إنك قلما تُرْضِي رَجُليك إذا مدحتَ كلًّا منهما مدحًا مساويًا لمدحك الآخر بلا فرق ولا تمييز؛ لأن طالب المدح إنما يريده كي تكون له ميزة على غيره.

كما أن بعضَ الناس يرغب في الرذائل لأن سبيلها سهل موطَّأ، فكذلك يرغب آخرون فيها بسبب العوائق التي تعرِض سبيلَهم، فتشهيهم مكافحة العوائق، وتجعلها محبوبةً لديهم.

قد يحترم الناس الرجل الذي يدوس عواطفَهم ويُؤْلِم إحساساتهم إذا وجدوا أنه لا يتحرَّج من أن يدوس عواطفَ نفسه، وأن يؤلم إحساساتها. أما الرجل الذي يؤلم إحساساتِ غيره كي يرضيَ إحساسات نفسه وعجبها، فإنه لا ينال إلا المقتَ والاحتقارَ في صميم نفوس الناس، ولو أن بعض المعجبين يستهوون الناس بعجبهم وغرورهم، فيخضع لهم الناس فترةً طالت أم قصرت.

كثيرًا ما يكون احترام المحبِّ للمحبوب من رماد الحب بعد فنائه، وكثيرًا ما يلتجئ إليه المحب الذي فني حبه كي يخفي به فناءَ الحب، فيحسبه الناس دليلًا عليه لما قد يجدون منه في الحب، ولكنه قد يكون من ندم المحب إذا فني حبه.

من الخطأ أن يقال إن الإنسان لا يستطيع أن يعرف نقائصَ نفسه، فإنه كثيرًا ما يعرفها، ولكنه يسميها أسماءً أخرى؛ خداعًا للناس، وتضليلًا لهم ولنفسه، وهو يعوضهم عن ذلك الخداع المضلِّل بأن يبادر بتسميتها بأسمائها الحقيقية إذا لاحت له في غيره، أو إذا حسب أنها لاحت له، أو إذا اتَّهم بها غيره بحقٍّ أو بغير حق.

لا تحسب أن المصيبة تمحقُ كبرَ الرجل المتكبر إذا حلَّت به، بل إن كبره لا يزال به موجودًا، وقد يأخذ أشكالًا وألوانًا أخرى، وينتهز فرصةً لاستعادة شكله الأول.

لقد صدق باسكال العالم الرياضي الفرنسي إذ قال: إننا نعطف على من كان به اعوجاج في قدمه بسبب عاهة، ولكنا لا نعطف على من كان به اعوجاج في فكره؛ لأن الأول لا بد أن يعترف إذا مشى باعوجاج قدمه، أما الثاني فإنه ينكر اعوجاجَ فكره، ويحاول أن يُثْبِتَ أننا على اعوجاج في الفكر. ومع صحة رأي باسكال، ينبغي أن لا نعنف مع صاحب الرأي المعوج، وأن نعطف عليه، وأن نعتقد أن ذلك من آفة في عقله كآفة القدم المعوجة، أو كآفة الصمم أو البكم، وأن نتذكَّر أننا أيضًا كثيرًا ما يدفعنا التحيز والتشيع إلى الحكم بالباطل، فيظهر اعوجاجُ فكرنا بالتحيز أو العاطفة، وإن كنا نأبه له.

إن للفكر أخذةً، ومن أجل ذلك صار العلماء، حتى الأفاضل منهم، لا يتحرَّجون من تضليل قرائهم وتضليل نفوسهم كي يثبتوا صوابَ فكرهم في أثناء بحثهم؛ إما من شغفهم بإثباته، وإما لنيل المدح من الناس، ولكن سوء استعمال القوة الفكرية مكروه مثل سوء استعمال القوة البدنية. وهم إذا وصلوا بعد ذلك إلى الصواب، فهذا الصواب يكون مثلَ الممالك التي نزورها في الأحلام. وقد نعرف أننا في أحلام إذا فكرنا في طريق الرحلة إليها (وهذا كما في قصة الباحثين عن المكروب)، وإذا كان هذا شأنَ العلماء الأفاضل في البحث العلمي؛ فهو أحرى أن يكون شأنَ الناس عامةً في حياتهم اليومية.

إن أهل الاستكانة تعوزهم الجرأة على طلب حقهم، فإذا لم تَقُمْ أنت لهم بكل حقهم ركبتَ الشططَ في معاملتهم، وسهل عليك الظلم، واغتصابُ حقوق الناس، والرغبة في استثمار جهودهم بأقلِّ مما يقتضيه العدل؛ إذ قد تعد استكانتهم دليلًا على نبل أهل الاستكانة. ولا أمرَ يُتلف صحة رأي المرء في العدل مثل العيش بين أهل الاستكانة، فإذا عاش بين غيرهم بعد ذلك ظَهَرَ ظلمه، ودهش لظهور ظلم لم يكن يعتدُّه ظلمًا.

يقولون إن الكذب لا يصدق ولا يقبل؛ لأنه لا أساس له ولا قوة فيه، ولكنَّ لكل كذبة وقتًا وميعادًا وهوًى في النفوس، ولا يمنع من تصديقها أنها لا أساس لها. وقد تكون لها قوة كبيرة مستمَدَّة من قوة من يؤمن بها. (وهذا يذكرنا قول ثاكري إن الكذب قد يكون أصغر من النقطة، ولكنها مع ذلك كالنقطة السائرة التي تحتلُّ مكانًا كبيرًا، وترسم خطًّا طويلًا.)

قد يكون اليأس كالنوم يُجدِّد قوى النفس والفكر، ولكنه إذا صار عادة ونِيْرًا أصبح شللًا لهما.

كثيرًا ما يؤدي الندم إلى اليأس من أداء الخير مع أن المفروض أنه ينبغي أن يؤدي إلى معاودته والتزامه، وإنما يؤدي إلى اليأس من أداء الخير لأنه يحسب أن ما جناه من الشرِّ دليل على حياته كلها، فيكون مثله مثلَ من يدع النقطةَ من السائل الأسود تغطِّي على جميع ثوبه، بدلًا من تلافيها من أول سقوطها، أو كمن يجد صخرة في النهر أو عكارة في نقطة في جزء من الماء، فيحسب أنها تدل على الماء كله.

إذا أردت أن تفهم عصرك؛ فاقرأْ ما يُكتب فيه من القصص، فإن المرء كثيرًا ما يريد أن يخفي نفسه في نفس القاصِّ كي يتمادى في وصف الرذائل وصفًا مُغريًا يُحببها إلى الناس، وهو يزعم أنه ينهاهم عنها.

قد توضِّح حياة المرء ما التبس في قوله، فهوبز الفيلسوف الإنجليزي الذي زعم أن الدولة هي كل شيء، وأن الناس إذا أَنشَئوا الحكومات أسلموا لها كلَّ حقٍّ، قد اعترف للورد كلارندون أنه إنما فعل ذلك كي يتحبَّب إلى الحكومة فتسمح له بالعودة من منفاه، وريدولفي قد نَشَرَ رسائلَ لميكافيللي يستعطف فيها بعض الأمراء، ويشكو إليهم سوء حاله، ويقول فيها: إن مبادئ الطغيان التي ذكرها في كتابه «الأمير» إنما ذكرها تزكيةً لأعمالهم في الحكم، وأنه من أجل ذلك يستحقُّ أن يُعان على أمره بالمال كصدقة.

وقد زعم كُتَّاب آخرون أن هؤلاء الكتاب إنما هالهم انقسام الآراء، فرأوا أن للأمراء الحقَّ في توحيدها صيانة للأمن، وجلبًا للوحدة بأية وسيلة حتى الوسائل العنيفة الشديدة (وذلك هو ما زعم ماكولي في رسالته عن ميكافيللي)، وربما كان الدافعان موجودين في نفس القائل عند قوله ما ذكر.

إن من قلة العقل أن يرفض المرء كلَّ لطف أو عطف، وأن يسيء به الظن؛ لأنه لا يعرف سبَبَه والباعثَ له، فإنه يكون كمن يرفض ماء النهر لأنه لا يعرف منابعه.

بعض القواعد الأساسية في الشرائع لا يعمل بها الناس في حياتهم ومعاشرتهم بعضهم لبعض، فالمبدأ الذي ينصُّ على أن كلَّ متهم بريء حتى تثبت إدانته لا يعمل به الناس، كذلك المبدأ الذي يشرع أن الشك ينبغي أن يجعل في مصلحة المتهم لا يأخذ به الناس في حياتهم الخاصة، فينشأ عن ذلك قلةُ التسامح، ولو عملوا بهما كانوا أقرب إلى التقوى والعدل والتدين.

لقد صدق جوتا إذ قال في قصة فوست: «إن الذي يصمِّم على أن يعد غير مخطئ إذا كان ذا لسان ذَرِب محقٌّ؛ وذلك لأن الطلاقة والمهارة في الكلام قد تهزم أقوى مَلَكات العقل.»

إن عمل الشر لا يتوقَّف على كبر شأن صاحبه، ومع ذلك فإن الناس كثيرًا ما يظنون أن الرجل الحقير لا يستطيع عمل شرٍّ كثير حتى وهم متأثِّرون بما يقول أو ما يصنع من الشر.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.