جاءت القذيفة الذَّرِّيَّة نجدة «جَهنمية» لكثير من الرءوس وكثير من الألسنة في أحاديث الجو على الخصوص، وهي أشيع الأحاديث.

والناس لا يتهافتون على شيء كما يتهافتون على سبب حاضر يفسرون به كل سر ويُعلِّلون به كل حادث، ويقوله المتكلم فيقبله منه السامع أو يسبقه إليه.

ولهذا نجح الشيطان في جميع الأزمات.

فالرذائل من الشيطان، والجرائم من الشيطان، والمصائب من الشيطان، والحب من الشيطان، والبُغض من الشيطان، ولا شيء من الإنسان؛ فلماذا لا ينجح الشيطان؟

إنه نجاح باهر لهذا السبب، وهو سبب الأسباب أو جميع الأسباب. ويا له من نجاح شيطاني قليل النظير!

وهكذا نجحت القذيفة الذَّرِّيَّة، وهي غير بعيدة النسب من الشيطان كله؛ لأنها رجوم وهو رجيم.

اليوم برد شديد …

لم أكَد أقولها حتى لحقني السامع قائلًا: وأين نذهب من القذيفة الذَّرِّيَّة وتجاربها؟ نحن الآن في الطلائع، والله يعلم بما يجيء في الخواتيم.

ولقد كانت القذيفة الذَّرِّيَّة مسئولة عن شدة الحر في عنفوان الصيف، نسألها اليوم عن شدة البرد في عنفوان الشتاء …

رحمة الله على أيام أيامك يا ابني يا حافظ يا ابن اﻟ …

ولا بُدَّ من رواية قصة حافظ هذه في هذا السياق؛ فإنه كان «المتهم المشترك الأعظم»، قبل القذيفة الذَّرِّيَّة بنصف قرن، يوم كان تلميذًا بمدرسة أسوان.

كان مشهورًا «بالشقاوة» عن جدارة واستحقاق، والحق يقال.

وكان مدرس الخط ضعيف النظر يَتهم بالسماع ولا يتهم بالرؤية، وله لازمة تُغري بمعاكسة من لم يكُن في شقاوة «حافظ» الخبيث … فكيف بحافظ نفسه وهو لم ينقطع عن الخبث طرفة عين؟

كانت لازمة الشيخ مصطفى حين يغضب من تلميذ أن يبدأ بالوعظ اللطيف، وينتقل منه توًّا إلى الشتم العنيف.

لماذا هذه الشقاوة يا ابني … يا ابني يا ابن الكلب!

وكلما سكت عن هذه الموعظة وما يرادفها من التحية الأبوية، أثاره الشياطين الخبثاء ليذكرها ويتجه بها إلى هذا أو ذاك من أبنائه … أبناء الكلب.

ولم يكن عنده اسم يذكره إذا سمع حديثًا أو أنكر شيئًا في أقصى الحجرة غير اسم حافظ.

وغاب حافظ في بعض الأيام، فصاح الشيخ مصطفى كعادته عند أول «هيصة» سمعها: يا حافظ يا ابن …

فتلقى الرد من عشرين حنجرة في نفس واحد يقول: حافظ غائب يا أفندي …

فلم يتراجع الشيخ مصطفى ومضى على الأثر قائلًا: وغائب أيضًا؟ الله لا يرجعه … ها هو قد غاب وترك شقاوته في مكانه!

ونظن أن القذيفة الذَّرِّيَّة ستغيب في بعض الأيام أو تنصرف إلى أعمال السلام، وتبقى بعد ذلك هدفًا للاتهام.

غابت وتركت حَرَّها وبردها وراءها، لا ردها الله!

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.