هو الحزن إذن. نُجبَرُ مرة أخرى على الوقوف أمامه وجهًا لوجه، أعيننا في أعينه ولا نقدر على التحرك، لكنه هذه المرة يبدو عاصفًا، كالطوفان الذي يأخذ في وجهه كل شيء، كجبلٍ عالٍ لا نرى نهايته، يكفي لاستحضاره فقط أن نرى صورة لها، أو تقع أعيننا على كتاب فوقه اسم «رضوى عاشور».

١

كان ذلك منذ زمن طويل، ربما قبل عشرة أعوام، عندما التقيتُها للمرة الأولى لإجراء مقابلة صحافية معها لصحيفة الشرق الأوسط حيث كنتُ أعمل. كنتُ معجبًا بروايتها المهمة «ثلاثية غرناطة»، التي صدرت منها وقتها طبعة في مكتبة الأسرة، فقرأتُ كل ما كتبتْ من قبل ومن بعد: «سراج»، و«رأيت النخل»، و«حجر دافئ»، و«أطياف»، و«تقارير السيدة راء» و«قطعة من أوروبا». كان من المقرر أن يكون الحوار لمدة نصف ساعة، لكن الأمر امتدَّ لأكثر من ثلاث ساعات، تحدَّثتْ فيها عن كلِّ شيء؛ عن الرواية، والتاريخ، ومريد وتميم، والجامعة، والطلاب، وهمِّ الكتابة. خرجتُ من الحوار وقد عرفتُ أهمية أن يكون الكاتب إنسانًا أولًا، قبل أن يكون مبدعًا.

٢

تتعدَّد معاني رضوى عاشور؛ فهي ليست فقط الروائية التي استطاعت أن تختار خطًّا مختلفًا في الكتابة، وأن تقدِّم منجزًا سرديًّا مهمًّا يُفصح عن روائية كبيرة تقف وراء كلِّ سطر فيه، فأحد معاني رضوى عاشور أيضًا أنها ابنة القومية العربية، التي اختارت لنفسها طريقًا مغايرًا منذ البداية، منذ أن ارتبطت بالشاعر الفلسطيني مريد البرغوثي، وتحمَّلت المطاردات والتضييقات الأمنية فيما بعد، واعتَبرت قضايا التحرَّر الإنساني والهمَّ العربي والقضية الفلسطينية قضاياها الشخصية، وهو ما ظهر جليًّا في كتابتها، في «الطنطورية» و«تقارير السيدة راء» و«ثلاثية غرناطة»، فضلًا عن كتابتها النقدية، مثل كتابها عن أعمال غسان كنفاني، وكتابها عن الرواية في غرب أفريقيا، وهو ما ظهر أيضًا منذ عملها البحثي الأول «البحث عن نظرية للأدب: دراسة للكتابات النقدية الأفرو-أمريكية». وأحد معاني رضوى عاشور أنها تعطي مثالًا لا يتكرَّر للأستاذة الجامعية التي تقف ضدَّ تجريف العقول والتعليم، وقد كانت لها مواقفها السياسية المشهودة، سواء في عصر الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك، أو بعد الثورة. وأحد معاني رضوى عاشور أنها ابنة الثورات المصرية، سواء بانحيازها القومي لتجربة عبد الناصر وثورة ١٩٥٢، أو وجودها في ميدان التحرير ودفاعها عن ثورة ٢٥ يناير. أحد معاني رضوى عاشور أنها لم تكن ضمن شلة، ولم تُحسب عليها؛ كانت كيانًا منفردًا رغم انتمائها عُمريًّا لجيل الستينيات، يلجأ إليها الجميع، وهم يعرفون أنَّ لديها حلًّا للقضايا الشائكة. أحد معاني رضوى عاشور، أنها كانت «رضوى عاشور».

٣

ما أتذكَّره الآن هو كتابٌ لم يكتمل اتفقتُ مع الدكتورة رضوى على كتابته. كنتُ في أول ٢٠٠٥ قد بدأت تحرير كتاب عن تجربة رضوى عاشور السردية، اتفقتُ معها على تسجيل حوارات مطوَّلة قبل الشروع في الكتابة، وبدأنا بالفعل التسجيل. تعددت اللقاءات، فتعرفتُ إلى زوجها الشاعر مريد البرغوثي، وابنها تميم البرغوثي، ثم توقَّف الأمر لأيام لمرض أحد أقاربها. طالت الأيام بسبب انشغالنا لأسابيع ثم لشهور، ثم توقف الأمر تمامًا، لكن ظللتُ طوال الوقت أفكِّر في العودة إلى الكتاب المعلَّق، وشرائط الكاسيت الفارغة التي لم تكتمل، ولكن كان الموتُ أسرع مني هذه المرة، لأدرك أنني دائمًا لا أقرِّر شيئًا إلا في الوقت الضائع، لأتأكد أنني قصَّرتُ طويلًا، ولم أدرك ذلك إلا بعد فوات الأوان.

٤

تبدأ رواية «ثلاثية غرناطة» بامرأة عارية، وهو ما يمكن اعتباره إسقاطًا سياسيًّا على سقوط غرناطة، وحين سألتها عن ذلك قالت لي إن هذا المشهد رأته أثناء قصف بغداد سنة ١٩٩١:

كنتُ أجلس هنا في القاهرة أمام التلفزيون أشاهد القصف، ورأيت امرأة عارية. وقد تستغرب أن هذا المشهد أتاني ولم أكن أفكِّر في غرناطة، لكن الخوف مما هو مقبل في ذلك الزمان دفعني للكتابة، الخوف من الاندثار، من الانقراض، هو الذي دفعني للبحث عن المراحل التاريخية المشابهة. كان هذا الخوف مقبلًا، فبدأتُ أقرأ عن سقوط غرناطة، ولم أكن أقرأ بهدف الكتابة، وإنما لأعرف ما الذي يحدث. قرأتُ كل ما أمكنني الحصول عليه، أقرأ لأنني قلقة وخائفة، وأريد أن أعرف، وبعد أكثر من سبعة أشهر فوجئت أن داخلي كتابة، وأنني على وشك كتابة رواية، وعندما جلست للكتابة وجدتُني أرسم المشهد الذي رأيته بعيني في ذلك اليوم من أيام أواخر يناير سنة ١٩٩١، وأنا جالسة أمام التلفزيون أشاهد قصف بغداد، وكأنها صورة تطير، أو كأن المرأة العارية تشي بهولٍ مقبل.

٥

كان هذا عقب ثورة يناير ٢٠١١؛ رنَّ الهاتف برقم غريبٍ، وعندما رددتُ وجدتها الدكتورة رضوى عاشور. قالت لي إنها حصلت على هاتفي من الزميلة سلوى عبد الحليم الصحافية بجريدة الحياة، وأنها تكلمني لأنها قرأت روايتي «أثر النبي» التي صدرت قبل الثورة بأشهر قليلة. ظلَّت تتحدث مطوَّلًا عن الرواية، وكنت سعيدًا؛ سعيدًا للغاية، كمن وجد صديقًا بعد انقطاع، سعيدًا باهتمامها بالاتصال لتبدي إعجابها بالرواية، وسعيدًا لعودة التواصل معها، وسعيدًا بإنسانيتها وحميميتها واهتمامها. تحدَّثنا عن الكتاب «المُعلَّق»، وقالت لي إن «شرائط الكاسيت ما زالت كما تركتها في مكانها لم تتحرك»، واتفقنا أننا لا بد أن نعود لمشروع الكتاب مرة أخرى. أخذتنا بعد ذلك همومُ الفترة الانتقالية، ثم سافرتُ خارج البلاد، لأفاجأ وأنا في مكان بعيد، بأن هذا الكتاب لن يكتمل بالشكل الذي أردناه له، وأن الألم والحزن الشديدين للفقد، الغصة الهائلة في الحلق كلما تذكرتُها لن ترحل أبدًا.

٦

تعطي رضوى عاشور دروسًا في جدية الكتابة، تدفع لإعادة التفكير في البناء المعماري للرواية كلما قرأنا «قطعة من أوروبا»، تدفع للتأكيد أن الروايات التاريخية من الممكن أن تكون ملهِمة وإنسانية كلما قرأنا «ثلاثية غرناطة»، تدفع للتأكيد على أن الدفاع عن قضايا المرأة من الممكن أن يكون بلا ضجيج كلما قرأنا «خديجة وسوسن»، تدفع للتأكيد على أن الكاتب من الممكن أن يكون أيديولوجيًّا دون أن يضر بالعمل الفني كلما قرأنا «الطنطورية»، تدفع للجزم بأن أستاذ الجامعة من الممكن أن يكون صديقًا لطلابه، وأن يعلِّمهم أن يكونوا بشرًا، تدفع للتأكيد بأن الكاتب من الممكن أن يكون إنسانًا ومُلهِمًا، تدفع للتأكيد بأنني كلما مررتُ من شارع هدى شعراوي بوسط القاهرة، من أمام البناية المجاورة لوكالة أنباء الشرق الأوسط، لن أنسى أن ثمة كتابًا لم يكتمل، وأنه سيظل معلَّقًا في رقبتي كذنبٍ لا يُغتفر، حتى أنتهي منه.

٧

ما الذي سيتبقى لديَّ إذن؟ رفٌّ خاصٌ في المكتبة به أعمال رضوى عاشور، نسخة مصورة من كتاب «التابع ينهض: الرواية في غرب أفريقيا»، أسئلة غير مكتملة مكتوبة على هوامش الكتب بالقلم الرصاص، «فايل» على الكمبيوتر اسمه «كتاب رضوى»، تفريغات لحكايات وأفكار، وغصة هائلة في الحلق كلما رأيت كل ذلك، وتذكرت رحيل رضوى، ثم الحزن؛ الحزن الهائل كجبل لا يتزحزخ من مكانه، والذي يكفي لاستحضاره فقط أن أرى ابتسامتها الطيبة في أي صورة لها، أو تقع عيني على كتاب فوقه اسم «رضوى عاشور».

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.

جميع التعليقات (1)

  • default avatar
    حازم سويلم ·١١ ديسمبر ٢٠١٤، ١٧:٧ م

    كاتبة وأديبة وإنسانة عظيمة. رواية ثلاثية "غرناطة" واحدة من أمتع الروايات التى قرأتها.. رحم الله رضوى عاشور..