أكثر قليلًا من نصف المواليد سيكونون من الذكور والباقي من الإناث، وهذه حقيقة مستقرة إحصائيًّا في معظم دول العالم، وهي تصدق على الجماعة، ولكنها لا تصلح للتنبؤ لشكل المولود في أسرة معينة. وبنفس المنطق يستحيل أن تعرف مقدمًا وأنت تبني مصنعًا جديدًا، عما إذا كان هذا المصنع سوف يتعرض لحادث حريق في السنوات الخمس الأولى أم لا، أو ما إذا كانت سيارتك ستتعرض لحادثة مرور؟ ولكن هناك، في معظم الدول، بيانات إحصائية عن نسبة الحرائق في المصانع، أو عن حوادث السيارات. فنحن هنا لسنا بصدد معرفة يقينية عن أوضاع مستقبلية لمصنع محدَّد أو سيارة بعينها، وإنما هي معرفة احتمالية في مجتمع معين عن حوادث الحريق أو إصابات السيارات، وهذا هو ما يُعرَف بقانون الأعداد الكبيرة؛ فما هو ظنيٌّ واحتماليٌّ بالنسبة للفرد، يكاد يصبح يقينًا بالنسبة للأعداد الكبيرة، وعندما نتعامل مع المستقبل فإننا لا نقتصر فقط على الحقائق اليقينية، بل يكفي الاعتماد على تلك القوانين الاحتمالية للأعداد الكبيرة.

وقد أقام الاقتصادي الأمريكي فرانك نايت F.Knight تفرقة هامة بين ما أطلق عليه «المخاطر» من ناحية، «وعدم اليقين» من ناحية أخرى، ورغم أن كلًّا منهما يتعلق بمعرفة ظنية غير مؤكَّدة عن المستقبل، فإن «المخاطر»، ورغم أنها أيضًا احتمالية، فإنها تتميز بأنها تخضع لنوع من التوزيع الإحصائي الاحتمالي. أما بالنسبة «لعدم اليقين»، فإننا نكون بصدد أوضاع مستقبلية مجهولة تمامًا، وليس لدينا أدنى فكرة عن نسبة احتمالات النجاح أو الفشل؛ فنظرية الاحتمالات، وإن لم تقضِ على «المجهول» كلية، فإنها تقدِّم قياسًا لهذا المجهول بنسبة معينة.

ويرى نايت أن الأفراد مستعدون في تعاملهم مع المستقبل لقبول «المخاطر»، والاكتفاء بمعرفة احتمالات للنجاح، وبقدر نسبة هذا النجاح، ولكنهم — على العكس — لا يقبلون المخاطرة والتعامل مع «عدم اليقين»، حيث لا توجد أيُّ مؤشرات عن نِسَب احتمال النجاح والفشل. فالإنسان يقبل «المخاطرة المحسوبة»، ولكن لا يقبل الإقدام على شيء غير محدَّد المعالم، فإذا لم تكن الرؤية الكاملة مطلوبة، فإن العمى الكامل غير مقبول.

وتلعب المؤسسات المالية دورًا مهمًّا لتقليل المخاطر في المجتمع، سواء تعلَّق الأمر بمخاطر الخسارة أو الفرص المتاحة، فنظرًا لأن المخاطر، وإن كانت غير يقينية، فلها توزيع إحصائي معروف، وبالتالي يمكن التعامل معها وتحمُّل مخاطرها «المحسوبة»، من خلال تجميع هذه العمليات وتوزيعها على مجموعات كبيرة، وهذا ما تقوم به المؤسسات المالية الوسيطة من بنوك وشركات تأمين وصناديق رأس المال المخاطر. كيف؟

يقوم المدَّخِر الفرد بتجميع مدخراته للمستقبل، وهذه المدخرات تُعتبَر المصدر الرئيسي لتمويل الاستثمارات، ولكن المدَّخِر الفرد لا يعرف فرص الاستثمار المتاحة، ومعرفته بالمستثمرين محدودة، وإذا تعرَّض للخسارة فمعنى ذلك أن تضيع مدخراته، وفضلًا عن ذلك فكثيرًا ما تكون مدخراته قليلة لا تكفي لتمويل مشروع أو عملية، فماذا يمكن أن نفعل للاستفادة من هذه المدخرات وتقليل المخاطر التي يتعرض لها المدَّخِر؟ هنا تقوم المؤسسات التمويلية الوسيطة من بنوك وشركات استثمار بتجميع مدخرات الأفراد، وبالتالي توفير مبالغ كافية للاستثمار، وتقوم بعد ذلك بالاستثمار وتوزيعه على عدد كبير من المستثمرين، وبالتالي فإن مخاطر الاستثمار عند فشل أو إخفاق أحد المستثمرين ستكون بنسبة محدودة، ولا تهدد مجموع المدخرات؛ نظرًا لتوزيع هذه المخاطر على عدد كبير.

ولكن ماذا عن الفرص الاستثمارية التي تلوح أمام أصحاب المشروعات، وخاصة المشروعات الصغيرة؟ من المعروف أن هناك نسبة عالية من فشل المشروعات الصغيرة، ولكن بالمقابل هناك عدد لا بأس به من الأفكار الجديدة من المشروعات الصغيرة التي تمثِّل أملًا واعدًا، ولكن المخاطرة كبيرة؛ لأننا لا نعرف مقدمًا أيَّ هذه المشروعات سوف ينجح، وأيًّا منها سوف يفشل، ومع ذلك فإن التجربة أثبتت أن هناك نسبة معقولة من فرص النجاح، فماذا يمكن عمله من جانب صناديق رأس المال المخاطر؟ إنها تستثمر في عدد كبير من المشروعات الصغيرة الواعدة، بأمل أن ينجح منها عدد ولو محدود، لكي يعوِّض هذا النجاح عن احتمالات الخسائر في المشروعات الأخرى. وقد كان نجاح فكرة الفيس بوك وكذلك جوجل، من الأمثلة التي تبنَّتْها بعض مؤسسات التمويل في مراحلها الأولى، ونجحت نجاحًا باهرًا عوَّض عشرات الاستثمارات في مشروعات صغيرة أخرى لم تنجح.

كذلك هناك التأمين على مخاطر الحوادث التي يتعرض لها المشروع من حريق أو سرقة، فمثل هذه الأمور تتعرض لها كافة المشروعات، وإذا أصابت أحدهم أصابته إصابة قاتلة، فماذا نفعل؟ هنا تقوم شركات التأمين بتأمين المصاب مقابل قسط دوري محدود، وبالتالي توزع أعباء الحوادث على عدد كبير من المشروعات، وبما لا يعرِّضها لخسارة كبيرة، فهذا التأمين هو نوع من التكافل الاجتماعي بتوزيع المخاطر على عدد كبير من المشروعات.

وهكذا يتضح أن التعامل مع المستقبل هو تعامل مع المخاطر، وفي هذه الأحوال وغيرها تقوم المؤسسات المالية الوسيطة بدور رئيسي في تحويل المخاطر إلى تكلفة مقبولة، بتجميع المخاطر وتوزيع أعبائها على عدد كبير من الأفراد أو المشروعات. فالوظيفة الأساسية للمؤسسات المالية الوسيطة هي إدارة المخاطر، ليس بإلغاء هذه المخاطر، وإنما بتوزيع أعبائها على عدد كبير؛ وبذلك يمكن تشجيع الأفراد على الابتكار والتجديد مع التأمين على المخاطر.

ولعله من الطريف أن نتذكر أن كلمة «مخاطر» بالإنجليزية Risk غالبًا مأخوذة من اللغة العربية (رزق)، حيث إن «التجارة رزق»، والرزق من عند الله، وليس أمرًا مضمونًا.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.