تسيطر الدولة — كل دولة — على عدد غير قليل من الأصول والأموال التي تحوزها وتديرها، وأحيانًا تتصرف فيها بما يساعد على تحقيق أغراضها في حفظ الأمن والاستقرار، وضمان العدالة وحماية الحقوق، وتوفير مستوى معقول من الرفاهة الاقتصادية للأفراد، فضلًا عن ضمان توفير المناخ المناسب لقيام الأفراد بنشاطهم الاقتصادي ومختلف علاقاتهم الاجتماعية الأخرى.

ومع ذلك يختلف مدى وحدود حقوق الدولة على هذه الأصول والأموال بحسب طبيعة ملكية الدولة لهذه الأموال والأصول، وعادة ما يميز الفكر الإداري بين نوعين من ملكية الدولة: الملكية العامة (الدومين العام)، والملكية الخاصة (الدومين الخاص).

أما الدومين العام أو الملكية العامة فيقصد به ما يُخصص من أصول للمنفعة العامة، من طرق وكبارٍ وجسور وقناطر ومعسكرات وموانئ، وغير ذلك مما هو لازم لأداء المنافع العامة. وهذه الملكية العامة تكون غير قابلة للتصرف فيها للغير بما يتعارض مع الغرض الذي هُيِّئَتْ له من خدمات ومنافع عامة، ويعهد عادةً بإدارتها والإشراف عليها إلى الجهة الإدارية المسئولة عن إدارة مثل هذا المرفق العام. وتتحدد طبيعة هذه الملكية وشروط الانتفاع بها بما يتفق مع طبيعة المرفق والمنفعة العامة التي يوفرها، فإذا انتفى هذا الغرض العام للمنفعة العامة، بأن تركت الإدارة الموقع المخصَّص لهذه الخدمة إلى مكان أفضل، أو حتى توقفت تمامًا عن أداء هذه الخدمة العامة نظرًا لما لحق مفهوم المنافع العامة من تطوُّرٍ، فإن هذه الأموال العامة — الدومين العام — تفقد صفتها كملكية عامة للدولة، وتصبح ملكية خاصة ويجب أن تعود إلى الدولة. فصفة الدومين العام تدور وجودًا وعدمًا مع استمرار الخدمة والمنفعة العامة التي تؤديها، فإذا توقفت الخدمة العامة، زالت صفة الدومين العام.

وأما الدومين الخاص أو الملكية الخاصة للدولة، فهو يمثل ما تملكه الدولة من أراضٍ وعقارات أو غير ذلك من الأصول، والتي لا تُخصَّص لخدمة أو منفعة عامة. وملكية الدولة لهذه الأصول والأموال هي ملكية خاصة لا تختلف عن الملكية الخاصة للأفراد التي ينظمها القانون المدني، ولذلك يجوز التصرف فيها بكل أنواع التصرفات المعروفة في القانون المدني من إيجار وبيع وغير ذلك من التصرفات. ولا تثير طبيعة ملكية الدولة للدومين الخاص أية مشاكل قانونية، فهي ملكية خاصة — من حيث طبيعتها — بكل ما تعنيه هذه الملكية من خصائص، وتخول صاحبها كل حقوق الملكية المعروفة في القانون، ولكن المشكلة إذا لم تكن في طبيعة الملكية، فإنها تنحصر في شخص المالك لهذا الدومين الخاص، وهذا المالك هو دائمًا الدولة، وهذا ما يثير الكثير من الإشكالات، حول مَن يمثِّل الدولة كمالك للدومين الخاص.

ومن المتفَق عليه بين الفقهاء أن الدولة شخص قانوني تكتسب الحقوق، وتتحمل الالتزامات، وتقوم بجميع التصرفات، ولكن الشخصية القانونية تصدق للدولة في مجموعها وليس لكل وزارة أو مصلحة حكومية؛ فالدولة وحدها هي الشخص القانوني، أما الوزارات والمصالح فهي مجرد وحدات إدارية وتنفيذية، وليس لها شخصية قانونية، وليس لها بالتالي الصلاحية لاكتساب الحقوق أو تحمل الالتزامات، ومن باب أولى القيام بالتصرفات. وتمثل الحكومة الدولة فيما يتعلق بالحقوق والالتزامات المالية، وتعتبر وزارة المالية هي المسئولة عن كل ما يتعلق بإدارة أموال الدولة، ويترتب على ذلك أن جميع أموال وأصول الدومين الخاص من أراضٍ وعقارات وغير ذلك من أصول هو ملك الدولة، ويمثلها في هذا المجال المالي وزارةُ المالية التي تدير أموال الدولة الخاصة لحساب الدولة.

وجرت العادة على أن تنشأ إدارة أملاك الدولة كجزء من وزارة المالية للإشراف وإدارة الأموال الخاصة للدولة — الدومين الخاص — وينبغي أن تورد حصيلة كل عوائد الدومين الخاص للدولة من بيع أو استغلال، وبذلك تضاف إلى موارد الخزانة العامة. فهذه أموال خاصة مملوكة للدولة، وبالتالي فإن كل ما ينتج عنها من حصيلة للبيع أو الإيجار يعتبر دخلًا للدولة يضاف إلى موارد الموازنة العامة، وينبني على ذلك عدم جواز تملُّك الوزارات أو المصالح الحكومية لأية أموال خاصة؛ فهذه الوزارات والمصالح — كما أشرنا — هي مجرد تقسيمات إدارية داخل كيان الدولة للقيام بوظائف معينة، وليس لأي منها الشخصية القانونية، فوزارة التعليم مثلًا ليست شخصًا قانونيًّا يستطيع التملك، وإنما هي جزء من كيان الدولة للقيام بوظيفة نشر التعليم والإشراف عليه، وما قد يوضع تحت تصرفها من أموال لأداء الخدمات العامة في التعليم — مثل المباني اللازمة للوزارات أو للمدارس — فهي ليست ملكية خاصة للوزارة، وإنما هي جزء من الأموال العامة ما دامت ظلت مخصَّصة للخدمة العامة في التعليم، أما إذا تغيَّرت صفتها وتخلت عن القيام بهذه الوظائف، فإنها تصبح مجرد عقارات مملوكة ملكية خاصة تعود إلى الدولة التي تمثلها وزارة المالية، ويجب أن تورد حصيلة أي تصرُّف فيها للخزانة العامة.

ورغم استقرار هذه المبادئ في الفقه القانوني، فقد جرى العمل — منذ فترة — على التجاوز عنها والسماح لمختلف الوزارات والهيئات بتملُّك أراضٍ وعقارات، والتصرف فيها كما لو كانت ملكية خاصة لها، وعدم توريد حصيلة البيع أو الاستقلال إلى الخزينة العامة، وإنما الاحتفاظ بها لاستخدامها في مشروعات بها لصالح العاملين فيها، من بناء مساكن لهم أو مصايف أو نوادٍ أو حتى توزيع منح ومكافآت تشجيعية لهم، وغالبًا ما حصلت هذه الوزارات أو المصالح على هذه الأراضي والعقارات عن طريق تخصيصها في أول الأمر لخدمة عامة (إنشاء مدرسة، أو إقامة معسكر، أو بناء سجن)، ثم تخلَّت الوزارة أو المصلحة عن هذا الهدف، مع استمرارها في السيطرة على العقارات باعتبارها ملكية خاصة لها تملك حق التصرف فيها ولحسابها، وهو أمر غير جائز أخلاقيًّا وقانونيًّا واقتصاديًّا. أما أنه غير جائز أخلاقيًّا، فذلك أن الوزارة أو المصلحة المعنية لم تحصل على هذه الأراضي في أول الأمر بالشراء من موارد خاصة بها، وإنما خُصِّصَتْ لها هذه الأراضي من جانب الدولة تحقيقًا لخدمة عامة، وبذلك فالمفروض أن تظل يد الوزارة أو المصلحة قائمة على هذه الأموال، طالما استمر أداء هذه الخدمة العامة، وتزول بانقضاء أداء هذه الخدمة وتعود إلى ذمة الدولة، والقول بغير ذلك يعني أن الوزارة أو المصلحة تحقِّق كسبًا غير مبرَّر أخلاقيًّا (الإثراء بلا سبب) خصمًا من الموارد العامة للدولة — أي الشعب.

وأما أنه غير مقبول قانونًا، فذلك لأن هذه الوزارات والمصالح ليس لها شخصية قانونية، وبالتالي لا يحق لها التملك أصلًا، ومن باب أولى التصرف في هذه الأموال والاستحواذ على العائد منها. وأخيرًا فإنه من الناحية الاقتصادية والمالية، فإن خروج الأموال الخاصة للدولة عن سيطرة وزارة المالية يعني أن الموارد العامة للدولة مبعثرة ولا يخضع استخدامها للرقابة الشعبية، الأمر الذي يؤدي عادةً إلى الخروج على مبدأ المساواة في الفرص، حيث تستخدم هذه الأموال — عادةً — لمصلحة العاملين في هذه الوزارة، أو لمصلحة دون غيرهم من المواطنين وبغير رقابة من ممثلي الشعب، كما يحدث بالنسبة للموارد الأخرى في الموازنة.

وإذا كان الأصل العام هو أن الدولة وحدها — دون الوزارات والمصالح الحكومية — هي التي تتمتع بالشخصية القانونية، وبالتالي لا يجوز لغيرها التملك والتصرف في الأموال، فقد أظهرت التجارب خلال القرن العشرين الحاجة إلى الاعتراف بالشخصية القانونية لكيانات عامة أخرى إلى جانب الدولة، فمع التوسع في نُظُم الحكم المحلي، ظهرت الحاجة إلى الاعتراف بالشخصية القانونية للهيئات والسلطات المحلية، وهنا تتضمن المبادئ المستقرة في إدارة الحكم المحلي كيفية التعامل في أموال المحليات، وفي جميع الأحوال ينبغي أن تظهر كل إيرادات التصرف في الأموال المملوكة لهذه الهيئات المحلية في الموازنات المحلية، والتي تُعرَض على المجالس المحلية للمناقشة والإقرار.

كذلك فإنه مع زيادة تدخُّل الدولة في المجال الاقتصادي وإنشاء المؤسسات الاقتصادية العامة، الأمر الذي يتطلب مرونة في التعامل، بدأت تظهر الشركات العامة والمؤسسات العامة، والتي تتمتع بموازنات مستقلة توفر الاستقلال المالي والإداري. وفي هذه الحالات يجب وضع الضوابط وأساليب الرقابة والإشراف، بما يضمن حسن استخدام الموارد المالية لهذه المؤسسات والشركات العامة بما يحقق أهدافها.

وباستثناء الحكم المحلي والمؤسسات العامة الاقتصادية، يظل المبدأ الأساسي هو أن الدولة وحدها هي الشخص القانوني صاحب الحق في التملك، وأن الوزارات السيادية والمصالح الحكومية هي جزء من الدولة، وليس لها شخصية قانونية، ولا يجوز لها الملكية الخاصة، وأن ما قد يوضع تحت تصرُّفها من أصول وأموال لإشرافها وإدارتها لأداء وظائفها من تقديم الخدمات العامة، إنما هو جزء من الأموال العامة اللازمة لأداء وظائفها للمواطنين. وإذا توقف تخصيص هذه الأموال لتقديم الخدمات العامة لأي سبب من الأسباب، زالت صفة الملكية العامة (الدومين العام) عنها، وتصبح ملكية خاصة للدولة تعود إلى وزارة المالية.

ولكل ذلك فإننا نعتقد أن الانطباع السائد، والذي كاد أن يصبح عقيدة في أن بعض الوزارات والتي كانت تشرف على أراضٍ كانت مخصَّصة لمرافق عامة، مثل المطارات أو الفنادق، ثم لم تَعُدْ هناك حاجة إلى هذه الخدمات، فتتصرف الوزارة كما لو كانت هذه الأراضي ملكية خاصة لها تملك التصرف فيها بالبيع والاحتفاظ بحصيلة البيع لصالح العاملين بها بعيدًا عن الموازنة العامة — كل هذا خروج على مفهوم الدومين العام أو الخاص، وإهدار لمبدأ وحدة وعمومية الموازنة. وقريب من ذلك أن تُكلَّف وزارة أو مصلحة حكومية بتحصيل رسوم معينة، فتتصور أن ما تحصله هو عائد خاص بها تملك التصرف فيه، من ذلك مثلًا ما كانت تجري عليه وزارة الخارجية من الاعتقاد بأن رسوم الأعمال القنصلية التي تحصلها القنصليات المصرية في الخارج هو دخل خاص بالوزارة، يمكن استخدامه لمصلحة العاملين في الوزارة.

كل هذه الممارسات خروج على أصول المالية العامة، وعلى فكرة الدولة الحديثة، وهي تشتيت وتمزيق لمعنى الدولة. الدولة الحديثة كيان واحد متكامل وليست جزرًا منفصلة، والمبادئ المستقرة في إدارة الدولة وما تتضمنه من قواعد وشفافية ومساءلة، توفر حدًّا أدنى لضمان سلامة التصرفات المالية للدولة، ومن أهم هذه المبادئ وحدة وعمومية الموازنة، وقواعد الدومين العام والدومين الخاص. كما أن الدولة لها حكومة واحدة وجيش واحد، فينبغي أن يكون لها مالية موحدة، تحت إشراف وزارة المالية ورقابة البرلمان. والله أعلم.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.