زعموا أن زيادًا لما ضبط العراق لمعاوية، وأقَرَّ فيه النظام الجديد بالقهر والعنف، كتب إلى الخليفة يسأله أن يضمَّ إليه ولاية الحجاز، وهمَّ الخليفة أن يفعل، وجزع أهل الحجاز حين انتهى إليهم هذا النبأ، فلجئوا إلى عبد الله بن عمر بن الخطاب، رضي الله عنهما، يسألونه أن يدعو على زياد، فلم يَدْعُ عبد الله على أحد، ولكنه استقبل القبلة فيما يقال، وسأل الله العافية والسلامة والمغفرة للمسلمين، وكفى الله أهل الحجاز زيادًا، وأراح الله أهل العراق من زياد؛ لأنه نقَلَ زيادًا إلى دار أخرى، لا ولاية فيها إلا لله، ولا سلطان فيها إلا لله، وليس فيها خوف من والٍ، ولا إشفاق من أمير …

وكان أهل الحجاز معذورين حين أشفقوا من ولاية زياد؛ لأنه كان قد جشم أهل العراق أهوالًا، وجرعهم من العذاب ألوانًا، وكان أهل العراق معذورين حين تنفَّسوا الصعداء لانتقال زياد عنهم؛ لأنه كان قد أذاقهم ألوانًا من الذل، وأخضعهم لضروب من الخسف لم يعرفوها من قبلُ، وإن كان انتقال زياد عنهم لم يُرضِهم حقًّا؛ فقد ولي أمورهم بعدُ مَن لم يكن خيرًا من زياد، بل مَن كان شرًّا من زياد.

وأنا بعيد كل البعد عن أن أفكِّر في أن بين ولاتنا في الأقاليم هؤلاء الذين نسميهم المديرين، وبين زياد شبهًا ما! فقد كانت في زياد خصال من الخير ليست فيهم مع الأسف، وكانت في زياد خصال من الشر لم يبلغوها مع السرور!

ولكن الشيء بالشيء يُذكَر، وتوزيع المديرين على الأقاليم في هذه الأيام القاتمة يذكِّر بقصة زياد مع أهل الحجاز وأهل العراق، يذكِّر بها لأن رضى أهل الأقاليم عن المديرين الراحلين عنهم وأمل أهل الأقاليم في المديرين المقبلين عليهم لا يخلو من شوائب لا تصوِّر الرضى، ولعلها تصوِّر السخط، ولا تصوِّر الأمل، ولعلها تصوِّر الخوف واليأس. فمهما يَقُلِ القائلون فلن يستطيعوا أن ينكروا أن أهل أسيوط ساخطون على مديرهم القديم سخطًا سجَّله القضاء غير مرة، وتحدَّثَ به الناس في مصر وغير مصر فأكثروا الحديث، وما أظن أن أهل الغربية يستقبلون مديرهم الجديد في أمل مشرق ورجاء مبتسم، وهو يُقبِل عليهم ومن ورائه البداري والمطيعة وبني حسين …! وأكبر الظن بل الحق الذي لاشك فيه، هو أن هذه الأحداث المنكرة التي استُحْدِثَتْ في أسيوط، قد سبقت مديرها إلى أهل الغربية، فملأت قلوبهم، لا أقول رعبًا وفزعًا، فالمصريون بحمد الله لا يعرفون الآن رعبًا ولا فزعًا؟! ولكن ملأت قلوبهم حزنًا وأسًى؛ لأنهم يتوقَّعون أن يسير فيهم مديرهم الجديد سيرته في أهل أسيوط.

ومهما يَقُلِ القائلون فلن يستطيعوا أن يزعموا أن أهل الدقهلية يحفظون لمديرهم الراحل عنهم ذكريات ملؤها الحب الخالص والثناء الجميل، وأن أهل المنوفية يستقبلونه بهذا الأمل الواسع الطلق، وهذا الرجاء الباسم العريض، وما يستقبل به خيار المديرين، من حسن الاستعداد للتعاون الصادق، ولم تجفَّ بعدُ هذه الدماء التي سُفِكت في أرض الدقهلية، ولم تستقرَّ بعدُ هذه النفوس التي أُزهِقت في جو الدقهلية، ولم يَنْسَ الناس بعدُ أن سوء الإدارة كان السبب القريب أو البعيد الذي سُفِكت له هذه الدماء، وأُزهِقت له هذه النفوس، والذي لم تستطع قوانين الناس أن تعاقِب عليه لأمرٍ من الأمور، فإن قوانين الله لا تهمله، ولا تمحو إثمه، ولا تدعه يمضي بغير حساب!

وقُلْ شيئًا كهذا، أو قريبًا من هذا، في سائر الأقاليم التي رحل عنها مدير، وانتقل إليها مدير، فكلها يودع في سخط ويستقبل في حزن ويذكِّر بقصة زياد!

ومع ذلك فهل قرأت المقطم أمس، وهل رأيت أن جميع الأقاليم التي انتقل عنها المديرون قد وجدت من أهلها مَن رضي عن المديرين، وأسف لفراقهم، وحرص على أن يودِّعهم وداعًا فيه الحب والود، وفيه الإعجاب والإكبار! وهل لاحظت أن أخبار هذا الوداع قد وصلت إلى المقطم كلها في لحظة واحدة، ونشرها المقطم كلها في يوم واحد، وفي مكان واحد، كأنما كانت من المقطم على ميعاد! وكأنها التقَتْ في هذا الميعاد فحيَّا بعضها بعضًا، وصافَحَ بعضها بعضًا، وانتقلت جميعًا إلى المقطم، لتنزل في هذه المنزلة التي أُعِدَّتْ لها من قبلُ إعدادًا، ومُهِّدَتْ لها من قبلُ تمهيدًا!

ألم تنكر شيئًا من هذا التوافق الغريب بين مكاتب البريد في قنا وجرجا وأسيوط والزقازيق ودمنهور، وبين سعاة البريد في القاهرة على اختلاف المسافات بُعْدًا وقُرْبًا من القاهرة؟ ألم تحس أن هذا أيضًا أمرٌ قد دُبِّرَ بليل وأُرِيدَ به شيء غير هذا الظاهر الذي تراه أنت وأراه أنا؟ أما أنا فلستُ أدري لِمَ لا أكتفي بظواهر الأشياء؟ ولِمَ أبحث دائمًا عن دخائلها وأسرارها؟ والحق أني لم أُطِل البحثَ، ولم أتكلَّف فيه شيئًا من العناء، فقد أنكرت الصحف حفلات الوداع هذه، وتقدَّمَ بعض النوَّاب بأسئلة فيها إلى وزير الداخلية، وكان حوار في الصحف حول هذه الأسئلة. وإذا وحيٌ يصدر فيسمع، وأمرٌ يبلغ فيطاع، وإذا توافُقٌ غريب بين المديرين على اختلاف أمزجتهم وطبائعهم، كلهم زاهد في الحفلات كاره لها، وكلهم راغب عنها معتذر منها، وكلهم حريص على أن تنشر الصحف زهده واعتذاره. ألستَ تنكر من توافُقِ المديرين على هذا الزهد الطارئ مثل ما أنكرتَ من توافُقِ الرسائل على الظهور في المقطم في يوم واحد، وفي مكان واحد، كأنما جاءت على ميعاد؟!

عَفَا الله عن وزارتنا القائمة، ماذا صنعت بإرادة الأفراد والجماعات وطبيعة الأشياء، أَكُلُّ شيء في مصر يجب أن يكون مرتَّبًا مصنوعًا؟ أَكُلُّ شيء في مصر يجب أن يخضع لهذا العبث الغريب الذي يؤلِّف بين المختلفات ويوفِّق بين المفترقات؟

ثم ماذا أراد العابثون بهذا النوع من العبث؟ تستطيع أن تصدِّقني لم يريدوا به المصلحة، لم يريدوا به التخفيف على هؤلاء المأزومين الذين يكفلون دفع الأموال وهم لا يملكون منها شيئًا، لم يريدوا به إلا اللعب بعقول الناس، وإلا هذه الحرب السخيفة التي لا تقدِّم ولا تؤخِّر. هؤلاء أهل البحيرة قد جمعت منهم الأموال فأدَّوها كارهين، ثم أوحي إلى المدير ألَّا يشهد حفلًا ولا يقبل تكريمًا، فهل ترى أن الأموال قد رُدَّتْ على أصحابها؟ كلا، لم تردَّ، أو قيل لأصحابها لا تقبلوها إن رُدَّتْ عليكم، فسيشترون بها إذًا سندات يُنفَق ريعها في بعض الجوائز المدرسية تخليدًا لاسم المدير. وأي تخليد؟ لم يصدر إلا عن الحب الخالص الذي يدفع إلى الجود لا بالأموال في وقت الشدة بل بالأنفس أيضًا.

وهؤلاء أهل قنا، نعم أهل قنا! أهل قنا بعد أن كان فيها ما كان، بعد أن خطف منها الرئيس وصاحبه، بعد أن ظهر حب أهلها للمدير والإدارة والوزير والوزارة، بعد أن قام ألف دليل ودليل على أن أهلها يؤيدون النظام الجديد، ويذرون عنه بالأنفس والأموال، بعد هذا كله جمعت الأموال من أهل قنا لتكريم المدير، ثم أوحي إليه أن لا يشهد حفلًا ولا يقبل تكريمًا، وإذا هو يعتذر ويلح في الاعتذار، وأهل قنا يأبَون ويصرون على الإباء، ثم ينتهي الأمر إلى أن يستأجر أهل قنا … نعم، يستأجرون قطارًا خاصًّا يشيعون فيه — وقد كدتُ أملي: يزفون فيه — المدير إلى إقليمه الجديد. ماذا؟ أجدٌّ هذا أم هزلٌ؟ بعقول مَن يعبث العابثون؟ إن حكومتنا لقاسية، قاسية مسرفة في القسوة، ما لها تقف موقف العزول بين المحبين فتفرِّق بين المديرين وعشَّاقهم من أهل الأقاليم؟ ما لها لا تَدَع هؤلاء المديرين حيث كانوا هم راضون عن أقاليمهم وأقاليمهم راضية عنهم! فلِمَ تنغص العيش عليها وعليهم؟ الغريب أن أهل الأقاليم سيعشقون المديرين الذين سيُنقَلون إليهم، وسيهيمون بهم هيامًا لا حدَّ له. سيجد أهل قنا في مديرهم الجديد رجلًا يعشقونه كما عشقوا مديرهم القديم، وسيجد مدير قنا القديم من أهل المنيا قومًا يحبهم ويكلف بهم كما أحبَّ القنائيين وكلف بهم من قبلُ، فما تفسير هذه الظواهر التي تعجز عن فهمها العقول؟ تفسيرها يسير، فأهل الأقاليم لا يحسون عشقًا ولا غرامًا، والمديرون لا يجدون حبًّا ولا هيامًا، وإنما كل ذلك شيء مصنوع موضوع يجب أن يقبله أولئك وهؤلاء لتقوم الأدلة الواضحة على أن الأمور تجري في مصر على خير حال.

ولكن مع الأسف الشديد ليس من المصريين ولا من الإنجليز مَن يصدِّق شيئًا من هذا، أو ينخدع لحيلة من هذه الحيل، وإذًا ففيما هذا العبث وفيما الإلحاح في هذا العبث؟ جواب هذا يسير أيضًا، فإن مَن لم يستطع الجد مضطرٌّ إلى الهزل، وإلا فوجوده مستحيل.

صدِّقني إن أمر المديرين الراحلين وأقاليمهم لا يعدو قصة زياد، كل إقليم يودِّع مديره مستريحًا لهذا الوداع، ويستقبل مديره الجديد خائفًا من هذا الاستقبال.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.