كان طويلًا ثقيلًا هذا الاحتضار، الذي ظلَّتِ الوزارةُ تقاسي آلامَه، وتُعانِي سكراتِه، لا يومًا ولا يومين، ولا أسبوعًا ولا أسبوعين، بل أسابيع متصلة.

ولم يَكُنْ طُولُ هذا الاحتضار نتيجةً لقوة الوزارة وحظها العظيم من الحياة، وقدرتها على مغالبة الموت ومقاومة الفناء؛ فأمرها أيسر من هذا وأهون، وهي أضعف من أن تثبت لهبوب النسيم، فضلًا عن عسف الريح، فضلًا عن قصف الرعد. وإنما أطالت الظروف احتضارها عن عمد؛ لأنها كانت وما زالت حائرة مضطربة، لا تدري كيف تحل هذه الأزمة، ولا تعرف كيف تخلص من هذه المشكلات التي أثارها انهيار هذا العهد الزائل.

وقد يكون طول هذا الاحتضار في نفسه ثقيلًا بغيضًا مملولًا، مفعمًا بالخطر على المصالح العامة، ولكنه مع ذلك لم يَخْلُ من فائدة، ولم يبرأ من منفعة للشعب من ناحية وللإنجليز من ناحية أخرى، وللوزراء أنفسهم من ناحية ثالثة.

فأما الشعب، فقد زاده النَّظَرُ الطويلُ إلى هذا الاحتضار الثقيل وما يحيط به من التحلل والفساد وانتشار الأمر إيمانًا إلى إيمان، ويقينًا إلى يقين، وثقة إلى ثقة؛ فرأى كيف تنهار العهود التي لا تعتمد على إرادة الشعب، ولا تستند إلى ثقته، ولا تستمد قوَّتها من قوَّته، ولا تكون صورة لآماله ومُثُله العليا. ورأى كيف تصبح الوزارات التي لا يؤيدها الشعب عرضةً للعبث، لا تستطيع أن تبرم ولا أن تَنْقُض، لا تستطيع أن تعمل ولا أن تقول، ولا تستطيع إلا أن تستسلم وتستخزي وتستكين، ثم رأى كيف يستطيع الشعب المؤمن بنفسه الحريص على حقه، المحتفظ بكرامته، أن يثبت للخطوب حتى يقهرها، وأن يَنْفُذ من المحن المتراكمة كما يَنْفُذ السهم من الرمية قويًّا نقيًّا، وصلبًا ثابتًا جريئًا، لا يقدر عليه شيء، ولا يفسد أمره كيد، ولا تنال منه المحن والأهوال.

وأما الإنجليز، فقد انتقموا من طول هذا الاحتضار؛ لأنهم رأوا أن الشعب الذي يخاصمهم ويقاومهم شعب شريف لا يميل مع الهوى ولا تعبث به الشهوات، وشعب حصيف لا تخدعه الأماني ولا تغره الأباطيل، وشعب صلب لا تثنيه الخطوب ولا تردُّه الحوادث عما يريد، وشعب جاد كل الجد مصمم كل التصميم، لم ينهض لاعبًا ولم يَثُر عابثًا، ولم يطالب بالحق وهو مستعد للتفريط في الحق.

رأى الإنجليز هذا الشعب، ورأوا منه كيف كان مستقيمًا في الخصومة، شريفًا في النضال، فَطِنًا يعرف ما يأتي ويعرف ما يَدَع، ولو كان شعبًا مغرورًا ضعيفًا تذهب به الأهواء كل مذهب لاقتسمه الفريقان المختصمان بينهما، فذهب الإنجليز بشطره وذهب الإبراشي باشا وأصحابه بالشطر الآخر.

أولئك يخدعونه لأنهم سينقذونه من الشر وسيكشفون عنه الضر، وهؤلاء يخدعونه لأنهم يذودون عن استقلاله ويدافعون عن حقوقه، ولكن الشعب المصري الفَطِن اليَقِظ الحَذِر لم ينخدع للإنجليز؛ لأنه لا ينخدع للخصم مهما يَكُن شريفًا، ولم ينخدع للإبراشي باشا وأصحابه؛ لأنه لا ينخدع للذين اعتدوا على حقه وأهدروا سلطانه، وأرادوا أن يسوسوه كما تُسَاسُ القطعان. لم ينخدع لأولئك ولا هؤلاء، وإنما قام كريمًا شريفًا نزيهًا بين أولئك وهؤلاء، يرقب مكر بعضهم ببعض وكيد بعضهم لبعض، وسَجَّلَ على أولئك وهؤلاء ما يقولون وما يعملون، وينتظر مؤمنًا واثقًا ساعة الفوز التي يُهْزَمُ فيها الباطل وينتصر فيها الحق، وتُرَدُّ إليه فيها حريته كاملة وحقه غير منقوص.

وأما الوزراء فقد آلمهم الاحتضارُ الطويلُ، وشق عليهم النزع الثقيل، ولكنهم مع ذلك انتفعوا إن كانوا قادرين على الانتفاع، واعتبروا إن كانوا قادرين على الاعتبار، ورأوا أن السلطان لغو إذا لم يصدر عن الشعب، وأن الجاه باطل إذا لم يكن صورة لحب الشعب، ورأوا أن عدل الله واقع وإن ظهر للناس أحيانًا أنه بطيء، ورأوا أن الذين يستطيلون على الشعب ويستبدون بحقوقه منتهون دائمًا إلى مثل ما انتهى إليه صدقي باشا منذ عام، وإلى مثل ما ينتهون إليه اليوم؛ تعصف بهم الريح وتعبث بهم الحوادث، فلا يجدون حصنًا يأوون إليه؛ لأنهم أضاعوا حصنهم الحصين وهو حب الشعب، ولا يجدون ترسًا يثقون به؛ لأنهم أضاعوا ترسهم المتين وهو رضا الشعب، حتى إذا زال عنهم السلطان وتفرَّقَ عنهم الأنصار نظروا إلى أنفسهم؛ فإذا هم لا يَزِنُونَ شيئًا ولا يعدلون شيئًا، وإذا النفوس عنهم منصرفة والقلوب لهم مبغضة، والألحاظ لا ترمقهم إلا بإشفاق يملؤه الاستنكار.

فإن احتضارًا طويلًا ثقيلًا هذا الذي خضعت له الوزارة أسابيع متصلة، وها نحن أولاء نراها الآن تجود بنفسها، وتلفظ آخر نفاسها، وتنظر من حولها فلا ترى حزنًا ولا ابتئاسًا، وإنما ترى إغضاء وإعراضًا وشعبًا ينظر إليها وهي تذهب فيما يذهب، وتغني فيما يغني، وهو يقول كذا: فَلْتَهْوِ الوزارةُ التي لم تستمدَّ قُوَّتَها من الشعب، ولم تعتمد في حكمها على الشعب.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.