الفقر، كما قالوا فيه — وقاك الله شره — كافر، ولك أن تقول «مكفر» أي مغرٍ باقتلاع الإيمان والثقة والأمل والحب، وبغرس البغضاء والحقد، والحسد والتمرد؛ ولهذا قال الحكيم: «لو كان الفقر رجلًا لقتلته» وأنا أزيد عليه: «ومثَّلت به» وإن كان التمثيل قلة عقل وانتكاسًا وارتدادًا بالإنسان إلى الوحشية الجامحة بغير لجام، ألم تقل بنتُ أبي بكر لابنها وقد حدثها بخوفه من التمثيل به: «إن الشاة لا تألم السلخ بعد الذبح»؟ وتالله ما أصدقها و«أفحلها» أيضًا! ولكن التمثيل فيه شفاء للحنق المكظوم والغيظ المتلهب، وفيه تخويف وزجر، والإنسان حيوان ضعيف — حتى في قوته — ومن ضعفي أتمنى لو تيسر لي — وأنَّى يتيسر — أن أُمَثِّلَ بالفقر.

والفقر لا يعرفه إلا من يعانيه، وقد تجد غنيًّا رافلًا في حُلَلِ النعيم، يُبْدِي عطفًا حين توصف له أحوال الفقراء، وقد يزيد فيجود بالمال ويسخو سخاءً عظيمًا، ولكني لا أرى هؤلاء إلا أحد رجلين قد يكون لهما ثالث لم ألتقِ به في حياتي: أحدهما لا يعرف مذ فتح عينيه على الدنيا إلا هذا الرغد الذي هو فيه، فهو لا يعرف الفقر إلا سماعًا — كما تقرأ وصف نكبة «بومبيي» في رواية اللورد ليتون، لمَّا ثار بركان فيزوف ودفنها هي وأهلها، فلا يفيدك هذا إلا صورة غامضة ملتاثة لجملة ما حدث دون تفصيله وإن كان الكاتب لم يقصر في الاجتهاد — وآخر أثرى بعد فقر وأنساه حاضره وماضيه لبلادة فيه، أو لزهد في تذكُّر هذا الماضي الأليم، أو أنفة أن يقال كان فقيرًا، أو ترهلاً من طول الخفض والسعة والخصب، إلى آخره، إلى آخره!

وقد أشقاني حر هذه الأيام وأتلف أعصابي، واسترق كل ذرة باقية من القوة في بدني — في أعقاب مرض مُذْوٍ — فغلقت الأبواب والنوافذ، وقعدت فاترًا متهافتًا أتساءل: إلى أين المهرب من هذه الوقدة التي لا صبر لي عليها؟ وما بي — عَلِمَ اللهُ — تَطَرٍّ، وما كنت يومًا من المُتْرَفِين المُدَلَّلين، وما في بيتي — ولا أحب أن يكون فيه — شيء وثير أو مريح، ولكنها السن تعلو فتضعف القدرة على الاحتمال والتشدد، والحاجة إلى العمل لكسب الرزق لا تدع سبيلًا إلى الراحة والكسل، وأمثالي هم السواد الأعظم والجمهور الأكبر الذين إذا عملوا طمعوا، وإذا كفوا أو كسلوا جاعوا، أفلسنا نحن هذا الجمهور الأكبر بِرَاحَةٍ خُلَقَاء؟

وتذكرت، كيف كنت — وأنا صغير — إذا جاء الصيف وتعطلت المدارس، أذهب إلى بيوت أخوالي في صحراء الإمام الشافعي، حيث الوقدة بعض نار جهنم، والرمل جمر والماء يُحْمَلُ إلى البيوت المتلظية في قِرَبٍ، والقربة بنصف قرش، وللقرش قيمته، والاقتصاد واجب، وهَبِ المال وفيرًا — وعند مَن؟ واحد أو اثنين من عشرين ألفًا؟ — فأين القِرَبِيُّ؟ ومن ذا الذي يغريه بأن يحمل القربة على ظهره من «مصر القديمة» إلى حي الإمام — أي ثلاثة فراسخ — من أجل خمسة مليمات؟

وتذكرت أني شببت عن الطوق — ومن ذا الذي لا يشب إذا لم يمت — واستقلت من عملي في الحكومة، واشتغلت بالصحافة، وآثرت — لأسبابٍ شتى بعضها عاطفي — أن أتخذ مسكني في هذه الصحراء الجرداء، وكان من حسن الحظ أن البيت يملكه رجل له حظوة عند شركة الماء، فمدت له أنابيبها، وأعفته من «العداد» واكتفت بأن تتقاضى خمسة عشر قرشًا في كل شهر، ففتحت باب البيت على مصراعيه، وتركت أهل الحي يستقون كما يشاءون — ولا سيما بعد الغروب — فما لهذا الماء ثمن! فكان الغريب الذي يتفق له أن يزورني، يتوهم أن في بيتي شيخًا دفينًا، وهذا «مولده»؛ لكثرة المحتشدين في حديقة الدار، وفي يد كل منهم — أو منهن — أو على رأسه أو رأسها، جرة أو «صفيحة» أو «بلاصي».

وقد ذهب هذا الزمن، ولكن الحر لا يذهب في الصيف، وهذا الجمهور الأكبر لا يستطيع أن يفر منه إلى حيث يجد الماء والبرد ويستجم ويستفيد عافية، وتجديدًا لأنسجة بدنه.

أفلا يمكن أن يدبر الأمر بحيث يتسنى لهذا الجمهور أن تقضي طوائف منه بعد طوائف، أيامًا على شاطئ البحر الأبيض أو الأحمر أو البحيرات، إن هذا واجب، وليس لقطار البحر الذي تسيره مصلحة السكة الحديدية إلا غناء يسير، وحسبك من قلة غنائه أن راكبه يعود برأس محطم، وصداع شديد، ولا يقضي على البحر إلا ساعات معدودات لا تعوض ما أصابه من مشقة السفر ذهابًا وإيابًا، سبع ساعات على الأقل.

لهذا أقترح على الحكومة؛ فإن بنا حاجة — مع الأسف — إليها في كل باب لقلة ما يبدي الأغنياء من العطف أو مما يسمى «الروح العامة»، أقترح أن تنظم الوزارة أو الوزارات التي هي أولى بهذا الشأن أمر الاصطياف للمجاهيد من أبناء هذه الأمة — وهم كثرتها — فما حياتهم بحياة، وإنها لأشبه بوجود نباتي. والشعب طوائف شتى، من طلبة وعمال وموظفين صغار، في الحكومة وغيرها، وإذا كان معظم الطلبة يعودون في الصيف إلى قُرَاهُم؛ فإن غيرهم من الطوائف لا يسعه مثل هذا، وعلى أنه لا خير في كثير من القرى، فالحال في الحقيقة واحد، ومن الواجب إعداد المصايف وتيسير الإقامة بها، بأقل نفقة، ولو على نحو ما تفعل المدراس وفرق الكشافة.

وليذكر أولو الشأن — إذا كانت بهم حاجة إلى التذكير — أن أمة لا يجد أبناؤها المكدودون الوسيلة إلى الراحة والاستجمام لهي أُمَّةٌ مسكينة حقًّا!

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.